08/22/2013 - 09:08

نظام منع الإنتشار النووي المرن

لطالما أحتج بأن معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية قد فشلت أو تُمنى بالفشل أو مقدر لها الفشل. تحت مثل هذه المواقف الانهزامية تقبع فكرة أن المعاهدة هي إنكار للتاريخ وتحديا لنفسية الانسان -- بأن الانتشار واسع النطاق هو نتيجة حتمية للتطور المتزايد للجنس البشري في بناء الأسلحة وتعلق البشر الشديد بأدوات السلطة. لكن بالرغم من أنه غالبا ما تم الإعلان عن وفاة المعاهدة وسط أزمات الانتشار، من أوزيراك إلى إيران، فإن المعاهدة لم تمت في الواقع مطلقا، بل استمرت وأصبحت أكثر قوة.

في فترة الستينيات، قامت الصين وفرنسا بأول اختبار لأسلحتهما النووية، وبسنوات قليلة قبل حلول عام 1970، وهو العام الذي دخلت فيه المعاهدة حيز التنفيذ، أصبحت إسرائيل دولة مسلحة نوويا ومع ذلك، فمنذ ذلك الحين تباطأ الانتشار بشكل كبير. فقط أربع دول أخرى أصبحت مسلحة نوويا، واحدة منها، جنوب أفريقيا، تخلت منذ ذلك الحين عن أسلحتها النووية، وانضمت للمعاهدة كدولة غير حائزة للأسلحة النووية.

على مدى عدة عقود، كان يمكن لعديد من الدول أن تصبح مسلحة نوويا، لكن معظمها اختارت كبح أنفسها. الدراسات التي تقارن بين صنع القرار في الدول النووية المحتملة، قبل وبعد أن تنضم إلى معاهدة حظر الانتشار، تبين أن أنشطة الانتشار تنخفض بمجرد التصديق على المعاهدة ومع ذلك، فإن أكبر نجاح لمعاهدة حظر الانتشار يتمثل في وضع حظر الانتشار كمعيار دائم للعلاقات الدولية.

باعتراف الجميع، فإن التوقعات الحالية لنزع السلاح وحظر الانتشار النووي لا تخلو من مشاكل. العراق وليبيا وكوريا الشمالية، على سبيل المثال، حاولت التحايل على نظام المعاهدة، والبعض الآخر قد يفعل ذلك في المستقبل. تهديدات مثل الإرهاب النووي ما زال قائماً، وهناك دائما خطر أن دولة مسلحة نوويا مثل باكستان يمكن أن تصبح دولة فاشلة .

تطور النظام .علاوة على ذلك، يحتج بأن المعاهدة نفسها مليئة بالعيوب والثغرات. وكثيرا ما يستشهد على تصميمها المعيب بأدلة مثل عدم وجود إنفاذ صادق للأحكام، واحتمال إساءة استخدام التقنيات ذات الاستخدام المزدوج لدورة الوقود، واساءة الاستخدام المحتمل لسحب الحقوق.

ومع ذلك، حققت المعاهدة نجاحا مذهلا رغم نقاط ضعفها، وتطورت لمواجهة التهديدات المتغيرة. البروتوكول الإضافي لمعاهدة حظر الانتشار النووي والأنظمة التكميلية مثل مجموعة موردي المواد النووية ونظام مراقبة تكنولوجيا القذائف، كانت إما استجابات لأوجه القصور المتأصلة في المعاهدة أو توسعات لنطاق وقوة النظام. هذه التحسينات تعطي سببا وجيه للاعتقاد بأن نظام حظر الانتشار النووي سيثبت مرونته في معالجة ما يواجهه من تحديات في المستقبل.

بالرغم من انتهاء الحرب الباردة منذ أمد بعيد، فالوقت الحاضر ليس وقت إستسلام للانتشار النووي، بل هو فرصة لمعارضته بقوة أكبر. وقد تم اقتراح العديد من التدابير لدعم النظام. ويشمل ذلك إقناع الدول الموقعة على المعاهدة بالتصديق على البروتوكول الإضافي وتنفيذه، وتعزيز نفوذ الوكالة الدولية للطاقة الذرية فيما يتعلق بتنفيذ إجراءات التحقق مثل عمليات التفتيش الخاصة، وتنظيم دور مجلس الأمن الدولي في الاستجابة لعدم الامتثال .

ومع ذلك، لا يمكن لخطوات رسمية مثل هذه انقاذ نظام يفتقد للمصداقية، لذا فالحفاظ على مصداقية ذلك النظام هو عامل أساسي. هذا يتطلب من جميع الأطراف المعنية اتخاذ مواقف تخلو من الاستثناءات. للأسف، الدول الحائزة على الأسلحة النووية -- حتى مع إخفاقها في الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدة لمتابعة نزع السلاح بحسن نية – بدت في بعض الأحيان حريصة على التخلص من أو التحايل على الجوانب الأخرى من نظام حظر الانتشار النووي. حيث سمحت بشكل انتقائي بالانتشار، كما يتضح من اتفاقية التعاون النووي الأخيرة بين الولايات المتحدة والهند، والعلاقات بين روسيا وإيران، والصين وكوريا الشمالية. مثل هذا التساهل ينقل رسالة مفادها أن المعاهدة ليست التزاما غير مشروط، وإنما أداة للنفوذ السياسي. وبإرسال هذه الرسالة تتجرأ الدول الطامحة لامتلاك القدرة النووية، وتتشجع الدول الموقعة على المعاهدة لاتخاذ الحيطة، ويتعزز الاعتقاد بأن الدول يمكن أن تفلت من مخالفة المعايير الدولية .

الانتشار الأفقي والرأسي .إن صح القول، على حد تعبير وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جورج شولتز، بأن الانتشار يولد انتشارا، فيبدوا أن إيران وكوريا الشمالية هما على الأرحج الدولتان اللتان ستبدآن دورة الانتشار اليوم. أجرت كوريا الشمالية تجارب نووية مرتين، على الرغم من أن جهودها منيت بمشاكل فنية. وتتفاوت التقديرات حول المدة التي تحتاجها إيران لإنتاج سلاح نووي إذا ما اتخذت القرار السياسي للقيام بذلك، لكن احتمال وجود دولة إيران النووية على أية حال سيخلق قلقا كبيرا في منطقة الشرق الأوسط. يمكن لهاتين الدولتين إثارة سلسلة من الانتشار النووي من شأنها أن تضاعف تقريبا عدد الدول المسلحة نوويا وتحيل معاهدة عدم الانتشار إلى مزبلة التاريخ. يجادل البعض بأن تركيا ودول مثل المملكة العربية السعودية ستضطران لاستكشاف الخيار النووي اذا أصبحت إيران دولة نووية، ونفس الأمر ينطبق على اليابان وكوريا الجنوبية إذا ما أظهرت كوريا الشمالية قدرة نووية حقيقية.

وبالرغم من أن هذه الدول لديها المال الكافي لتطوير أسلحة نووية بسرعة معقولة، أعتقد أنه لن يخطط أحد لمثل هذا الأمر. فالجميع سوف تعيقهم عوامل مثل الاعتماد على الصادرات وأيديولوجية الدولة والتوجه الغربي والثقافة المناهضة للروح العسكرية. لذلك أنا لا أتصور حدوث انتشار أفقي، لكنني أتصور إمكانية حدوث انتشار رأسي. إذا حدث وامتلكت إيران سلاحا نوويا، قد تضطر الولايات المتحدة إلى تقديم التزام طويل الأمد لتوسيع الردع النووي لحلفائها في الشرق الأوسط كما يمكن أن تجبر كوريا الشمالية الولايات المتحدة أن تفعل الشيء نفسه في شرق آسيا وهذا قد يدفع روسيا إلى الاسراع للدفاع عن إيران، أو يحث الصين للدفاع عن كوريا الشمالية. في ظل هذا السيناريو، فإن التقدم المحرز حتى الآن في الحد من الترسانات النووية يمكن أن يتوقف أو حتى يرتد.

خياراً غير وارد .على الرغم من هذه التهديدات، لا تزال هناك مساحة كبيرة للتفاؤل. الزخم الذي نشأ في عام 2009 مع خطاب الرئيس أوباما في براغ عن الأسلحة النووية يقدم فرصة لتعزيز الجهود الدولية لمنع الانتشار النووي. ويمكن تعزيز الثقة في نظام المعاهدة من خلال دبلوماسية ثابتة واتخاذ إجراءات موحدة ضد المخالفين للمعاهدة، والتكريس الصريح لمنع انتشار الأسلحة النووية عالميا.

لا يمكن أن يكون هناك سلام حقيقي في عالم يحتوي على أسلحة نووية معدّة للإطلاق. إنها مسؤولية المواطنين المعنيين من جميع الأطياف السياسية أن يعلنوا أن الخيار النووي ليس خيارا على الإطلاق، والمعنيون بمنع انتشار الأسلحة النووية ونزع السلاح يجب أن يحاسبوا من يمثلونهم.

هل ستبقى معاهدة عدم الانتشار؟ ذلك يعتمد على اختيار الشعوب. المعاهدة حاليا على قيد الحياة وبحالة جيدة، وستبقى كذلك على الأرجح -- إلا إذا سمح القائمون على بقائها بموتها.