06/20/2013 - 07:38

فكرة صائبة وتنفيذ صعب

في سياق تقديم تقييمات جديدة للتهديدات النووية التي تواجهها الولايات المتحدة، وضع تقرير مراجعة الموقف النووي للولايات المتحدة لعام 2010 منع الانتشار النووي والإرهاب النووي على قمة الأجندة النووية للبلاد، حيث تقدما في ترتيب القائمة على الاحتفاظ بردع استراتيجي وتعزيز الردع الإقليمي والمحافظة على ترسانة نووية آمنة ومصونة وفعالة. وهذا ليس مستغربا بالنظر إلى مدى انشغال الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة بخطر احتمالية أن يحصل إرهابيون على أسلحة نووية أو إمكانية أن تحدث دول مثل كوريا الشمالية أو إيران انتشارا أفقيا. في الحقيقة، هذان الخطران مترابطان، حيث يزيد الانتشار من فرص إمكانية حصول جهات فاعلة غير حكومية على مواد نووية.

يبدو أن الولايات المتحدة ستعالج هذه التهديدات من خلال مستويين: تكتيكي واستراتيجي. تتكون الطريقة التكتيكية من أربعة عناصر: تسريع الجهود لتأمين المواد النووية المعرضة للخطر في جميع أنحاء العالم؛ وتعطيل الشبكات الإرهابية من خلال استهداف قنوات تمويلها والقضاء على قيادتها؛ وتدعيم الأمن القومي من خلال مراقبة الحدود بشكل أفضل وإقامة دفاعات صاروخية والقدرة على ضرب الأهداف الإرهابية على نحو عاجل من على بعد؛ وكما هو مبين في مراجعة الموقف النووي، التهديد بـ"المحاسبة الكاملة لأي دولة أو جماعة إرهابية أو أي جهة فاعلة غير حكومية أخرى تدعم أو تمكّن محاولات إرهابية من الحصول على أو استخدام أسلحة الدمار الشامل".

على المستوى الاستراتيجي،  رغم ذلك، السياسة الأمريكية تحاول مواجهة المخاطر النووية من خلال تقليص دور الأسلحة النووية في استراتيجية الأمن القومي. قيّد تقرير مراجعة الموقف النووي، على سبيل المثال، استخدام الأسلحة النووية بـ"الحالات القصوى للدفاع عن المصالح الحيوية للولايات المتحدة أو حلفائها وشركائها". كما أنه احتوي على تعهد بعدم استخدام، أو التهديد باستخدام، الأسلحة النووية ضد دول غير حائزة للأسلحة النووية التي هي أطراف في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وتبدي إمتثالا لالتزاماتها المتعلقة بالانتشار النووي. الفكرة من وراء كل هذه التدابير هى أن الأسلحة النووية سوف تصبح أقل جاذبية للدول الأخرى وسوف يكتسب نظام حظر الانتشار دعما إضافيا. 

هل هذه الطرق التكتيكية والاستراتيجية متناقضة؟ هل التهديد بمهاجمة الدول التي تحرض الإرهابيين يتنافى مع الهدف المتمثل في خفض المخزونات النووية والتحرك نحو نزع السلاح؟ بالتأكيد لا. بداية، التهديد الأمريكي  بـ" المحاسبة الكاملة" لأولئك الذين يدعمون جهودا إرهابية للحصول على أسلحة الدمار الشامل لا يعني بالضرورة أن الولايات المتحدة سوف تستخدم الأسلحة النووية في مثل هذه الحالات. حتى المبادرة الأمريكية المعروفة باسم "الضربة العالمية الفورية"، التي من شأنها تمكين الولايات المتحدة عسكريا لضرب أي نقطة على كوكب الأرض في غضون حوالي ساعة تعتمد على إيصال الأسلحة التقليدية بوسائل الإيصال الاستراتيجية. في الوقت نفسه، القيود الجديدة التي وضعتها الولايات المتحدة على استخدامها الخاص للأسلحة النووية تهدف بوضوح إلى التقليل من قيمة الأسلحة النووية – أي تهدف لدعم جهود منع الانتشار عن طريق اتخاذ إجراءات جادة نحو نزع السلاح. لذلك، ومن حيث المبدأ، فإن سياسة الولايات المتحدة تسير على الطريق الصحيح. لكن المشكلة تكمن في التنفيذ.

لن تنجح جهود الولايات المتحدة، بما في ذلك من خلال سياستها النووية، لردع الإرهاب إلا إذا حظيت بتأييد دولي صادق وواسع الانتشار. لا يمكن للولايات المتحدة أن تأمل في جعل نفسها بمأمن من الإرهاب إلا إذا أمكنها إقناع الآخرين بأن خطر الإرهاب أمر ملح ويتطلب تعاون كثير من الأطراف. من هنا تنشأ العراقيل أمام سياسة الولايات المتحدة. أحيانا تجد الولايات المتحدة نفسها غير قادرة على متابعة سياستها الخاصة. في حالات أخرى، يمكن أن ينظر إلى سياساتها على أنها تمثل تهديدا ويمكن أن تعقد العلاقات بين الدول.

باكستان هي دولة تظهر مدى القيود المفروضة على السياسة النووية للولايات المتحدة. فرغم وجود أدلة كثيرة على أن باكستان شاركت في الانتشار النووي - وأن الجيش وجهاز الاستخبارات، وهما العنصران الأكثر تأثيرا في بنية الدولة الباكستانية، قد دعما وحرضا على الإرهاب – ثمة أمران يمنعان الولايات المتحدة من اتخاذ إجراءات عقابية جادة. أحدهما هو أن الولايات المتحدة يجب أن تحصل على الدعم الباكستاني في حربها في أفغانستان. والآخر هو أن باكستان نفسها تمتلك أسلحة نووية. نتيجة لذلك، تتجاهل واشنطن إلى حد كبير المخاطر المرتبطة بترسانة باكستان النووية المتنامية والدعم الذي تحصل عليه المنظمات الإرهابية من داخل باكستان - برغم أنه لا يمكن استبعاد احتمال حصول هذه المجموعات على أسلحة النووية، بما في ذلك من خلال التواطؤ الرسمي. لذا تكتشف السياسة النووية للولايات المتحدة حدودها عند الاصطدام بدولة مسلحة نوويا حيث تنمو الجماعات الإرهابية. هناك دروس في هذا الصدد يمكن تطبيقها على دول أخرى.

وفي الوقت نفسه، تستشعر روسيا والصين تهديدا من سعي واشنطن لإقامة نظام دفاعي ضد الصواريخ الباليستية ومبادرتها المسماة بالضربة العالمية الفورية (وهي أمور تصفها الولايات المتحدة بالضرورية للدفاع ضد انتشار الأسلحة النووية والإرهاب). التوتر الناتج عن ذلك لا يفسد فقط فرص الدول الثلاثة لمعالجة المخاطر النووية المشتركة بطريقة موحدة، لكنه أيضا يضفي شرعية على جهود التحديث الاستراتيجي لموسكو وبكين. وبينما تسعى روسيا والصين لمعالجة عدم التوازن بين قواهما العسكرية وقوة الولايات المتحدة العسكرية، تزداد حالة الشعور بالتهديد في الدول الأقل قوة. والخاسر بوضوح في كل هذا هو الأمن الدولي.

إذا أرادت الولايات المتحدة التغلب على مثل تلك العقبات، فلا بد لها من صياغة استراتيجيات من شأنها أن تقدم أسبابا للدول الأخرى من أجل التعاون معها. استهلّ تقرير مراجعة الموقف النووي لعام 2010 بالإعلان عن أن حجم الترسانة النووية الأمريكية سوف تستمر في الانخفاض وأن دور الأسلحة النووية في الأمن القومي للولايات المتحدة من شأنه أن يقلل كذلك. قمم الأمن النووي، وهي مبادرة تتزعمها الولايات المتحدة، قد فعلت الكثير لرفع مستوى الوعي بقضايا الأمن النووي. لكن هناك ضرورة لاتخاذ مزيد من الخطوات، لا سيما عندما يتعلق الأمر ببناء الثقة بين الدول والشعور بهدف مشترك بين الأمم والرغبة في العمل بصورة جماعية.

ثمة خطوة هامة أخرى وهي مواصلة جهود نزع السلاح بنفس القدر من القوة المتوخاة في مواصلة جهود حظر الانتشار النووي. في مؤتمرات مراجعة معاهدة حظر الانتشار النووي التي أقيمت عامي 2005 و 2010، رفضت الدول غير الحائزة لأسلحة النووية أن تتحمل التزامات إضافية لمنع الانتشار ما لم يتم اتخاذ خطوات جادة تجاه نزع السلاح - ونتيجة لذلك تم تحقيق القليل في هذا الصدد. نزع السلاح النووي في حد ذاته يتطلب معالجة مثل هذه المواضيع المثيرة للنزاع مثل نظام الدفاع ضد الصواريخ البالستية وعدم التوازن في الأسلحة التقليدية وتسليح الفضاء الخارجي. قد لا تكون هذه القضايا ذات صلة مباشرة بردع الإرهاب النووي، لكن التصدي لها بشكل صحيح سوف يخلق بيئة يمكن أن يعمل فيها الردع على نحو أفضل.

الإرهاب النووي والانتشار النووي يشكلان مخاطر للبشرية جمعاء، فهما ليسا مسؤولية الولايات المتحدة وحدها. لكن الولايات المتحدة هي التي وضعت منذ فترة طويلة النغمة العالمية للشؤون النووية - وفي المجال النووي، يرتبط الأمن القومي ارتباطا وثيقا بالأمن الدولي. إن نهج واشنطن تجاه المخاطر النووية سوف يحظى بقبول كبير لو كان أكثر شمولية، ولو وجدت الولايات المتحدة حلولا قانونية وسياسية للتحديات النووية بدلا من الاعتماد بشدة على الاستراتيجية العسكرية.