06/06/2013 - 09:32

أحلام خيالية واستخدامات عملية

ناقشت راجيسواري بيلاي راجاجوبالان في مقالها الأول في اجتماع المائدة المستديرة عددا من القضايا التي قد تثبط التحقق المجتمعي لمعاهدات الحد من التسلح في الدول النامية: التشكك في أنظمة التحقق الحالية والقيود السياسية وعدم رغبة الأفراد العاديين في المشاركة. والقضية الأخيرة هذه على وجه الخصوص مرتبطة باعتقاد، شائع في العالم النامي، أن العدالة والمساواة لا وجود لهما في النظام العالمي لمنع الانتشار.

أوضحت في مقالي الأول أن نجاح التحقق المجتمعي يعتمد على إنشاء كادر كبير على نحو كاف من الممارسين المثقفين. أعترف أنه في منطقتي، الشرق الأوسط، قد يكون من الصعب جدا إقناع الأفراد من ذوي التحصيل التعليمي العادي بأنه يتعين عليهم المشاركة. في الشرق الأوسط، يضمر كثير من الأفراد مشاعر مخيبة للآمال تجاه نظام حظر الانتشار النووي، لا سيما تجاه الاحتكار النووي الاسرائيلي. فمن الصعب التحدث عن الشفافية والثقة إلى أناس يشعرون بأن نظام حظر الانتشار النووي بأكمله غير عادل.

لكن مثل هذه الظروف ليست منتشرة في كل مناطق العالم. في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، حيث توجد بالفعل إجراءات التحقق في سياق المناطق الخالية من الأسلحة النووية، يُتوقع أن يستقبل الأفراد التحقق المجتمعي بمزيد من الحماس. علاوة على ذلك، سيتم تطبيق تقنيات التحقق على استخدامات مختلفة في مجتمعات مختلفة. في الدول المتقدمة، على سبيل المثال، قد يكون التحقق المجتمعي أكثر فائدة عندما يتعلق الأمر بقضايا مثل الجريمة وحقوق الإنسان والاتفاقات البيئية. في بعض الدول الأفريقية والآسيوية، قد يكون التركيز على الأسلحة الصغيرة والألغام الأرضية؛ لأن أسلحة الدمار الشامل ستشكل اهتماما محدودا.

لكن بالعودة إلى الشرق الأوسط، سوف يستلزم الأمر جهدا خارقا لإقناع كثير من الأفراد بالمساهمة في أنظمة التحقق التي يشعرون أنها أساسا غير عادلة. لكن هل ينطبق ذلك على الذين تلقوا تعليما جيدا والذين تلقوا تعليما أقل جودة على حد سواء؟ وهل يمكن أن تأتي الجهود الرامية إلى تعزيز التحقق المجتمعي بنتائج عكسية، وتكون سببا في أن يقوم بعض الأفراد فعلا بإخفاء معلومات تتعلق بمعاهدات الحد من التسلح؟ من الصعب الإجابة على هذه الأسئلة؛ لكن الواضح هو أن التحقق المجتمعي لن ينجح فعلا في الشرق الأوسط حتى تتسم المنطقة بالتنمية المستدامة والحكم الرشيد والعدالة الاجتماعية والترتيبات السياسية التي تضمن الأمن على المدى الطويل.

ناقش جمال خير إبراهيم، في مقاله الثاني، الطرق الدبلوماسية للتحقق المجتمعي وجادل بأن المسار الدبلوماسي 3 -- التفاعلات الشخصية بين الأفراد وجماعات المجتمع المدني العاملة على مستوى القاعدة الشعبية -- هو أكثر الطرق الدبلوماسية ملاءمة لتعزيز التحقق من قبل المواطنين. أُقر بأن الطرق غير المباشرة ستكون هي الوسيلة الأفضل لتسهيل مناقشة هذه القضايا. في الواقع، المسار الدبلوماسي 3 والمسار 2 الذي يعد نوعا ما أكثر رسمية كانا هما الطريقتين الدبلوماسيتين الرئيسيتين على مدى السنوات القليلة الماضية في المناقشات الرامية لإنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط. ومع ذلك، تكمن المشكلة في تحويل التقدم الذي يتم في المسارات الدبلوماسية الأقل رسمية إلى إنجازات ملموسة على المستوى الوطني (المسار1). إنها لحقيقة مؤسفة أن المسارين 3 و2 يؤديان في النهاية الى المسار1. ومع ذلك، فإن ابراهيم محق بأن الدبلوماسية غير الرسمية يمكن أن تسهم في تأسيس مناخ صحي للحوار والنقاش حول التحقق المجتمعي.

إن إبراهيم، في رأيي، لديه أيضا حجة قوية بأن بعض المصالح التجارية قد تجد حوافز لتقبل التحقق المجتمعي. وأنا أقول إن الشركات في عدد من الصناعات التي يمكن أن يساء استخدام منتجاتها - الطاقة النووية والمواد الكيميائية والأسمدة والتقنيات الحيوية - ينبغي أن تفكر في إدراج التحقق المجتمعي في استراتيجياتها المتعلقة بالمسؤولية. صناعة المواد الكيميائية ساهمت بقوة في اتفاقية الأسلحة الكيميائية ، كما لعبت هذه الصناعة دورا هاما في صياغة إجراءات التحقق للاتفاقية . سوف يكون التعهد بدعم مبادرات التحقق المجتمعي هو الخطوة المنطقية التالية.

ربما يكون صحيحا أن التحقق المجتمعي يمكن أن يصل إلى أقصى إمكاناته فقط في ظل ظروف مثالية -- في عالم ينفذ فيه المواطنون الدوليون التزاماتهم المشتركة بحماس تحت حماية هياكل السلطة الخيرة. مثل هذا العالم لن يظهر في المدى القريب. لكن ذلك لا يمنع التحقق المجتمعي من تقديم اسهامات قوية لجهود الحد من التسلح في الوقت الراهن.