09/11/2013 - 07:09

رغم المخاوف، بنوك الوقود تبشر بالخير

ولدت فكرة إنشاء بنك الوقود لليورانيوم منخفض التخصيب منذ برنامج الرئيس دوايت أيزنهاور "الذرة من أجل السلام". كانت الفكرة الأساسية وراء إنشاء بنك الوقود في ذلك الوقت هي تشجيع الدول على اعتماد برامج مدنية للطاقة النووية. لكن نظرا لتوترات الحرب الباردة، تم إحراز تقدم ضئيل بشأن بنك الوقود حتى بداية الألفية الجديدة. وبمرور السنين، تحول الحافز الرئيسي لإنشاء مستودع لليورانيوم منخفض التخصيب إلى منع الانتشار النووي: يسمح للدول الموقعة على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية بالاحتفاظ بمرافق للتخصيب من أجل برامج الطاقة النووية السلمية، لكن يمكن أن تستخدم نفس المرافق لإنتاج أسلحة من اليورانيوم.

لعل حافز منع انتشار الأسلحة النووية هو أحد الأسباب التي جعلت مقترحات إنشاء بنك الوقود لا تحظى بشعبية بين عديد من الدول العملاء المحتملين. ولأن معظم الدول غير الحائزة للأسلحة النووية في العالم المتقدم تحتفظ بالفعل بمحطات لتخصيب اليورانيوم، أو لديها إمكانية الوصول لتلك المحطات- على سبيل المثال، من خلال يورينكو، وهو اتحاد ملكية مشتركة بين بريطانيا وهولندا وألمانيا – فإن عملاء بنك الوقود الأكثر احتمالا هم الدول النامية. العديد من هذه الدول، التي تتخلص تدريجيا من مسمى "النامية" من الناحيتين الاقتصادية والتقنية، تشعر الآن أنها على استعداد لامتلاك وتشغيل المفاعلات النووية. انجذاب هذه الدول إلى الطاقة النووية يرجع في جزء منه لزيادة احتياجاتها من الكهرباء بينما يرجع الجزء الآخر إلى رغبتها في إظهار قدراتها التقنية الناشئة.

لكن من وجهة نظر أيديولوجية واستراتيجية، تميل الدول النامية للنظر إلى مقترحات بنك الوقود بعين الريبة – إذ لا تزال الدول "المالكة" للطاقة النووية تحاول إبقاء الدول "غير المالكة" خارج ناديهم (مثل معاهدة حظر الانتشار النووي نفسها). كثير من الدول النامية التي عانت خلال الحقبة الاستعمارية قد تميل إلى تفسير المبادرات الغربية، أحيانا بوجه حق وأحيانا بدافع من الشعور بالإضطهاد المتوقع، على أنها محاولات من معتدي الماضي لإبقائهم متخلفين تقنيا وعسكريا.

على مستوى أكثر واقعية، فإن بعض الدول النامية تخشى من أن بنك الوقود الذي تملكه أو تسيطر عليه كتلة ذات نفوذ أو دولة منفردة قد تؤثر عدم توفير الوقود لبلد معين لأسباب جيوسياسية. مما يعني أنه قد يتم استخدام اليورانيوم منخفض التخصيب كأداة للابتزاز السياسي – الأمر الذي يمكن منتجي الوقود النووي من انتزاع التعاون من المشترين.

ينبغي تخفيف مثل هذه المخاوف من خلال حقيقة أن اثنين من بنوك الوقود المقترحة - أحدهما مودع به يورانيوم (برغم، على حد علمي، أنه لا يوجد لديه عملاء إلى الآن) والآخر في مرحلة متقدمة من التطوير - يحظيان بشعبية دولية قوية، على الرغم من نشأتهما في كنف قطبي الحرب الباردة. في مارس 2010، وقعت الوكالة الدولية للطاقة الذرية اتفاقا مع روسيا لإنشاء احتياطي من اليورانيوم منخفض التخصيب في المركز الدولي لتخصيب اليورانيوم في أنجارسك بروسيا. افتتح المرفق في ديسمبر عام 2010 وتم تخزين اليورانيوم به. بنك الوقود هذا تتم إدارته دوليا من قبل الدول الأعضاء في الوكالة الدولية للطاقة الذرية الذين يتعرضون لـ "انقطاع الإمداد لأسباب غير تجارية". إنه أول مستودع عالمي لليورانيوم منخفض التخصيب في التاريخ.

وفي سياق مماثل، في عام 2006 تعهدت مبادرة التهديد النووي ، بدعم من المستثمر وارن بافيت، بدفع 50 مليون دولار للوكالة الدولية للطاقة الذرية من أجل إنشاء بنك للوقود الدولي، بشرط أن تتعهد الدول بدفع ما مجموعه 100 مليون دولار. تم تجميع الأموال من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والكويت والنرويج والإمارات العربية المتحدة، واعتمدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية فكرة مبادرة التهديد النووي في ديسمبر عام 2010. وطبقا للنسخة الحالية للخطة، فإن المستودع سيكون موجودا في كازاخستان ، لكن مع احتفاظ الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالاشراف الكامل على الموقع وكذلك ملكية المواد النووية المخزنة به. ومن المأمول أن يفتتح المرفق في أواخر عام 2013. ولعل مستوى الاشراف العالي للوكالة الدولية للطاقة الذرية على المرافق الروسية والكازاخستانية ستزيل المخاوف التقليدية للدول النامية بأنه ستمارس ضدهم سياسات التمييز.

ثمة سمة إضافية لكلا البنكين المقترحين - لكنها لا تحظى بشعبية لدى بعض العملاء المحتملين – وهي وجود قيد على كمية الوقود التي يمكن شراؤها من المستودعات. المرفق الموجود في روسيا يخزن 120 طنا متريا من اليورانيوم منخفض التخصيب، وهو ما يكفي لإمداد مفاعل الماء الخفيف النموذجي بقدرة 1000ميجاوات بالوقود لأكثر من أربع سنوات. ومن المتوقع أن يتسع مرفق كازاخستان المقترح لتخزين 60 طنا متريا. هذه القدرات المتواضعة تتفق مع رؤية الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأن بنك الوقود يستخدم في حالات الطوارئ فقط؛ أي ينبغي اللجوء لبنك الوقود في حال فشل ترتيبات السوق فقط. لكن هذا الشرط المعقول تماما، والذي يهدف إلى حماية مصالح المنتجين الحاليين لليورانيوم منخفض التخصيب في القطاع الخاص، يحبط بعض الدول التي قد تأمل في الحصول على وقود نووي رخيص الثمن من بنك الوقود.

لكن هناك مخاوف من أن يصبح بنك الوقود وسيلة للضغط على الدول غير الحائزة للسلاح النووي في العالم النامي لشراء الوقود من السوق المفتوحة أو من خلال بنك لوقود، متخلين بذلك فعلياً عن حقوقهم المنصوص عليها في النظام الأساسي للوكالة الدولية للطاقة الذرية ومعاهدة حظر الانتشار النووي في بناء محطات لتخصيب اليورانيوم. العديد من الدول النامية ليست متحمسة للتخلي عن حقها في التخصيب. بدأت البرازيل في تخصيب اليورانيوم لأغراض مدنية في عام 2009، ودول مثل الأرجنتين وجنوب إفريقيا قد بحثت إمكانية القيام بالمثل. هذه الرغبة في التخصيب ترجع في جزء منها للمخاوف بشأن أمن الطاقة، لكن ترجع أيضا في بعض الحالات لاعتبارات تجارية. توجد احتياطيات كبيرة من اليورانيوم داخل بعض الدول غير الحائزة للأسلحة النووية، وعدد قليل من هذه الدول لديها المهارات التقنية اللازمة لبناء مرافق التخصيب. يمكن لهذه الدول زيادة قيمة ما لديها من اليورانيوم من خلال تخصيبه من أجل بيعه كوقود. وإذا كان الغرض من مشاريع بنوك الوقود هو محاولة إثناء الدول عن بناء محطات للتخصيب فإن ذلك قد يتعارض مع ما تعتبره هذه الدول فرصة تجارية مشروعة.

على الرغم من هذه المخاوف، يمكن أن تثبت بنوك الوقود أنها لا تزال مفيدة للدول النامية التي ترغب في امتلاك الطاقة النووية لكنها غير مهتمة بامتلاك الأسلحة النووية. مع وجود سلطة دولية ذات مصداقية مثل الوكالة الدولية للطاقة الذرية والتي تضمن توافر اليورانيوم منخفض التخصيب، يمكن لهذه الدول بناء مفاعلات الطاقة دون الحاجة إلى بناء مرافق التخصيب باهظة الثمن. مثل هذه المرافق قد تتطلب في أي حال وجود عشرات من المفاعلات المستقرة لاستيعاب الوقود الذي تنتجه، لكن معظم الدول العملاء المرجح انضمامهم لبنك الوقود بحاجة إلى مفاعل أو اثنين على الأكثر. إن احتياجاتهم من الطاقة لا تتجاوز ما يمكن أن يوفره مفاعل أو مفاعلين، كما أن شبكاتهم الكهربائية غير قادرة على استيعاب أعداد أكثر.

تم بذل مقدار كبير من الجهد والتمويل من أجل إنشاء بنوك الوقود. ويحدوني الأمل في أن أعدادا كافية من الدول سوف تستفيد منها حتى تبرر الاستثمار.