08/05/2013 - 06:32

مصالح شخصية وتهديدات وهمية

المقال الثالث لإيفجيني بوزينسكي يلخص عقلية تمنع الأمم من التفكر بجدية في أشكال للأمن الدولي لا ترتكز على أسلحة نووية.

كتب بوزينسكي، معلنا عن شروط صارمة لإجراء مزيد من التخفيضات في الترسانة النووية الروسية، أنه يجب على روسيا أولا "اللحاق بركب الولايات المتحدة في مجال الأسلحة التقليدية وعالية الدقة." للأسف، هذا يدل على أنه إذا قامت الولايات المتحدة بتهديد روسيا بأسلحة تقليدية وعالية الدقة، فيمكن أن ترد موسكو بطريقة معقولة بهجوم نووي. وفي الوقت نفسه، أعرب بوزينسكي عن قلقه إزاء التحديثات العسكرية للدول الواقعة على طول أو بالقرب من حدود روسيا، وكتب أنه "يجب أن تشعر موسكو بالأمان بشأن سلامة أراضيها" قبل أن تستطيع إجراء مزيد من التخفيضات في ترسانتها النووية. لكن إذا لحقت موسكو بركب واشنطن في مجال الأسلحة التقليدية وعالية الدقة، فسوف ترغب دول أخرى بدورها في اللحاق بالركب. إذن، هل العالم محكوم عليه أن يعيش في حالة من الخوف الدائم؟

ولعلّ السؤال الأقرب إلى صلب الموضوع هو: هل سيظل الشعور بالتهديد عاليا في روسيا لأن زيادة التهديدات تصب في مصلحة صناعة الدفاع المؤثرة والمتحالفة مع زمرة سياسية ذات نفوذ؟ يمكن طرح سؤال مماثل حول باكستان: هل سيظل الجيش الباكستاني يعتقد أن الهند تشكل تهديدا لأن التخلي عن هذا الاعتقاد من شأنه أن يقوض أهمية الجيش في هيكل السلطة في باكستان؟

إذا ظلت الدول أسيرة لتصورات التهديد التي يدفعها للأمام هؤلاء الذين لديهم حوافز لإدامتها، ستكون "الأسلحة النووية باقية معنا لفترة" وفقا لعنوان المقال الثالث لبوزينسكي. وستبقى لفترة طويلة. وسيبقى معنا خطر الحرب النووية والإرهاب النووي لفترة طويلة أيضا.

تخطي الحدود. في الاجتماع الثاني، اقترحتُ اتفاقية عالمية ملزمة من الناحية القانونية لحظر استخدام أو التهديد باستخدام الأسلحة النووية. في الاجتماع الثالث، سجّل بوزينسكي اعتراضاته على ذلك الاقتراح.

أولا، قال:"لا أفهم ما هو المغزى من امتلاك دولة لأسلحة نووية إذا لم تتمكن من استخدامها". لكن هذا هو المقصود بالضبط. لا ترغب الدول في نزع أسلحتها لأنها تعتقد أنه يمكن استخدام الأسلحة النووية - إما عسكريا أو سياسيا. لكن إذا كانت هناك اتفاقية عالمية تحظر استخدام أو التهديد باستخدام الأسلحة النووية، فستصبح الترسانات النووية عديمة الفائدة. وبمرور الوقت، ستصبح الأمم على استعداد لنزع أسلحتها.

ثانيا، تساءل بوزينسكي كيف يتم الربط بين معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وبين الاتفاقية التي اقترحتها، مستفسرا إذا كان نيل عضوية الاتفاقية سيسمح للدول غير الموقعة على معاهدة حظر الانتشار النووي بأنهم "سيكتسبون فجأة الاعتراف بهم كدول حائزة لأسلحة نووية". الشيئ الذي يتجاهله بوزينسكي هو  أنه في حال اكتسبت هذه الدول الاعتراف بأنها دول حائزة لأسلحة نووية، فإنها ستتخلي أيضا عن حقها في استخدام أسلحتها النووية. ولن يكون مهما الوضع الذي ستمنحه الاتفاقية للدول خارج معاهدة حظر الانتشار النووي.

ثالثا، يعترض بوزينسكي على أن الاتفاقية ستلغي مفهوم الردع النووي، وبالتالي ستضطر الدول المسلحة نوويا لإعادة كتابة عقيدتها العسكرية.وماذا في ذلك؟ ألا تقوم الدول بالفعل بمراجعة عقائدها العسكرية بشكل دوري لمواكبة التهديدات والتقنيات المتغيرة؟

قد تكون اتفاقيتي المقترحة، كما يقول بوزينسكي" ليست مناسبة لظروف الوقت الحاضر" لكن هذا هو امتياز المثقفين- كلا، بل واجبهم- لتخطي الحدود.

التهديد الحقيقي. يعتقد زميلىّ في اجتماع المائدة المستديرة هذا أن الوضع النووي الراهن خطير. لكن، بصورة مخيبة للآمال، لا يبدو أي منهما مستعدا لتصور شكل للأمن الدولي لا تمثل فيه الأسلحة النووية هاجسا. حددت سعدية تسليم، وهو مما يحسب لها، عددا من "المعتقدات الشائعة، لكنها غير مؤكدة، بشأن الردع النووي"، مثل أن الأسلحة النووية تعادل اختلال موازين القوى وأن الردع قد منع نشوب حرب بين دول متنافسة مسلحة نوويا، ودعت إلى إعادة النظر بصورة شاملة في مثل هذه الآراء. لكنها كانت ستساهم أكثر في مسألة الأمن في حال استطاعت إقناع زملائها الباكستانيين بأن العديد من الأفكار التقليدية حول الردع لا تستند إلى الواقع. وفي الوقت نفسه، تأسف تسليم على أن "أنظمة الحد من التسلح ومنع انتشار الأسلحة النووية تواجه عثرات"، وتخشى من فشل هذه الأنظمة في المستقبل، لكن حلولها المقترحة لإصلاح المشكلة ليست شاملة أو مقنعة بما فيه الكفاية. سوف تفشل الأنظمة عاجلا وليس آجلا إذا ظلت الأسلحة النووية تمثل هاجسا.

لقد مرّت حوالي سبعة عقود منذ طور البشر أسلحة نووية. وقد ثبت أن هذه الأسلحة تعتبر مسؤولية أكثر من كونها مصدر قوة لأمن الدول- حتى للدول المسلحة نوويا ذات قدرات عسكرية تقليدية ضعيفة نسبيا. عندما تحاول الدول تعويض نقص أسلحتها العسكرية التقليدية بالأسلحة النووية، فإنها عادة تعالج تهديدات وهمية فقط. لكن التهديد الحقيقي، الظاهر للعيان، هو الأسلحة النووية ذاتها.