10/08/2013 - 06:31

الشيطان في التفاصيل

إن الطاقة الحيوية، بسبب قدرتها على التخفيف من آثار تغير المناخ والإسهام في أمن الطاقة والتنمية الريفية، قد اجتذبت اهتماماً متزايدا في السنوات الأخيرة. وهي مصدر طاقة متعدد الاستعمال جداً أشهر تطبيقاته الطاقة الحرارية لأغراض الطهي والوقود الحيوي للنقل، ولكنه يمكن أيضا أن يشمل الكهرباء. فأنواع الوقود الحيوي مثل الإيثانول والديزل الحيوي يمكن انتاجها من محاصيل مثل قصب السكر أو الذرة، ويمكن أن تستمد طاقة الكتلة الحيوية من مادة أولية (خشبية عادة) من خلال عمليات تمر بسلسلة من احتراق بسيط في موقد طهي إلى تحويل بيوكيميائي.

ميزة أخرى للطاقة الحيوية هي أنها، مقارنة مع الوقود الأحفوري، يتم توزيعها بالتساوي في جميع أنحاء العالم، وسهلة المنال بالنسبة للمجتمعات في كل مكان، بما في ذلك الفقراء في المناطق الريفية، الذين يميلون إلى الاعتماد بشكل كبير على الطاقة التقليدية القائمة على الكتلة الحيوية لأغراض الطهي والتدفئة و حتى بالنسبة للتطبيقات الميكانيكية مثل الري بالرفع. إن الكتلة الحيوية التقليدية غالباً ما تكون غير فعالة وضارة للبيئة، وتترافق مع تدني نوعية الحياة، ولكن ظهرت عدة تقنيات حديثة للطاقة الحيوية يمكنها، بطريقة مستدامة بيئيا، تلبية احتياجات الطاقة لسكان الريف. وتشمل هذه التقنيات مواقد الطهي بالكتلة الحيوية ذات الكفاءة، ونظم الغاز الحيوي للطهي وتوليد الطاقة اللامركزية، وتغويز الكتلة الحيوية الخشبية، وأنواع الوقود الحيوي للنقل.

وفي الوقت نفسه، يتزايد الاعتراف بتقنيات الطاقة الحيوية على أساس قدرتها على التخفيف من آثار تغير المناخ. ووفقا لتقييم الطاقة العالمية 2012 فإن الطاقة الحيوية أمر ضروري إذا كان يجب الحد من ارتفاع درجات الحرارة العالمية إلى ما بين 1.5 و 2 درجة مئوية. وفي العديد من التطبيقات، قد تكون الطاقة الحيوية قادرة على أن تحل محل الوقود الأحفوري، كما هو الحال مع الوقود الحيوي للنقل. لكن ثمة طريقة هامة أخرى وهي الجمع بين طاقة الكتلة الحيوية واحتجاز وتخزين الكربون. وتتضمن هذه التقنية زراعة المحاصيل التي تمتص ثاني أكسيد الكربون، وحرقها لإنتاج الطاقة، والتقاط وتخزين الكربون الذي ينتج عن الاحتراق. إن التقاط وتخزين انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من تحويل الطاقة الحيوية لديه القدرة على توليد انبعاثات سلبية لإزالة الكربون من الجو.

ولكن إمكانات التقنيات باعتبارها خياراً للتخفيف لا تزال غير مؤكدة بسبب القيود المفروضة على احتجاز الكربون والتخزين نفسه، وبسبب الصعوبات المرتبطة بإنتاج إمدادات الكتلة الحيوية. إذ يجب نشر طاقة الكتلة الحيوية جنبا إلى جنب مع احتجاز وتخزين الكربون على نطاق واسع إذا أريد أن يكون له تأثير كبير على الانبعاثات العالمية من الغازات المسببة للاحتباس الحراري، وهذا ينطبق أيضاً على الوقود الحيوي. وإن نشراً على نطاق واسع لهتين التقنيتين يعني انتاجاً مستداماً على نطاق واسع من المواد الأولية للطاقة الحيوية، وهذا يحمل مضاعفات محتملة بالنسبة للأمن الغذائي.

القدرة والخلاف. تختلف آثار الأمن الغذائي بالنسبة لكلا نوعي التقنية، وليس أقلها من حيث موداهما الأولية. فالبنسبة إلى طاقة الكتلة الحيوية مع الالتقاط والحبس يتطلب بوجه عام مادة أولية خشبية (أو مشابه للخشب). وهذا يمكن أن يكون مصدره من مزارع الأشجار، ولكن إذا تم استخدام الأراضي الزراعية أو الغابات على نطاق تجاري لإنتاج الكتلة الحيوية الخشبية، فإن الأمن الغذائي والتنوع البيولوجي يمكن أن يتأثرا سلبا. ومع ذلك، إذا تم إنشاء مزارع أشجار مستدامة في الأراضي المتدهورة أو أراضي المحاصيل البور، فإن انعكاساتها على الأمن الغذائي سيكون ضئيلا للغاية. وباستخدام بقايا من الغابات أو الأراضي الزراعية لن يكون لها أي آثار على الأمن الغذائي.

في هذه الأثناء فإنه يمكن التفكير في المادة الأولية لإنتاج الوقود الحيوي باعتبار أنها تنتمي إلى جيلين: الجيل الأول من المحاصيل مثل زيت النخيل (والذي يمكن استخدامه لإنتاج وقود الديزل الحيوي) وقصب السكر (والذي يمكن ان يستخدم في صنع الايثانول)، ومصادر الجيل القادم مثل الطحالب الدقيقة (التي تستخدم لإنتاج وقود الديزل الحيوي) والكتلة الحيوية الخشبية، والأعشاب طويل القامة، والمخلفات الزراعية (التي تستخدم لإنتاج الإيثانول). أما الوقود الحيوي من الجيل الأول فيشكل مخاطر أكبر بالنسبة للأمن الغذائي، وينطوي على آثار بيئية سلبية مثل انخفاض التنوع البيولوجي وزيادة استخدام المياه. وهذه الآثار السلبية من المحتمل أن تكون حادة بصفة خاصة في العالم النامي، حيث يقع على الأرجح -بسبب انخفاض تكاليف الإنتاج- الجزء الأكبر من إنتاج الوقود الحيوي في المستقبل. ومن ثم وعلى الرغم من أن الوقود الحيوي  يمكنه تعزيز التنمية الريفية وخلق فرص العمل في المناطق الريفية، واستصلاح الأراضي المتدهورة، فقد أصبح مثيراً للجدل.

ومع ذلك، فتقنية تحويل المواد الأولية  من الجيل الثاني إلى الوقود الحيوي يحمل وعدا كبيراً بتجنب العديد من التحديات المرتبطة بالمواد الأولية من الجيل الأول. والمخلفات الزراعية أو من الغابات والمحاصيل الخشبية قصيرة التناوب يمكن أن يكون مصدرها من الأراضي الهامشية أو المتدهورة. وهذا من غير المرجح أن يكون له آثار كبيرة على الأمن الغذائي، وعلف الماشية، وإنتاج الألياف. وعلاوة على ذلك، يمكن توقع ظهور تقنيات جديدة للوقود الحيوي لتوفير منافع صافية في انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري.

فإذا أخذنا كل هذا في الاعتبار، فمن الصعب التعميم بشأن قدرة الطاقة الحيوية على تلبية احتياجاتها من الطاقة والتخفيف من حدة تغير المناخ مع تجنب الآثار السلبية على إنتاج الغذاء، والتنوع البيولوجي، الخ. إن آثار استخدام الطاقة الحيوية تعتمد على التقنية المستخدمة (إنتاج الوقود الحيوي مقابل أشكال أخرى لطاقة الكتلة الحيوية،)، والمادة الأولية المستخدمة (الغابات أو مخلفات المحاصيل الزراعية مقابل الحبوب الغذائية، على سبيل المثال)، وحجم الإنتاج.