09/18/2013 - 09:15

فشل هائل في عالم مترابط

احتمال حدوث انفجار نووي في أي مكان في العالم هو أمر مروع، لكنه، لأسباب متنوعة، ليس أمرا غير محتمل تماما. منطق الردع المتوهم المتعلق بالخصوم النوويين قد ينهار وسط الظروف الجيوسياسية المتغيرة. يمكن أن يحصل بعض الناقمين من الجهات الفاعلة من غير الدول على الخبرة والمواد اللازمة لصناعة سلاح نووي. أو قد يؤدي حادث بسيط إلى انفجار. في أي من هذه الحالات، يمكن أن يخلق انفجار واحد دوامة من الانتقامات.

قبل أن ننتقل إلى الآثار الإنسانية لانفجار نووي، ربما يكون من المناسب أن نعترف بأن حدوث انفجار لن يدفع بالضرورة العالم لاستبعاد التاريخ النووي – بأن يتخلى عن الذرة. فمنذ اللحظة الأولى لاكتشاف القوة الذرية، ثبت أن محاولات امتلاك تلك القوة تتسم بالالتواء(لاحظ برامج الأسلحة التي لا تزال تقام من أجلها المبادرات، وأهمية الطاقة النووية المدنية في العديد من الأماكن). إنّ مقدار الانفجار الذي قد يجعل العالم يتخلى عن الذرة ربما يعتمد على حجم الانفجار ومن هو الأكثر تضررا جرّاء ذلك. إذا ما حدث الانفجار في منطقة مميزة في النصف الشمالي من العالم، فإن الاهتمام الدولي المكرس للانفجار سيكون أكبر بكثير مما لو حدث الانفجار في منطقة أكثر تهميشا في النصف الجنوبي من العالم – حتى بالرغم من أن الكثافة السكانية غالبا ما تكون أعلى بكثير في الدول النامية والخسائر في الأرواح قد تكون عالية أيضا. للأسف، إن القيم المتعلقة بحياة الإنسان ليست دائما متسقة، وهذا يؤثر بشدة على ما يمكن أن يطلق عليه سياسة الحزن.

في الوقت نفسه، فإن أي انفجار سيكون بمثابة مُذكِّر قاسٍ بعدم الثقة التي لا تزال سائدة بين البشر وبقصر النظر الذي يميز توقعات كلٍ من القوى الكبرى والمتوسطة وبـ"تقنيات القتل" التى ناقشها مؤخرا روبرت جاي ليفتون في مجلة علماء الذرة. أي انفجار نووي سيكون بمثابة فشل هائل للسياسة العامة الدولية، وسيهدد ليس فقط المحيط الحيوي الذي يعيش فيه البشر لكنه سيهدد أيضا إنسانيتهم ذاتها.

ظروف رهيبة. لكن بالنظر إلى كل ذلك، كيف يمكن أن يؤثر انفجار نووي على الدول الفقيرة والمتوسطة الدخل وعلى أهدافها الإنمائية؟ بدايةً، الأمم الواقعة بمنأى عن موقع الانفجار سوف تشعر بآثاره. العالم اليوم مترابط بشدة، ولم تعد الأحداث مقتصرة على المناطق التي تحدث بها. ويؤكد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي هذا الواقع في تقريره للتنمية البشرية عام 2013 ، الذي نص على أنه "بينما تصبح التحديات الإنمائية العالمية أكثر تعقيدا ومتخطية للحدود بطبيعتها، يصبح القيام بعمل متناسق بشأن التحديات الأكثر إلحاحا في عصرنا، سواء كانت القضاء على الفقر أوتغير المناخ أو السلام والأمن، أمرا ضروريا". إن الجهود المبذولة للتعامل مع المجالات الأربعة للتنمية التي يركز عليها التقرير – "تعزيز المساواة، بما في ذلك المساواة بين الجنسين؛ وإعلاء صوت المواطنين وتمكينهم من المشاركة بمن فيهم الشباب، ومواجهة الضغوط البيئية، ومعالجة التغيرات السكانية"— ستكون معقدة جديا في جميع الحالات جرّاء حدوث انفجار نووي.

في الواقع ، كما جادلت بإيجاز راي اتشيسون من منظمة "بلوغ الإرادة الحاسمة" المعنية بنزع السلاح، بأن أي انفجار سيضر على نحو خطير بالجهود الرامية إلى تحقيق كل الأهداف الإنمائية للألفية. فهو سيقوض مبادرات التخفيف من وطأة الفقر وكذلك الجهود التعاونية لتعزيز التنمية؛ وسوف يحد من الإنتاجية الزراعية ويقوض رفاهية النساء والأطفال ويلحق الضرر بالبُنَى التحتية الوطنية؛ كما سيحد من التنوع البيولوجي على كوكب الأرض.

في رأيي، إنّ أثر انفجار نووي على الدول الفقيرة والمتوسطة الدخل سيكون أكثر إثارة للقلق على ثلاثة أبعاد محددة. أولا، من المرجح أن يؤدي التفجير إلى تفاقم الأوضاع الغذائية المتردية بالفعل في العديد من الدول. من شأن التفجير أيضا أن يعطل الأنماط العالمية العادية لتوفير الأغذية وتوزيعها وأن يولد مشاعر قلق اقتصادية مَرَضيّة التي من شأنها، كما توحي اتشيسون، أن تدفع الأفراد لتخزين الغذاء. كما سيكون للتفجير آثار ضارة على جودة التربة والمياه و الهواء وسيضر بالإنتاجية الزراعية. ومن شأن هذه الآثار تضخيم أسعار السلع الزراعية والحد من وصول الغذاء إلى الفقراء، حتى في الدول البعيدة عن موقع الانفجار.

ثانيا، يمكن أن يدمر الانفجار سبل رزق كثير من الأفراد لما له من آثار بيئية. العديد من الدول الفقيرة هي في الغالب دول زراعية وتتميز كذلك بحيازات أراضي مجزأة وعوائد ضعيفة على الزراعة. سيواجه الأفراد الذين يعتمدون على الأرض الزراعية في كسب لقمة العيش حال حدوث انفجار— والذي يمكن أن يغير المناخ، محدثا ما يسمى بـ"الشتاء النووي"— مزيدا من الإفقار والحرمان من الحقوق. تحت مثل هذه الظروف الوخيمة، لن يكون مستبعدا تصور حدوث موجة من حالات انتحار المزارعيين. وهكذا فإن الانقسامات الاقتصادية التي توجد بالفعل في الاقتصادات المحرومة هيكليا يمكن أن تصبح أكثر عمقا.

ثالثا، ستكون صحة ورفاهية السكان في العالم النامي مهددة بشكل خطير . لن ترتفع أسعار الغذاء فحسب، ولكن من المرجح أن يحدث نقصا في الأدوية الأساسية—في المناطق المتضررة بصورة مباشرة، ومناطق أخرى، حيث يتم توجيه الإمدادات إلى المناطق المتضررة. قد تُهدد بشدة رفاهية النساء والأطفال على وجه الخصوص- كما لاحظت اتشيسون، "تعاني النساء بشكل غير متناسب في حالات الكوارث و ... عادة ما يتم تجاهل احتياجاتهن الخاصة خلال مبادرات الإغاثة و إعادة التأهيل". كما لاحظت أيضا أن "العنف ضد المرأة يزداد تحت الضغوط في البيئات التي تعرضت لكوارث". ومن المرجح أن يكون للتأثير السلبي على نوعية حياة المرأة تأثير مباشر على رفاهية الأطفال: سوف تنخفض قدرة النساء على رعاية أبنائهن، كما سيتأثر الأطفال في مجالات تتراوح من التغذية إلى التنمية المعرفية.

ستعاني الدول الأكثر فقرا بشدة من هذه الأبعاد الثلاثة، لكنني أزعم أن الدول متوسطة الدخل لن تكون مختلفة تمام عن الفقيرة. في كثير من الأحيان تتميز اقتصادات هذه الدول بعدم إنصاف بيّن، وقطاعات من سكانها يعانون بالفعل من سوء التغذية ومن فقر مهين للكرامة البشرية. إن قدرة الأمم متوسطة الدخل لعمل استثمارات أساسية في التنمية البشرية سوف تُمنَى بضربة خطيرة بعد حدوث انفجار. وسوف يصبح معالجة التفاوت في الدخل أكثر صعوبة إذا تسبب الانفجار في انكماش الاقتصاد العالمي. ومع ذلك، فإن الدول متوسطة الدخل تظهر قدرات أكبر من الدول الأكثر فقرا، وستكون إلى حد ما في وضع أفضل يؤهلها لاستيعاب صدمة انفجار نووي.