09/28/2013 - 07:18

مخاوف جوفاء من الاننتشار النووي

بالنسبة لمواطني أميركا اللاتينية، الذين يعيشون في منطقة تنعم بالسلام نسبياً، فإن قلق المجتمع الدولي إزاء انتشار الأسلحة النووية يبدو غريبا بعض الشيء. فأمريكا اللاتينية منطقة خالية من الأسلحة النووية منذ عام 1969، عندما دخلت معاهدة تلاتيلولكو حيز التنفيذ. كل دول المنطقة، بالإضافة إلى كونها موقعة على تلك المعاهدة، هي أيضا طرفاً في معاهدة حظر الانتشار النووي. في ضوء كل هذا، فإن قضية الانتشار لا تمثل قلقاً حقيقاً بالنسبة لمعظم الناس في أمريكا اللاتينية.

البرازيل، موطني، أصبحت طرفاً في معاهدة حظر الانتشار النووي عام 1998 كدولة خالية من السلاح النووي. (بعد اقرار الدستور الجديد عام 1988، تخلت الدولة عن الجهود السابقة لتطوير أسحلة نووية.) لكن المشاركة في أنظمة عدم الانتشار النووي العالمية والإقليمية لا تعني أن البرازيل ليس لديها مصلحة مشروعة في تطوير قدراتها المحلية في مجال التقنية النووية.

لقد تمكنت البرازيل على مدار السنوات الأربعين الماضية من خلق صناعة نووية محلية، بإستثناء تقنيات الطاقة النووية المدنية، وطورت تقنيتها الخاصة لتخصيب اليورانيوم لاستخدامه كوقود للغواصات النووية. في الواقع، لم توقع البرازيل على البروتوكول الإضافي لمعاهدة حظر الانتشار النووي عام 1997 بسبب القضايا المحيطة ببرنامج الوقود النووي لقواتها البحرية. وهذا يسلط الضوء على وجود مشكلة مع النظام الدولي لعدم الانتشار: المعاهدات الدولية بإمكانها أن تحد من نطاق الأهداف النووية المشروعة لدول بعينها. كما أن لذلك تأثير تمييزي في ابقاء الموقعين في وضع دائم كمشترين للتقنية.

في الوقت ذاته، كانت تجربة البرازيل مع توليد الكهرباء النووية مكلفة ومليئة بالمطبات، وهذا أقل ما يقال. بدأ العمل في بناء المحطة النووية الأولى للبرازيل، انجرا I ، عام 1971، لكن التشغيل التجاري للمنشأة كان في عام 1985. التكلفة الإجمالية المعلنة رسميا كانت بحدود 2 مليار دولار. ، بيد أن العديد من المحللين يدعون أن هذا الرقم قديم. بدأ تشغيل المحطة الثانية، انجرا II ، عام 2000، رغم أن عملية بناء هذه المنشأة بدأت عام 1976. بدأ العمل على بناء المحطة الثالثة، انجرا III ، عام 1984، لكنها توقفت عدة سنوات. أستأنفت عملية انشاء المحطة عام 2009 ومن غير المتوقع الانتهاء منها الى عام 2015، بتكلفة نهائية يتوقع أن تصل الى 6 مليارات دولار تقريباً.

في الوقت الراهن، تمثل الطاقة النووية اقل من 3 بالمائة من إجمالي انتاج الكهرباء في البرازيل. هذا الرقم قد يزيد اذا قررت الحكومة المضي قدما في خطط إنشاء أربع محطات إضافية وفقاً للتصور المطروح في خطة الطاقة الوطنية 2030، لكنه سيترتفع الى 4 بالمائة فقط في عام 2030 (بالاعتماد على سيناريوهات الطلب). في كل الأحوال، فإن كارثة في محطة فوكوشيما دايتشي للقدرة النووية دفعت الحكومة الى مراجعة خططها للطاقة النووية ومن المرجح جداً أن تقلل خطة الطاقة الوطنية (2035 ) بشكل جذري القدرة النووية المفترضة سابقاً.

لقد صاحب بناء المنشآت النووية الحالية في البرازيل احتجاج شعبي وقيادة سياسية ضعيفة وأولويات غير واضحة في سياسة الطاقة. التغييرات الجذرية في السياسة النووية التي شهدتها البلاد على أعلى المستويات حملت آثاراً مهمةً -- تغيير الأولويات أدى إلى تأجيل أو وقف بناء المحطات مما تسبب في تكاليف نهائية أكبر للكهرباء المنتجة .

الإفتقار الى الاستمرارية السياسية، أيضاً، عرقل جهود البرازيل في تطوير مورادها البشرية المحلية. إن الطاقة النووية تقنية متخصصة ومتطورة جداً، تتطلب كوادر بشرية مدربة في مجالات السلامة والتشغيل والصيانة والجوانب الأخرى في سلسلة الانتاج، وتوفير كل ذلك يستغرق وقتاً وجهداً مستداماً. وفي البرازيل، فإن أموراً مثل السلامة العامة وإدارة النفايات ما زالت تحتاج الى مزيد من المعالجة الكاملة والمراجعة المنهجية من قبل السلطات ومن خلال المشاورة العامة.

إن انتشار الاسلحة النووية في أمريكا اللاتينية، هي مسألة على درجة عالية من التنظيم يشرف عليها هيئات محلية ودولية موثوق بها. في الوقت ذاته، ما زلت أعتقد أنه لا توجد مساحة كبيرة للطاقة النووية لتحقيق قدر أكبر من الأهمية في إنتاج الكهرباء، سواء في البرازيل أو في معظم دول أميركا اللاتينية .