09/03/2013 - 10:32

السرية، الملاذ الأخير

بصراحة، عندما تلقيت الدعوة من نشرة علماء الطاقة الذرية للمشاركة مع الزملاء من البلدان النامية في مناقشة مائدة مستديرة حول الصحافة النووية، كانت لدي بعض التحفظات. فرغم كل شيء، روسيا هي الوريث الرئيسي للاتحاد السوفيتي، البلد الذي كان على قدم المساواة مع الولايات المتحدة في المجال النووي أثناء الحرب الباردة. وتحتل روسيا في الوقت الحالي المرتبة الثانية في الساحة النووية، بسبب ترسانتها العملاقة من الأسلحة وصناعة الطاقة النووية المتقدمة (التي تبني محطات على الصعيد المحلي وفي بلدان أخرى، لا سيما في الصين والهند). ولذا كانت لدي بعض الشكوك حول ما اذا كانت روسيا تنتمي في واقع الأمر إلى نقاش حول المسائل النووية في العالم النامي.

كانت المفاجأة هي أن زملائي المشاركين في مناقشة المائدة المستديرة، بناءً على مقالاتهم الأولى، يواجهون، كصحفيين نوويين، العديد من المشكلات المماثلة التي واجهتها أنا نفسي. وكان من بين العوامل الأساسية في هذه المشكلات، مستنقع السرية التي يواجه أي شخص يكتب حول المسائل النووية في روسيا، ومن الواضح وجود الشيء نفسه في الهند ومصر أيضاً.

أود القول إنه لا توجد العديد من الأسرار الحقيقية في المجال النووي كتلك التي كانت موجودة قبل 30 أو 50 عاماً. ويمكن العثور بسهولة على تصاميم للقنابل الذرية في الكتب الدراسية لمقررات الفيزياء الجامعية. ونتيجة للمعاهدات بين روسيا والولايات المتحدة، لم تصبح مواقع الأسلحة النووية في البلدين وتنظيم قواتهما النووية سراً كبيراً، وينطبق الأمر نفسه إلى حد كبير على فرنسا والمملكة المتحدة بسبب مؤسساتهما الديمقراطية الشفافة. كما أن أهم الأسرار النووية للدول الأخرى ليست سراً أيضاً بسبب ما يشار إليه بدقة باسم "الوسائل الوطنية" (استطلاع الفضاء والتجسس، وما شابه ذلك). وفي الوقت الحالي، فإن المعلومات السرية بحق هي التفاصيل التقنية المحددة للغاية حول الأسلحة أو إنتاج الأسلحة -- ولا تحظى هذه الموضوعات باهتمام الجمهور.

ولكن على الرغم من ذلك، يحيط ستار من السرية بالمسائل النووية، ويسمح هذا للمسؤولين بإخفاء أخطائهم وعدم كفاءتهم عندما يتعلق الأمر باتخاذ القرارات حول المسائل الأمنية. وأعلنت الحكومة الروسية مؤخراً أنها تعتزم تطوير ونشر صواريخ تعمل بالوقود السائل الثقيل لتحل محل صواريخ إس إس -- 18 التي ستحال إلى التقاعد. وقد تم اتخاذ هذا القرار في سرية تامة، دون مناقشة، ودون التشاور مع الخبراء. ولكن يجب على المرء أن يتساءل كيف سيتم إنتاج الصواريخ(؟). في ظل الاتحاد السوفيتي، كانت الصواريخ "الثقيلة" تصمم وتصنع في أوكرانيا. ولم يسبق أن قامت روسيا بإنتاج الصواريخ الأرضية التي تعمل بالوقود السائل "الثقيل". ولذلك يجب أن تقوم روسيا بتصميم هذه الصواريخ الجديدة وقد تضطر أيضاً إلى بناء مصانع لإنتاجها. وسوف يتكلف كل ذلك مليارات الدولارات. ويحرص قادة صناعة الدفاع الروسية على إنتاج أسلحة جديدة، وكذلك كبار الجنرالات في قوات الصواريخ الاستراتيجية. ولكن لا أحد يسأل ما إذا كانت هذه الصواريخ ضرورية لأمن البلاد.

يصر الرئيس فلاديمير بوتين أنه لا يمكن ضمان الأمن القومي لروسيا إلا من خلال الحفاظ على المساواة الكمية في الرؤوس الحربية النووية مع الولايات المتحدة. ولهذا السبب فإنه يريد بشدة مركبات التسليم "الثقيلة" هذه، التي يمكنها حمل عشرة رؤوس نووية. ومن وجهة نظر بوتين، فإن التكافؤ الكمي فقط، مع قدرته على ضمان الدمار المتبادل، هو الذي يستطيع تحقيق الاستقرار. ولكن كيف يحسب الاستراتيجيون الروس الضرر الذي قد يحدث نتيجة حرب نووية؟ وهذا أيضاً سر عظيم. هل يتبعون نفس الصيغة التي وضعها وزير الدفاع الأميركي روبرت ماكنمارا في ستينيات القرن السابق، التي تم بموجبها حساب "درجة غير مقبولة من الضرر" مثل تدمير 50 في المائة من القدرة الصناعية للدولة و 20 إلى 25 في المائة من سكانها؟ وفي رأيي، فإن تفجير رأس حربي واحد يمثل ضرراً غير مقبول، ويكفي رأس حربي واحد لردع أي ميول عدوانية من جانب الولايات المتحدة. ولكن إذا كان هذا هو الحال، فإن روسيا تنفق موارد هائلة على لا شيء.

تحول "ثقافة السرية" القادة الوطنيين إلى رهائن لدى من يقدمون لهم المعلومات. على سبيل المثال، لا يزال بوتين يعتقد أن الولايات المتحدة تريد استخدام صواريخ اعتراضية أرضية لتدمير الصواريخ الباليستية الروسية في مرحلة الانطلاق. وقد أوقف الكونغرس الأميركي تمويل هذا المشروع في عام 2009 ، ولكن بوتين يتجاهل المعلومات المتاحة علناً، ويثق في تقاريره السرية بدلاً من ذلك.

السرية هي الملاذ الأخير للبيروقراطيين. وهي حيث يخفي المرء عدم الكفاءة ويخفي المصلحة الذاتية -- ويفعل في الوقت نفسه كل ما يمكن القيام به لتجنب مناقشة قراراته.