09/03/2013 - 10:27

أحد الأشخاص يخفي سرًا

يتسم الحوار العام في الهند حول القضايا النووية -- من سياسة منع الانتشار إلى عقيدة الأسلحة وأيضاً لأمن القوة النووية المدنية بالسطحية بصورة عامة، ويتمثل السبب الرئيسي لهذا في الثقافة السرية النووية في البلاد. وتنشأ السرية عن عدة عوامل، بعضها خاص بالهند والبعض الآخر عوامل خارجية. ومن بين هذه العوامل أن الهياكل الرسمية مثل قانون الطاقة الذرية لسنة 1962 تحصر المعلومات النووية وصناعة السياسات في مجموعة صغيرة من الأشخاص. ويضع القانون قطاعات كبيرة من البرامج النووية المدنية والعسكرية تحت غطاء كثيف من السرية لدرجة تعيق الرقابة البرلمانية. ومن ثم، تقتصر صناعة القرار النووي على مجموعة قليلة من العلماء والبيروقراطيين، والتي يشار إليها أحياناً بالمجموعة النووية الهندية، والذين يعملون تحت إشراف ضئيل بل وقدر أقل من الشفافية. ومن المدهش أن الجيش ليس جزءًا من هذه الدائرة، على الرغم من أنه هو المسئول عن نشر الترسانة النووية.

كان الغموض الذي اكتنف البرنامج النووي خلال العقدين الأولين من وجوده من العوامل الأخرى التي ساهمت في زيادة السرية. ونتيجة للانقسامات داخل المجموعة النووية، والتي كان العديد من أعضائها معادين بصورة شديدة للتسلح، كان هناك قدر كبير من الشكوك حول ما إذا كان يجب أن يتضمن البرنامج عنصراً عسكريًا. ومن ثم، وضعت الدولة برنامجًا ثنائي المسار دون أن تعلن بصورة رسمية عن الجانب العسكري فيه. وبعد ذلك، نمت مخاوف بأنه في سياق سعي الغرب المستمر لتقويض البرنامج النووي المدني العسكري المشترك القائم بالفعل، والذي يعمل بمنأى عن الضمانات الدولية،فإن أية معلومات نووية ستعلنها الهند سيقوم الغرب باستخدامها ضدها. وقد لعبت العقوبات الدولية على الجهود النووية الهندية دورًا مهمًا في تأسيس ثقافة السرية والعزلة بين العلماء النوويين في البلاد.

يتمثل العامل الأخير في أنه بمجرد ظهور البرنامج النووي الهندي أصبح هذا البرنامج تحت حصار القوى الإمبريالية الأجنبية الحديثة وأصبح معروفاً بدرجة كبيرة، وصار قبوله على المستوى العام مؤكدًا . ثم تطور جو السرية النووية ولكنه صار يقل تدريجياً من خلال الحوار الحقيقي حول السياسات النووية. ولم يواجه البرنامج النووي مثل هذا القدر من المعارضة حتى في الوقت الذي تعرض فيه لأخطاء وأثبت عدم كفاءته في الكثير من الأوقات. وكان الجدل حول الاستحقاقات النووية غير مكتمل بشكل كبير، كما كان التقييم الذكي مستحيلاً تقريباً، وركز الجمهور على الإنجازات الرمزية مثل الاختبارات النووية. وقد أحيط البرنامج بدرجة من القداسة وصار خارج نطاق النقاش، وكان ينظر إلى السرية على أنها ضرورة –بل وعلى أنها ميزة إيجابية.

الكلاب لا تنبح. مما يزيد الأمور سوءًا في الهند أن المؤسسات التي تعمل كهيئات رقابة في العديد من المجتمعات -- سواء أكان ذلك في صورة مراقبين مستقلين أو من خلال البرلمان أو وسائل الإعلام وغيرها -- تعاني جميًعا من عيوب تعوق قدرتها على المساهمة في النقاش. ومما يزيد المشكلة سوءًا أن الهيئة التنظيمية للطاقة الذرية، وهي الوكالة الرئيسية التي تراقب أمن المفاعلات الهندية وسلامتها، هيئة تابعة لإدارة الطاقة الذرية التي يفترض بها أن تراقبها. وقد تساءلت هيئة الرقابة الحكومية، المراقب المالي العام، حول مسألة انعدام استقلالية الهيئة. كما لوحظ أن البرلمان قد توقف، عمدًا، عن وضع السياسات النووية ولم تعد له سيطرة على تمويل البرامج النووية.

في الوقت نفسه، تعاني وسائل الإعلام من مشاكل هيكلية حادة. ويتمتع سوق الإعلام الذي يشمل أكثر من 500 قناة تلفزيونية و70 ألف صحيفة ، بدرجة عالية من التنافسية، ويحركه الاهتمامات ذات المدى القصير ولا يوجد أمامه مجال لتحليل السياسات بصورة أعمق؛ حيث تكون الأخبار قليلة والإعلانات لا حصر لها. ويوجد القليل من الصحف، إن وجدت، التي يعمل لديها مراسلون علميون، إلا أنها جميعًا لا تمتلك متخصصين في القضايا النووية. وتسهم معظم المنافذ الإعلامية، مثل الوسائل العامة، في القول بإن العقوبات الدولية السابقة تستدعي ضرورة وجود برنامج نووي -- وهو البرنامج الذي لابد يستمر التعامل معه على أنه محصن من الانتقاد.

نتيجة لهذا كله،أصبحت هناك منشأة نووية لا تشعر بأن ثمة حاجة إلى التواصل مع الجمهور، بل وتشعر بدرجة حقيقة بعدم قدرتها على القيام بهذا. وقد لاقت هذه العزلة درجة كبيرة من القبول، ولكن نظرًا لأن البرنامج النووي قد تم تدويله عقب توقيع اتفاقية التعاون النووي بين الهند والولايات المتحدة، فقد تم الكشف عن أوجه الخلل في تأسيس ثقافة ترى نفسها خارج نطاق النقاش العام العادي. واليوم، مع ظهور بعض الاحتجاجات الشعبية ضد مفاعلات الطاقة المدنية، ومع تجنب الحكومة الأخذ بزمام المبادرة فيما يتعلق بوضع حظر الاختبارات النووية التي كانت تدعمه حيز التنفيذ، نرى جهود منشأة نووية لم يسبق لها شرح موقفها لأي شخص -- باستثناء رئيس الوزراء ومجموعة قليلة من الناس.

ليست ثقافة السرية النووية الهندية، التي ولدت في جو السرية النووية في عام 1950 والعقود العديدة من العقوبات الدولية، مجرد شيء من الماضي. بل تصبح احتمالاً للتوسع في برنامج الطاقة النووية الهندي. وعلى الرغم من أنه كان من المفترض أن يؤدي رفع تجميد التجارة النووية مع الهند الذي استمر لأكثر من 30 عامًا إلى فتح الباب أمام توسع كبير في برنامجها للطاقة النووية، وهو النمو الذي تعرض لعراقيل نتيجة مسائل المسؤولية القانونية، والاحتجاجات السياسية ضد الطاقة النووية، ومشاكل حيازة الأراضي -- وهي الصعوبات التي نتجت جزئيًا، أو تفاقمت إلى حد كبير، نتيجة عدم شفافية إدارة الطاقة الذرية وضعف التوعية العامة. والآن، بدأت الإدارة والهيئات التابعة لها في إجادة فن الدبلوماسية العامة ووسائل الاتصال الجماهيرية. والمطلوب لهذا الانفتاح الجديد والمتنامي أن يصطبغ بالصبغة المؤسسية، وبالتالي ضمان أن تصبح ثقافة السرية النووية الهندية دائمة.