10/03/2013 - 05:32

إثارة مخاوف منطقية

ركزت الجلسة الثانية من هذه المناقشة على السبل التي يمكن من خلالها إدراج القضايا الإنسانية على أفضل وجه في مناقشات حول ضرورة إلغاء الأسلحة النووية. بصفتي رئيسا مشاركا لرابطة الأطباء الدوليين لمنع الحرب النووية، كثيرا ما تتم دعوتي إلى عقد مثل هذه المناقشات. في رأى رابطة الأطباء الدوليين لمنع الحرب النووية، يجب حظر الأسلحة النووية على وجه التحديد بسبب آثارها الإنسانية. لكن ما يثير الدهشة، إذا أخذنا بعين الاعتبار قوة المناقشات حول نزع السلاح، هو أن هذه المناقشات يمكن أن تثير أحيانا ردود فعل سلبية .

القضية الإنسانية هي من السهولة بمكان أن تبني. لكن الموت على نطاق واسع هو دائما أمر منفّر، فكيف به إذا لم يكن ناجما عن كارثة طبيعية بل بسبب حرب أو جنون. يكفي المرء أن يشير فقط إلى هيروشيما وناجازاكي لتوضيح المعاناة المصاحبة للحرب النووية— جثث متفحمة وأعين محدقة مصابة بالعمى وعجز أنظمة الاستجابة التابعة للبلديات عن تقديم المساعدة لأولئك الذين هم في أمس الحاجة إليها. في مثل هذا الوضع، قد يحسد الأحياء الأموات. كل ذلك دون أن يؤخذ حتى في الاعتبار الآثار طويلة المدى للتفجيرات النووية مثل المجاعة و"الشتاء النووي" والسرطانات الجديدة والناشئة والعيوب الخلقية واسعة الانتشار .

العاملون في مجال الصحة العامة، ممن هم على دراية بمدى قوة المواد المتفجرة، وإن كان ذلك على نطاق أضيق مما قد يحدثه أي تفجير نووي، هم في وضع جيد يهيئ لهم المساهمة في الخطاب العام حول الأسلحة النووية وآثارها الإنسانية. يحاول الأطباء المشاركون في رابطة الأطباء الدوليين لمنع الحرب النووية تحذير العالم من إمكانية وقوع كارثة نووية– من أجل إثارة مخاوف منطقية.  يمكن أن يتم ذلك على المستوى العلمي، على سبيل المثال من خلال تقديم دراسات عن سرطانات الجلد الناجمة عن الغبار النووي. كما يمكن أن يتم ذلك على المستوى الإنساني، من خلال الاعتماد على شهادات الهيباكوشا (كلمة يابانية تعني الناجين من القنبلة الذرية) ، بما في ذلك الأطباء من بين هؤلاء .
 
كل ذلك يقدم رسالة مقنعة. لكن الناشطين في مجال الصحة العامة يمكن أن يواجهوا ردود فعل مستغربة من بعض الجماهير. أنا هنا لا أشير إلى دعاة الحرب الذين يخفون بطريقة مثيرة للسخرية الأدلة التي تطالب بفرض حظر على الأسلحة النووية. ولست أشير إلى أولئك العاملين في مجالىّ الدفاع والأمن الذين يستخدمون عقيدة الردع لتبرير استمرار وجود الأسلحة النووية، أو الذين يشيرون إلى احتمال استخدامها كقنابل خارقة للتحصينات .

بدلا من ذلك، أنا أشير إلى أولئك الذين، إذا تم تذكيرهم بهيروشيما وناجازاكي، سوف يجادلون بأن هذه القنابل ليست لها علاقة بالمكان والوقت الحاضر، وأنها كانت حدثا واحدا من أحداث الماضي البعيد. أو أولئك الذين، عندما يتم لفت انتباههم إلى معاناة الهيباكوشا، يعتبرونها تكتيكا مروعا ومنفرا. (يبدو أن البعض حتى يتصور أن ضحايا التفجيرات الذرية، الذين تجرؤا على محاربة الولايات المتحدة القوية وحلفاءها، استحقوا مصيرهم هذا). أطباء الصحة العامة الذين يقمون بشن حملات ضد الأسلحة النووية يمكن أن يجدوا أنفسهم متصفين بألقاب مثل مروجي الخوف أو المتنبئين بيوم القيامة .

أولئك الذين يعارضون إلغاء الأسلحة النووية كثيرا ما يشيرون إلى أن الأسلحة النووية لم تستخدم في حرب منذ عام 1945. لكن ذلك حظ محض، ولا يمكن أبدا ضمان استمرار الحظ. إن إمكانية حدوث إبادة واسعة النطاق أو حتى عالمية لا تزال حقيقة قائمة— مجرد وقوع خطأ كافٍ لإحداث ذلك. وإن لم يستطع الناس، كما حثهم على ذلك برتراند راسل وألبرت أينشتاين في عام 1955 ، " تذكر إنسانيتهم وينسوا الباقي"، فإن سحب الغبار النووي ستكتب النهاية.