09/15/2013 - 18:03

لكل تقنية زمانها ومكانها المناسبان

في مقاله الأول من اجتماع المائدة المستديرة، قدم أنتوني تيرتون تحليلا من منظوره الخاص عن الارتباط بين ندرة المياة ومتطلبات الكهرباء وتغير المناخ في جنوب إفريقيا. كما أجمل عددا من الأفكار الملهمة حول تخفيف القيود المفروضة على استخدام المياه في البلاد من خلال استخدام الطاقة في تحلية مياه البحر. لكني أرى أنه بالرغم من أن أفكار تيرتون قد تكون ملائمة لجنوب إفريقيا، فإن تطبيقها يكون محدودا في كثير من الأماكن الأخرى- بما في ذلك الصين.

في حال تطوير الطاقة النووية بطريقة مستدامة، يجب أن يؤخذ جليا في الاعتبار معدلات التكلفة-المنفعة - وفي مواقع مختلفة، يمكن أن تمثل الطاقة النووية معدلات تكلفة-منفعة مختلفة تماما. في الدول النامية التي لديها موارد مياه مقيدة وإمدادات كهرباء أقل تقييداً، ربما يكون من الملائم استخدام الطاقة النووية لتحلية مياه البحر (وحتى ضخها للمناطق النائية). لكن في الدول النامية التي يعاني سكانها من نقص مُلِّحٍ في الكهرباء، فإن فكرة استهلاك كميات هائلة من الطاقة لانتاج مياه عذبة ستبدو أنها تفتقر إلى أساس اقتصادي قوي.

الصين، وهي دولة تشهد احتياجاتها الاقتصادية والكهربائية نموا سريعا، تقوم حاليا بتشغيل 15 مفاعلا نوويا وأكثر من مفاعل من تلك المفاعلات يُستخدم لتحلية مياه البحر، لكن ذلك يتم فقط، كما هو الحال في منشأة هونجيانهي بإقليم لياونينج، عندما تكون التحلية أمرا لا غنى عنه. مفاعلات الماء المضغوط في منشأة هونجيانهي تحتاج الى كميات هائلة من  المياه العذبة لتشغيلها، لكن الإمداد المحلي من المياه العذبة غير كاف لهذا الغرض. لذا، تم تصميم المفاعل ليقوم بتحلية أكثر من 10.000 متر مكعب من مياه البحر يوميا من أجل تشغيلها الخاص.

من الجدير بالملاحظة أن التقنية التي يستخدمها المفاعل في عملية التحلية هي التناضح العكسي. هذا الاختيار مهم لأن التناضح العكسي يستهلك طاقة أقل لكل وحدة من المياه العذبة المنتَجة مقارنة بطرق تحلية المياه الأخرى، مما يجعل احتياجاتها من الطاقة والتكاليف الاقتصادية لتحلية المياه مقبولة لمشغلي المفاعل. لكن - وفقا لمقابلة أجريتها مؤخرا مع أحد كبار الخبراء الاقتصاديين في مجموعة جوانجدونج الصينية للطاقة النووية، وهو مالك المفاعل – فإن الشركة ليس لديها أية خطط لتحلية كميات أخرى من مياه البحر أكثر مما تحتاجه منشأة هونجيانهي لتشغيلها الخاص.

قرارات الشركة بشأن تحلية المياه تعكس مفاضلة بين متطلبات المياه ومتطلبات الطاقة، مثل هذه المفاضلات شائعة في العالم النامي، حيث تحتاج العديد من الدول إلى مزيد من المياه ومزيد من الكهرباء أو مزيد منهما. وأعتقد أنه، في عالم يوجد به 1.5 مليار شخص لا يستطيعون الحصول على الكهرباء ، فإن متطلبات الطاقة، على العموم، هي الأكثر إلحاحا من متطلبات المياه.

إن ذلك لا يعني التقليل من خطورة نقص المياه في عديد من الدول، لا سيما في أفريقيا - حيث أدى الجفاف المستمر في دول مثل السودان والصومال إلى صراعات دامية في السنوات الأخيرة. ولأن الجفاف المستمر في بعض المناطق هو من بين النتائج المتوقعة لظاهرة الاحتباس الحراري ، فمن الصعب أن لا نربط بين النزاعات المرتبطة بالجفاف وبين زيادة مستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي. لذا، كي يمكن التقليل من التحديات المناخية التي تواجه دولا مثل السودان، يجب على الدول في جميع أنحاء العالم أن تزيد من جهودها للحد من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون - على سبيل المثال، عن طريق زيادة استخدام مصادر الطاقة منخفضة الكربون مثل الطاقة النووية. ليس هناك ما يضمن أن الطاقة النووية سوف تمنع آثار تغير المناخ الأكثر سوءا، ولكن على الأقل هناك أمل في هذا الاتجاه.

ختاما، إننى أختلف مع تأكديات تيرتون بأن جنوب إفريقيا " لديها احتياطيات كبيرة من الثوريوم" و" أن وضعها المثالي يؤهلها للاستفادة من مفاعلات الطاقة المعتمدة على الثوريوم." وأنا أرى أن هذه التصريحات متفائلة جدا وربما مبالغة في التبسيط - نظرا لحقيقة أن الهند، وهي دولة لديها احتياطيات من الثوريوم أكبر مما لدى جنوب إفريقيا ، وتشتهر بطموحاتها في مجال تقنية الثوريوم، ولديها حاليا 20 مفاعلا نوويا داخل الخدمة، ومع ذلك تعتمد في المقام الأول على مفاعلات الماء الثقيل المضغوط في منشآتها النووية. مفاعلات الطاقة المعتمدة على الثوريوم هي بالطبع فكرة رائعة، لكنها مثل مفاعلات الاستنسال السريع تنتمى إلى المستقبل أكثر منها إلى الحاضر. ومن المرجح أن تنقضي سنوات عديدة قبل أن تصبح مفاعلات الثوريوم تقنية ناضجة.