09/28/2013 - 07:13

العرض والطلب وترتيب الأولويات

في المحادثات الدولية حول الطاقة النووية في العالم النامي، يقوم كلا من المعنيون بمنع الانتشار النووي والدول النامية ذاتها عادة بتعليق أهمية زائدة على عناصر معينة من النقاش وإيلاء أهمية قليلة جدا لعناصر أخرى. كما أشار كوماراسوامي، في مقاله الأول في اجتماع المائدة المستديرة هذا، إلى أن المعنيون بمنع الانتشار يركزون كثيرا على انتشار الأسلحة مما يؤدي أحيانا الى الإخفاق في إدراك الحاجة المتزايدة للدول النامية لخدمات الطاقة، وبالتالي الفشل في معالجة كيفية تلبية هذه الحاجة. إضافة لذلك، لا يبالي غالبا مؤيدوا منع الانتشار بتغير المناخ الذي قد تشكل تأثيراته التي لا يمكن التبؤ بها في العالم النامي خطرا أكبر من الانتشار.

فقد يكون تفكير بعض الدول النامية في اعتماد القدرة النووية ناتجاً عن التركيز المتزايد على أمن الطاقة والاهتمام غير الملائم بعناصر أخرى في معادلة الطاقة. في الحقيقة، إن استراتيجيات أمن الطاقة يمكن أن تضع الدول النامية في مأزق اللجوء للأساليب التقليدية للتخطيط للطاقة، وأن تميل في ظل بعض الظروف للأخذ بعدد محدود من خيارات العرض. تخطئ الدول النامية، بغض النظر عن مدى مشروعية احتياجاتها للطاقة، إذا قصرت اختياراتها على التوسع في العرض.

غير أن التركيز المفرط على التقنيات الموجهة للعرض يعد سمة نمطية في مناقشات الطاقة بشكل عام. وغالبا ما يتم التغاضي عن الاستراتيجيات التي يمكن أن تحدث تغييرا جذريا في نظم التوصيل والاستخدام النهائي للبنى التحتية - بالرغم من إمكانية تحقيق تقدم جذري في مثل هذه البنى التحتية التي تتميز بالحداثة والكفاءة من خلال الحلول التقنية التي ناقشتها في مقالي الأول في اجتماع المائدة المستديرة (والتي تشمل المنشآت ذات الطاقة الصفرية، وتوزيع توليد الطاقة، وأنظمة النقل التي تتطلب طاقة تشغيل أقل).

ومع ذلك، تتسم العديد من الدول النامية بكل من طلباتها المكبوتة لامتلاك الطاقة وتزايد سكانها. وبالتالي، فحتى لو تم اعتماد برامج صارمة للإبتكار الموجه للطلب فإنها لن تكون كافية لتحقيق توازن معادلات الطاقة في هذه الدول. وفقاً لنشرة مستقبل الطاقة في العالم 2010 ، فإن حوالي 1.4 مليار شخص في جميع أنحاء العالم (يتواجد حوالي 85 بالمئة منهم في المناطق الريفية) لا يستطيعون الحصول على الكهرباء. يتوقع أنه بحلول عام 2030 أن ينخفض ​​هذا الرقم الى 1.2 مليار شخص (حتى لو لم يتم تنفيذ سياسات جديدة لتوسيع نطاق الحصول على الكهرباء)، لكن هذا العدد المنخفض سوف يبقى ممثلا لنحو 15 بالمئة من سكان العالم. في الوقت نفسه، فإن نحو 2.7 مليار شخص لا يستطيعون الحصول على وقود الطهي الحديث، ويتوقع ارتفاع هذا الرقم بحلول عام 2030 إلى 2.8 مليار شخص. وإذا أخذنا في الاعتبار أن حرق الوقود التقليدي ينتج عنه غازات الدفيئات ويشكل خطرا على صحة الإنسان فإن ذلك يمثل مشكلة خطيرة .

وباعتبار كل ما سبق، نجد انه حتى السياسات الصارمة لاعتماد تقنيات متقدمة موجهة للطلب لن تحل مشاكل الطاقة في كل بلد، لأنه في كثير من الحالات، سوف يتبين أن توسيع قاعدة العرض ستصبح ضرورية في نهاية الأمر. إن خدمات الطاقة غير المنتظمة أو منخفضة الجودة الموجودة في من الدول النامية تعرقل طموحات الناس في تحسين معيشتهم، وبشكل أوسع، تعيق جهود الدول للنمو اقتصاديا. ولذلك، فإنه من المشروع تماما للدول النامية أن تسعى لتوسيع قاعدة عروضها من الطاقة واعتبار الطاقة النووية كجزءا من هذا السعي .

يمكن للمجتمع الدولي،إذن، بدلا من أن يقف في طريق جهود الدول لتطوير القدرة النووية، أن يحاول مساعدة العالم النامي في تلبية احتياجاته من الطاقة بطرق فعالة من حيث التكلفة وصديقة للمناخ. إن توفير التقنيات هو بالطبع أحد الطرق لتقديم المساعدة، ولكن لا يمكن أن يكون التركيز فقط على التقنيات الموجهة للعرض. الخطوات الأخرى قد تشمل تقديم تسهيلات لتمويل ابتكار تنمية تعتمد على الطاقة المنخفضة، والطاقة المتجددة وأنظمة الطلب الحديثة، وتحقيق قفزة نوعية لاكتساب كفاءات أكبر في عدة مجالات بدءا من الانشاء وانتهاءا بالقطاع الزراعي المصنّع. كما يمكن أيضا تقديم دعم أكبر للمؤسسات الاجتماعية والموارد البشرية المحلية التي لديها القدرة على إدارة نظم الطاقة المستدامة . من المهم أيضا، بلا شك، أن تتشارك الدول النامية مع بعضها البعض في نقل التقنيات وأن تكافح عموما لتحقيق مزيد من التعاون فيما بين بلدان الجنوب .

الطاقة النووية هي واحدة من عدة خيارات مشروعة أمام العالم النامي لامتلاك الطاقة. لكنه خيار خاطئ في كثير من الحالات، والنتيجة الأسوأ على الدول النامية هو سعيها وراء خيارات غير مناسبة للطاقة بينما تقوم فى الوقت نفسه بخلق أنماط غير مستدامة للطلب المستقبلي على الطاقة. ومع ذلك، فازدياد الطلب على خدمات الطاقة هو أمر واقع، ويجب معالجته بصورة واقعية .