07/10/2013 - 08:24

استقلال القرية ليس خيالاً ريفياً

تحدثت تراي مومبيني عن أثر خصخصة قطاع الطاقة في اندونيسيا الذي حال دون استخدام الفقراء ، وخاصة النساء، للموارد المحلية. وكانت كالبانا شارما محقة إذ شددت على أهمية معالجة الصعوبات التي تواجه النساء الفقيرات في سعيهن للحصول على الطاقة لأغراض الطهي، إذا ما أردنا تحقيق المساواة بين الجنسين في العالم النامي. ويتفق جميع المشاركون الثلاثة في هذه المائدة المستديرة أن انتهاج الأساليب المجتمعية لانتاج الطاقة المتجددة هي أفضل مسار نحو تحسين حياة النساء الفقيرات. ولكن ما الذي يحول دون تنفيذ هذه الحلول وما الذي يمكن فعله إزاء ذلك؟

وتكمن المشكلة في أن العقليات الهرمية البيروقراطية عادة ما تكون أقوى من مبدأ المساواة المجتمعية التي تقوم عليه فكرة الطاقة البديلة اللامركزية. ويؤدي التفكير الهرمي إلى خلق نظم مركزية للطاقة تعمل على تهميش وتفتيت المستخدمين -- معظمهم من النساء اللاتي يحاولن إدارة منازلهن في ظل مشاكل قائمة منذ وقت طويل – مما يدفعهم في نهاية المطاف الى الاستسلام للقدر. لكن انتصار الهرمية باهظ الثمن. لأن عموم الناس يصبح غير راغب في الاستثمار ببرامج توسيع الشبكة، سواء من خلال شراء السندات أو زيادة الرسوم الجمركية، وبالتالي تعجز سلطة المرافق عن تلبية الطلب المتزايد على الطاقة. لذلك فإنها تتخلى عن مسؤوليتها تجاه الناس من خلال برامج الخصخصة التي تزيد الامور سوءاً على الفقراء والمحرومين. ورغم تلك الحقيقة، يرفض المسئولون عن المرافق إعطاء فرصة لمصادر الطاقة البديلة .

وفي الوقت نفسه، يتم تجاهل حلول الطاقة كتلك المقترحة في هذه المائدة المستديرة بإعتبارها ضرباً من خيال الأرياف، وأفكاراً لا تستحق اهتماماً جاداً في العصر الحضري الحديث. حيث يتم الإستخفاف بهذه الحلول بحجج أنها برامج تجريبية صغيرة غير قابلة للتوسع لمواجهة التحديات العالمية، وأنها خيارات باهظة الثمن لا يمكن أن تنافس النهج المركزية المفترض فيها وفرة الانتاج. ولكن حلول الطاقة البديلة ليست ضرباً من الخيال، أو حتى باهضة الكلفة – وهو الأمر الذي قد يكتشفه الخبراء الدوليون في مجال سياسات الطاقة إذا تخلوا عن تحيزاتهم الهرمية.

في الواقع، فإن البرامج المركزية التي تحظى بتشجيع السياسيين ودعاة استخدام الطاقة الكهرومائية والمقاولين -مدعومة في أغلب الأحيان بإعانات خفيه وشبه خفيه (ناهيك عن الإعانات التي تعتريها شبهة الرشوة) مما يجعلها تفشل في تحقيق وفرة الإنتاج التي تعد بها. ونتيجة لذلك، فإنها في الغالب تكون أكثر كلفة من البدائل، كما كان الحال مع مشروع " آرون 3 "  لتوليد الطاقة الكهرومائية المشهور بسوء السمعة في نيبال. حصل هذا البرنامج على دعم البنك الدولي، من بين عدد أخر من هيئات المعونة الدولية بالإضافة إلى دعم مرفق الكهرباء في نيبال. لكن النشطاء عارضوا هذا البرنامج بسبب تكاليفه الباهظة، والتي ربما كانت مجحفة لنيبال وللمستهلكين الفقراء. وتعرض البنك الدولي لانتقادات حادة بسبب دعمه لمشروع "آرون 3" فأجهض المشروع في عام 1995. إن هذا مجرد مثال واحد لبرامج المرافق الإحتكارية الأدنى منزلة من البدائل اللامركزية من الناحية الاقتصادية والأخلاقية .

ومن بين المشاكل التي يتعين على العالم أن يستعد لها اليوم هي تلك المرتبطة بزيادة التحضر. فالحياة في الريف صعبة -- وهذا هو السبب في استمرار هجرة الناس إلى المدن. وتتوقع الأمم المتحدة أن نحو 64% من الناس في "المناطق الأقل نموا" في العالم سيعيشون في مناطق حضرية بحلول عام 2050، مقارنة  بأقل من نصف هذه النسبة في الوقت الراهن .  تحضر بهذا الحجم يمثل كارثة محتملة تنذر بإنتشار الفقر والجريمة والأوبئة. وإذا ما أردنا تفادي حدوث هذه الكارثة فلا بد من تحسين مستوى المعيشىة في القرى من خلال أكثر الطرق نجاعة، لا سيما نهج الطاقة البديلة التي تمت مناقشتها في هذه المائدة المستديرة. إن هذا ليس ضرباً من الخيال الريفي ولكنه تشجيع على استقلال القرية وحماية الناس من أهوال حياة العشوائيات .

لابد من وضع أجندة مستقبلية للطاقة تدعم أي مبادرة واعدة تحول دون هجرة فقراء الريف بأعداد كبيرة إلى الأحياء الفقيرة في المدن. ويجب أن تبني السياسة على النجاحات المثبتة لأنظمة الطاقة البديلة المجتمعية. ولابد من إعطاء مساحة لنهج الطاقة البديلة التي تسعى لتحقيق العدالة والإنصاف عند تصميم أنظمة الطاقة— لتقف كقوة موازنة لميول المرافق البيروقراطية التي تسعى لتحقيق التحكم وتحقيق الربح المجحف للقطاع الخاص .