09/28/2013 - 07:09

لدى العالم النامي خيارات أفضل من الطاقة النووية

في مناقشات الطاقة النووية، سواء اكانت في العالم النامي أو في الدول الصناعية، تسود عموما موضوعات التكلفة والتخلص من النفايات ومخاطر الحوادث وانتشار الأسلحة. يقدم اجتماع المائدة المستديرة هذا بعدا إضافيا لمحادثات الطاقة النووية وهو: حاجة الدول النامية إلى التنمية الاقتصادية والطاقة التي تتطلبها مثل هذه التنمية.

في أميركا اللاتينية، حيث أعيش وأعمل كمحلل للطاقة، لا يتم استخدام الطاقة النووية على نطاق واسع. فقط جزء صغير من الكهرباء المنتجة في هذه المنطقة يأتي من الطاقة النووية، و ثلاث دول فقط - البرازيل والأرجنتين والمكسيك - تشغل محطات للطاقة النووية. في البرازيل، أكبر مستهلك للطاقة في أميركا اللاتينية، توفر الطاقة النووية نحو 2.7 في المائة من إمدادات الكهرباء المحلية فقط. في الوقت نفسه، تشكل الطاقة الكهرومائية نحو 74 في المائة من إنتاج الكهرباء المحلية، بينما يلعب الوقود الحيوي و الرياح دورا متزايدا أيضا.

لكن الطلب على الطاقة سوف ينمو مع مرور الوقت في أمريكا اللاتينية وأماكن أخرى في العالم النامي، وامكانات الطاقة النووية على مواجهة هذا الطلب المتنامي ينبغي اخذها في الاعتبار، على الاقل، في حالات محددة. لكن تحديد ما إذا كان من المنطقي استخدام الطاقة النووية في العالم النامي فإنه يتطلب دراسة العلاقة بين الطاقة والتنمية الاقتصادية بعناية. بشكل أكثر تحديدا، فإن ذلك يتطلب السؤال عن كمية الكهرباء اللازمة فعلياً للتنمية الاقتصادية.

المسألة أكثر من مالية. قد يأتي الجواب المؤقت على هذا السؤال من خلال التمييز بين نوعين من الدول النامية- الدول ذات الدخل المنخفض والأخرى ذات الدخل المتوسط، حسب تصنيف البنك الدولي على أساس الدخل القومي الإجمالي للفرد الواحد. في الدول ذات الدخل المنخفض، كَكمبوديا على سبيل المثال، حيث تعيش نسبة كبيرة من السكان في المناطق الريفية، تظهر الحاجة الرئيسية الى الكهرباء لتلبية الاحتياجات الأساسية من الإضاءة والخدمات الصحية والتعليم الخ. في هذه الدول، يتراوح استخدام الكهرباء من 50 إلى 100 كيلو واط ساعة للفرد الواحد في العام. (اعتمادا على الاختلافات في المناخ والثقافة، وهلم جرا). أما في الدول النامية ذات الدخل المتوسط ​ ، كالبرازيل، حيث تحصل شرائح معينة من السكان على قدر محدود من الخدمات الحديثة للكهرباء بينما تظهر شرائح أخرى أنماط استهلاك تشبه كثيرا تلك الموجودة في الدول الصناعية، حيث يتراوح استخدام الكهرباء من 1000 إلى 2000  كيلو واط ساعة للفرد الواحد في العام.

هذه المعلومات مفيدة، ولكن أي نهج يصنف الدول وفقا لمستويات الدخل وحدها ربما يكون قاصرا للغاية بالنسبة لإجتماع المائدة المستديرة هذا. الأداة الافضل للأغراض الحالية هو "مؤشر الأمم المتحدة للتنمية البشرية" ، والذي يقيم ليس فقط دخول الدول ولكن أيضا معدلات الأعمار ومستويات التعليم فيها. كشفت الأبحاث التي أجريت حول هذا المؤشر العلاقات المدهشة بين استخدام الكهرباء ورفاهية الإنسان.

على سبيل المثال، أظهرت دراسات عدة أن رفاهية الإنسان تميل إلى التحسن بسرعة مع تقدم المجتمعات في استهلاك الطاقة لاغراض تجارية من المستويات المنخفضة إلى المستويات المتوسطة ، لكن هذه الرفاهية لا تتحسن كثيرا جدا مع زيادة استهلاك الطاقة. علاوة على ذلك، كما هو مبين في التحليل الشامل للبيانات المنشور عام 2009، فإن كمية الطاقة المطلوبة لتحسين رفاهية الإنسان انخفضت بشكل كبير على مر الوقت. وهذا يشير إلى أن التحسن في رفاهية الإنسان لا يتطلب أي كمية محددة من الطاقة.

أنت لا تحتاج إليها، أنت لا تريدها. للدول ذات الدخل المنخفض بالتالي يبدو أن من الصعوبة بمكان ان تكون الطاقة النووية هي الخيار المناسب. فاحتياجات هذه الدول للطاقة، على المدى القصير، ليس كبيراً بما يكفي لتبرير استخدام الطاقة النووية، وعلى المدى المتوسط، تستطيع هذه الدول تحقيق تحسينات مهمة وضرورية في رفاهية شعوبها من دون زيادات كبيرة في إمدادات الكهرباء. وببساطة، تعتبر الطاقة النووية مكلفة ومركزية للغاية بالنسبة لهم. لكن الدول ذات الدخل المتوسط، التي تشهد توسعا عمرانيا في المدن وتزايداً في القطاعات الصناعية وقواعد البنية التحتية، قد تكون في الواقع مؤهلة لامتلاك الطاقة النووية.

ولكن حتى الدول ذات الدخل المتوسط  فإنه يجب عليها أن تضع في اعتبارها حقيقة أن الطاقة النووية لا تتطلب فقط رأس مال كبير ولكنها أيضا تتطلب قدرات تقنية وصناعية ومؤسسية متطورة لتشغيل المحطات بطرق آمنة وموثوقة. يستطيع عدد قليل جدا من الدول النامية تحمل تكاليف الحفاظ على البنية التحتية اللازمة لكل هذا. لتأكيد ذلك، أصبحت معايير السلامة الخاصة بالطاقة النووية أكثر صرامة في العالم الصناعي على مر السنين، كما قامت الدول الغنية بإستثمارات كبيرة في منشآت أكثر أمانا. لكن بالنسبة لمعظم الدول النامية، فإن بناء أجيال جديدة من المفاعلات سوف يكون باهظ التكلفة وقد يؤدي إلى زيادة الاعتماد التقني والاقتصادي لهذه الدول على الدول المتقدمة (إلا إذا اختارت أيضا هذه الدول الانخراط في سلسلة إنتاج الصناعة النووية).

بوجه عام، لا ينبغي اختزال التخطيط لنظام الطاقة الى مناقشة مصادر الإمداد؛ فنظم الطاقة تتكون من نظم فرعية معقدة مثل موارد الطاقة الأولية وتقنيات التحويل والخدمات النهائية للطاقة. بالتالي، فإن على الدول النامية التي تقوم باتخاذ خيارات حول مستقبل الطاقة لديها أن تضع في اعتبارها الطيف الكامل لتقنيات الطاقة المتاحة لها، من المصادر الأولية وعمليات التحويل ذات الصلة وصولا إلى الخدمات النهائية. ويتعين على الدول النامية أيضا تقييم التبعات الاجتماعية والبيئية الكاملة المترتبة على إنشاء نظم طاقة آمنة وموثوقة، هذه التكاليف تشمل إنشاء المؤسسات العامة اللازمة للتخطيط والتشريع والإشراف على التقنيات والموارد على المدى الكلي لدورات عمرها.

تظهر بدائل للقدرة النووية مثيرة للاهتمام في مختلف أنحاء العالم حيث أصبحت الخيارات الجديدة متاحة على نحو متزايد في تكنولجيا الطاقة. في الواقع، فإن الفرص لدمج مصادر الطاقة المتجددة في شبكات الطاقة الحالية والمستقبلية باتت أكثر جدوى من أي وقت مضى بسبب التقدم في تكنولوجيا المواد وفي وسائل التخزين والنقل والتوزيع وفي أنظمة الاستخدام النهائي للطاقة.

عندما تخطط الدول النامية ذات الدخل المنخفض والمتوسط لمستقبل الطاقة لديها، تكون لديها فرصة للقفز على التكنولجيات القديمة إلى أنواع مختلفة من أنظمة الطاقة- أنظمة أكثر مرونة تدمج مصادر متنوعة وتستفيد من العدادات الذكية وتقنيات الشبكة الذكية. مثل هذه القفزة تمكن الدول النامية من بناء منشآت ذات الطاقة الصفرية واكتساب كفاءة اكبر في كل شيء بدءا من الأجهزة الكهربائية إلى العمليات الصناعية.

ومن شأن هذا المسار أن يسمح للدول النامية بتعزيز قدراتها التكنولوجية والصناعية دون مخاوف الانتشار النووي والمخاطر على الصحة العامة التي تشكلها الطاقة النووية.

وبطبيعة الحال، فإن عمليات صنع القرار في مجال الطاقة يجب ان تأخذ في حسبانها قضايا مثل التكلفة وإدارة النفايات. لكن يجب على الدول النامية أيضا أن تأخذ في الاعتبار كمية الطاقة المطلوبة بشكل فعلي لتلبية أهدافها الاقتصادية والمتعلقة برفاهية الانسان - ويجب أن تقرر ما إذا كانت ستتقدم إلى اقتصاد قائم على إستهلاك أقل للطاقة.