05/16/2013 - 10:49

الممارسون المثقفون هم الأساس

يمكن تعريف التحقق المجتمعي، في مستواه الأساسي على أنه وسيلة يستخدمها الأشخاص فيما بينهم لتجميع وتبادل المعلومات والتحقق من صحتها. هذا ويمكن تطبيق تقنيات التحقق المجتمعي على بعض المجالات بما في ذلك مجالات حقوق الإنسان والمساعدات الإنسانية وتحقيق السلام ومنع الصراع وحماية البيئة. وبالنسبة لأهداف هذه المائدة المستديرة، يعتبر التحكم في انتشار الأسلحة هو الهدف الأسمى لكن قدرة التحقق المجتمعي على تحقيق إمكاناته في مجال التحكم في انتشار الأسلحة سوف تعتمد في النهاية على الأفراد الذين يمارسون هذا الأمر. ويعني ذلك أن هناك حاجة إلى عدد كافٍ من الأفراد الذين يتمتعون بالفهم اللازم لكيفية مساهمة الأجهزة المحمولة والشبكات الاجتماعية في التحكم في انتشار الأسلحة -- مع المحافظة على وجهة النظر الدولية التي تتطلب شعوراً بالمسئولية العالمية.

هذا وقد عملت ثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في السنوات الأخيرة على جعل التحقق المجتمعي فكرة عملية على نحو متزايد فقد عملت الشبكات الاجتماعية مثل تويتر والفيس بوك وكذلك الأجهزة المحمولة مثل الهواتف الذكية وأجهزة الحاسوب اللوحي على تحويل التحقق المجتمعي من معاهدات التحكم في انتشار الأسلحة إلى شيء يقترب من الواقع. وتمثل الأجهزة والبرمجيات التي يستخدمها الأفراد في حياتهم اليومية وسيلة تحقق فنية جديدة وقد يحدث قريباً أن يتمكن أي شخص من إجراء عمليات تفتيش غيررسمية بنفسه.

ورغم أن التحقق المجتمعي من اتفاقيات منع انتشار الأسلحة ما زال في مراحله الأولى إلا أن الشبكات الاجتماعية والتكنولوجيات المحمولة قد أثبتت بالفعل نفعها في الكوارث الإنسانية والتحولات السياسية. ففي اليابان ، وفي أعقاب الحادث الذي وقع في محطة فيكوشيما دايتشي للطاقة النووية، قام أشخاص عاديون بوضع خرائط عن طريق تقنية التعهيد الجماعي حيث عملت هذه الخرائط على تعيين مقاييس الإشعاع. وبعد زلزال هاييتي 2010، أسهمت تقنية الحشد الجماهيري إسهاماً هاماً في الاستجابة لحالات الطوارئ. وفي بلدي، مصر، لعبت الأجهزة المحمولة والشبكات الاجتماعية دوراً معروفاً في ثورة 25 يناير، ففي أعقاب الثورة، تخضع المعلومات التي ينشرها اللاعبين السياسيين، أحياناً بقصد التضليل، إلى نوع من التحقق العام وفي بعض الأحيان يتم نشر المعلومات التي يتم التعتيم عليها من قبل وسائل الإعلام الحكومية من خلال وسائل أخرى. فعلى سبيل المثال عندما تمت سرقة المادة المشعة في بداية 2012 من محطة الضبعة للطاقة النووية المخطط لها ، أعلن مستخدموا الفيس بوك عن حدوث السرقة قبل وسائل الإعلام الحكومية ببضع ساعات.

وفي سوريا، لعبت تقنيات التحقق المجتمعي دوراً رئيسياً في ترسيخ الاعتقاد في كثير من الأوساط أن نظام الأسد قد استخدم أسلحة كيميائية ضد شعبه. ورغم وجود قدر كبير من الشك حول الأسلحة التي تم استخدامها ومن قام باستخدامها فمن الجدير بالأهمية على الأقل أن نلاحظ الدور الذي يلعبه التحقق المجتمعي في موقف يصعب فيه الحصول على معلومات موثوق بها. في منطقة مفعمة بالصراعات مثل سوريا أصبح جمع المعلومات الاستخباراتية عبر الطرق التقليدية أمراً صعباً. إن منظمة حظر الأسلحة الكيماوية لا تقوم بتشغيل محطات رصد مثل المحطات التي تقوم بتشغيلها اللجنة التحضيرية لمنظمة معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية (سي تي بي تي أو). وقد يكون إثبات استخدام الأسلحة النووية عن طريق اختبار عينات من التربة أو الماء أمراً صعباً لأن العينات تتحلل بمرور الوقت. في الواقع قد تكون الفيديوهات والتقارير التي يتم تحميلها عبر الشبكات الاجتماعية أنفسها محاولات للتضليل- لكن سوريا على الأقل تمثل حالة اختبار لإمكانية التحقق المجتمعي.

قد تشير الأمثلة المذكورة من هاييتي واليابان ومصر وسوريا إلى مستقبل يمكن فيه ان يقوم أفراد عاديون بإجراء مهام التحقق التى تعقد من أجلها المعاهدات والتي يتم أداءها الآن من قبل منظمات مثل (سي تي بي تي أو). تقوم اللجنة بأداء مهام التحقق من خلال شبكة من المحطات تكتشف النويدات المشعة وغيرها من علامات الانفجارات النووية. بيد أن إنشاء مثل هذه المحطات والحفاظ عليها ليس بالأمرالرخيص الكلفة كما قد لا ترغب بعض الدول في استضافة تلك المرافق. ولذلك، وإلى حد ما، قد يكون من الممكن السماح للأفراد العاديين ذوي الأجهزة المحمولة بتولي مهام العمل المذكورة. فعلى سبيل المثال، يمكن أن يعمل كل جهاز آى فون، عند اقترانه بجهاز مثل آي راد جيجر كجهاز متطور للكشف عن الإشعاع. وقد تمثل شبكة مستخدمي الهواتف الذكية من المثقفين المزودين بتلك الأجهزة أساساً لنظام الرصد العالمي المساعد الذي يمكنه أن الإبلاغ عن قراءات الإشعاع العالمية لأغراض منع انتشار الأسلحة وللأغراض البيئية أيضاً وقد يتم التيسير لمثل هذا النظام من قبل إحدى المنظمات غير الحكومية.

من وجهة نظري، فإن العقبة الرئيسية التي تحول دون تحول هذا الأمر إلى واقع هي وجود عدد محدود من الأفراد الذين يدركون قدرتهم على تحصيل المعلومات ذات الصلة بالتحقق من المعاهدة وقد تكون المشكلة هي قلة عدد الأشخاص في العالم النامي ممن لديهم وجهة نظر دولية تتماشى مع الإسهامات في منع الانتشار النووي والحماية المادية للمواد الانتشارية وجهود وقف الإتجار الممنوع وما شابه ذلك.

لكن هناك بعض النماذج التي تتعلق بتوعية الأفراد بشأن التحقق وأهميته وتقنياته، وكمثال على ذلك، نجد برنامج جامعة أوسلو ، التي كنت تابعاً لها سابقاً، وتعود جذور هذا البرنامج لمبادرة المملكة المتحدة- النرويج بشأن التحقق من تفكيك رؤوس القذائف النووية ويسعى هذا البرنامج جاهداً لتوعية طلاب الجامعة بشأن قضايا التحقق ذات الصلة بنزع السلاح النووي، وبالإضافة إلى تقديم التدريبات على التقنيات العملية للتحقق فإن البرنامج يعرف الطلاب على الأبعاد السياسية والإنسانية لمنع الانتشار النووي ونزع الأسلحة كما يؤكد على خطر إمكانية الحصول على معلومات عن تصميم الأسلحة النووية بدون قصد من خلال إجراءات التحقق و من ثم تحويلها إلى دولة غير مالكة للأسلحة النووية، الأمر الذى قد يتعارض مع المادة الثانية من معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية وقد يؤثر هذا الخطر بشكل واضح على ممارسة التحقق المجتمعي. وفي جميع الحالات، فقد يتم تهيئة مثل هذه البرامج لتشمل مجموعة كبيرة من القضايا ذات الصلة بالتحقق المجتمعي، و من ثم يتم عرضها على الأفراد المهتمين عندما تسمح الظروف السياسية بذلك.

لكن المجال السياسي قد يعمل على تقييد جهود التحقق المجتمعي بشكل جاد في بعض الدول كما يعمل هذا المجال غالباً على تقييد الصحفيين، ففي البيئات ذات الحكومة القمعية أو التي تعاني من عدم الاستقرار السياسي، قد يتعرض الصحفيين إلى اتهامات تتعلق بانتهاك الأمن القومي، من بين أشياء أخرى، ومن المنطقي الاعتقاد بأن المشاركين في جهود التحقق قد يواجهون نفس المخاطر. ففي سوريا على سبيل المثال- التي يأتي تصنيف مجموعة "مراسلون بلا حدود" بها أدنى التصنيف العالمي لحرية الصحافة- ، تمثل هذه البيئة مشكلة كبرى لممارسي التحقق المجتمعي. وهنا في مصر وفي بعض الدول العربية التي تمر بمراحل انتقالية، لا يعتبر الوضع بنفس القدر من الحدة حيث لا يخاف الصحفيين على حياتهم – لكن النشطاء السياسيين يجب أن يشعروا بالقلق لأن أنشطتهم عبر الانترنت يتم تعقبها وقد نجد نفس المخاوف عند المشاركين في التحقق المجتمعي، دون شك.

ويمكن التغلب على العقبات السياسية إلى حد كبير لكن ذلك سوف يحدث عند تحفيز مجموعة كبرى من الأفراد المثقفين للمشاركة في جهود التحقق. قد يكون من غير المحتمل أن يحل التحقق المجتمعي تماماً محل عمل المنظمات مثل سي تي بي تي أو ولكن من المرجح جداً أن يصبح عنصراً مكملاً ذا جدوى.