09/03/2013 - 10:25

إخفاء الأسلحة النووية عندما تكون الأسلحة هي الأصول الرئيسية للدولة

توضح الحكاية التالية الطريقة التي تستجيب بها السلطات الروسية لنقد سياساتها النووية.

في يناير 2012، استشاط فلاديمير بوتين، رئيس الوزراء في ذلك الوقت ورئيس الدولة الحالي، غضبًا خلال اجتماع مع رؤساء تحرير العديد من أهم وسائل الإعلام. وبينما كان يشتكي إلى أليكسي فينيديكتوف من المحطة الإذاعية إيخو موسكفي حول "الهراء الواضح" الذي استمع إليه مؤخرًا عبر المحطة من اثنين من محللي الدفاع: ألكسندر كونوفالوف، رئيس معهد التقييمات الاستراتيجية، وأنا -- زعم بوتين أن المحللين كانا يروجان لمصالح قوة أجنبية ملمحًا إلى الولايات المتحدة.

كان بوتين غاضبًا بشكل خاص من اقتراح كونوفالوف بأنه لا ينبغي أن يشكل موقع منشآت الدفاعي الصاروخي الأمريكية قلقاً للقيادة السياسية والعسكرية الروسية نظرًا لأن التهديد الذي تمثله المنشآت على قدرات الردع النووية للبلاد ضئيلة، إن لم تكن منعدمة. وفي الحقيقة، صرح بوتين أنه إذا نشرت الولايات المتحدة منشآت الرادار لنظام دفاع صاروخي في جورجيا، فإن روسيا قد توجه بعض صواريخها تجاه تبليسي. ولكن واشنطن لا تعتزم نشر منشآت الرادار في جورجيا. وفي الواقع، اقترح أربعة نواب جمهوريون في مجلس الشيوخ هذه الفكرة العام الماضي، ولكنها لم تكن أكثر من مجرد إثارة إعلامية، وأخذ عدد قليل في واشنطن الاقتراح على محمل الجد. ويعتقد بوتين بصدق أنه خبير في مجال الأسلحة النووية، ولكن موقفه من الدفاع الصاروخي يثبت عكس هذا.

الهيستريا والأشباح. نظرًا لأن الأسلحة النووية مكون أساسي في السياسة الخارجية الروسية، من الممكن أن يواجه الصحفيون الذين يتناولون ويناقشون سياسة الأسلحة النووية اتهامات بأن عملهم غير وطني. ومنذ أن وصل بوتين إلى سدة الحكم في المرة الأولى، تم بذل جهود حثيثة من جانب الدبلوماسية الروسية لجعل مسائل الإستراتيجية النووية على رأس الاهتمامات. فمن وجهة نظر الكرملين، تستطيع روسيا إثبات ضرورة اعتبارها قوة عظمى عن طريق التأكيد على قدراتها النووية. ومن ثم، فقد حاولت، بشتى الطرق، تعظيم ترسانتها النووية الضخمة التي ورثتها عن الاتحاد السوفيتي ليكون لها تأثير أكبر في الشئون الدولية. وفي الحقيقة، يبدو أن موسكو ترغب، من خلال محادثاتها مع نظرائها الغربيين -- والأمريكيين بوجه خاص، في مناقشة بعض الأمور إلى جانب الشأن النووي. وقد عمل بوتين بلا كلل لإثارة عدد الرؤوس النووية على قائمة الأجندة الدولية من أجل التعتيم على الجوانب الأخرى التي تبدو فيها روسيا ضعيفة -- مثل تدني مستوى التقدم الاقتصادي في البلاد والذي لا يرتقي لمستوى طموح بوتين في جعل بلاده قوة عظمى. وهو يعتقد أن الولايات المتحدة السبب الرئيسي في جميع المشكلات، ويستغل كل فرصة لتذكير واشنطن أن هناك قوة واحدة في هذا العالم لديها القدرة على تدمير الولايات المتحدة.

عبرت موسكو في السنوات الأخيرة كثيراً عن عدم رضاها عن سياسات الغرب عن طريق استعادة نماذج الحرب الباردة. على سبيل المثال، فإن الكرملين غير سعيد برغبة جورجيا في الانضمام إلى حلف الناتو، واحتمالية انضمام أوكرانيا للحلف أيضًا. وبالتالي، زعم أن الغرب سيقوم حتماً ببناء قواعد عسكرية في هذين البلدين إذا ما انضمتا إلى حلف الناتو، وأنه سيتم تزويد تلك القواعد بصواريخ موجهة إلى روسيا. وتعرب موسكو عن عدم رضاها عن الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية عندما تعبر هذه الدول عن عدم رضاها عن قمع الحريات في روسيا، وترد روسيا على هذا الأمر بإثارة موجات من السخرية حول محاولة الناتو بناء تفوق عسكري.

ظهر الكثير من هذا في خطاب بوتين الذي ألقاه في ميونخ عام 2007 ، والذي قال فيه إن السلام القائم على الخوف من التدمير المتبادل "كان موثوقاً فيه بصورة كافية"، ولكن "يبدو اليوم أن السلام لم يعد يتمتع بمثل هذه الدرجة من الثقة". وقد وضع قضايا الحرب الباردة مثل توازن الأسلحة التقليدية والدفاع الصاروخي في أوروبا مرة أخرى على طاولة المفاوضات، في حين وجه اتهامات إلى الولايات المتحدة مراراً، فضلاً عن غيرها من دول حلف شمال الأطلسي، بمحاولة تحقيق تفوق عسكري على روسيا.

تمنع فكرة أن الأسلحة النووية هي الأصول الرئيسية للبلاد مناقشة قضايا خطيرة مثل ما إذا كانت روسيا بحاجة للحفاظ على التكافؤ النووي مع الولايات المتحدة. كما لا يوجد الكثير من النقاشات الشرعية في روسيا حول الشأن النووي الأكثر إلحاحًا في الوقت الراهن وهو النظام الدفاع الصاروخي الأمريكي. وتصر روسيا على أن الولايات المتحدة تهدف من خلال نظام الدفاع الصاروخي إلى تقويض الاستقرار الاستراتيجي وتهديد قوة الردع النووية الروسية. ولا يبدو أن أحدًا في روسيا يهتم بإجراء نقاش جاد حول هذا الشأن، وأصبح الدفاع الصاروخي شبحًا مثاليًا يمكن للكرملين استخدامه لأغراض سياسية بنفس طريقة استخدامه لمسألة توسع الناتو.

في حقيقة الأمر، نجد أن بوتين مذعور بالفعل من تهديدات الغرب. ولكنه لا يخشى الحرب النووية، بل يخشى الثورة البرتقالية في روسيا. ولدى الكرملين مخاوف من مثل هذه "الثورة الملونة". ولا تتعدى المخاوف من خطط الدفاع الصاروخي الأمريكية كونها مخاوف مصطنعة، حيث يدرك القادة الروس أن تلك الخطط لا تمثل أي تهديد على قدرات الردع الروسية، إلا أنهم مستعدون لمواجهة "الطاعون البرتقالي" حيثما ظهر في العالم. فقد قامت الولايات المتحدة بتغيير النظام في العراق، وساعدت في حدوث الأمر ذاته في ليبيا، وترغب الآن في تكرار الأمر في سوريا، ووفقاً للكرملين، تخطط الولايات المتحدة لقلب نظام الحكم في روسيا.

تلميحات وإشارات وخيانة. في ظل هذه الظروف، فإن إثارة الشكوك حول السياسة النووية الحكومية تثير التساؤلات بشأن السياسة الخارجية الكاملة للبلاد. ويؤثر هذا الأمر على الصحفيين وعلى المنظمات غير الحكومية أيضًا. وتوظف العديد من المؤسسات البحثية الروسية خبراء مؤهلين للغاية في الشؤون النووية. ومن بين هذه المؤسسات مركز الأمن الدولي، الذي يترأسه عالم العلاقات الدولية أليكسي أرباتوف؛ ومعهد الدراسات الأمريكية والكندية، الذي يترأسه سيرجي روغوف، ومركز كارنيغي موسكو. ويرتبط خبراء بارزون مثل الجنرالان المتقاعدان فلاديمير دفوركين وفيكتور إيسين بهذه المؤسسات، إلا أن مجتمع الخبراء يفضل عدم الدخول في مناقشات مباشرة مع الكرملين حول المسائل النووية. ولكنه يفضل، بدلاً من ذلك، التحدث بإشارات وتلميحات خفيفة جدًا بحيث يمكن للحكومة تجاهلها بأمان. وقد يقترح المحللون طرقًا لمواصلة عملية نزع السلاح -- ولكن المسؤولين الحكوميين يصرحون بأن موسكو ليست مهتمة بأي عملية لنزع السلاح.

في الوقت الحاضر، تمتلك السلطات بين يديها أداة جديدة وفعالة جدًا لإيقاف أية مناقشات حول الأسلحة النووية. وقد سنت روسيا حديثًا قانون الخيانة الذي يجرم أي شخص يرتبط بأنشطة مؤسسات تمثل تهديدًا لأمن روسيا. ويمثل الأمن مفهوماً يمكن تفسيره على نطاق واسع بالطبع، ويوفر القانون الجديد فرصة ممتازة لإسكات أي شخص، بما في ذلك الصحفيين، يختلف مع وجهات النظر الرسمية.