10/16/2013 - 13:13

علاقة مختلفة مع الطبيعة

لم تحقق المفاوضات متعددة الأطراف حول الحد من انبعاثات الكربون النتائج المرجوة منها. وفقا لتقرير فجوة الانبعاثات الصادر عام 2012 عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، بلغت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية 49 جيجا طن في عام 2010. إذا أردنا تحجيم ارتفاع درجة حرارة الأرض إلى درجتين مئويتين— رغم كونها زيادة مختلة—يجب تخفيض الانبعاثات إلى حوالي 44 جيجا طن بحلول عام 2020. فما الذي تقوم به الدول حاليا لتحقيق هذا الهدف؟ تقوم دول عديدة بتقديم تعهدات غير ملزمة للحد من الانبعاثات، وغالبا ما يُعبر عن هذه التعهدات بالأقل تفاؤلا أو الأكثر تفاؤلا. وفقا لحسابات برنامج الأمم المتحدة للبيئة، فإنه إذا قامت الدول بالوفاء بأدنى مستويات تعهداتها، في حين تقوم بتعريض نفسها إلى قواعد محاسبة متساهلة، ستبلغ الانبعاثات الكربونية العالمية في عام 2020 حوالي 57 جيجا طن. أي أقل بنسبة واحد جيجا طن فقط من النسبة التي ستنتج في الوضع العادي. وهذا يعني أن كل الجهود المبذولة في مؤتمرات كوبنهاجن وكانكون وديربان والدوحة للتغيرات المناخية ستؤدي لخفض انبعاثات الكربون بنسبة أقل من 2 في المئة مقارنة بالوضع العادي. وحتى إذا قامت الأمم بالوفاء بأهدافها الأكثر تفاؤلا وأخضعت نفسها لقواعد محاسبة صارمة، فسوف تنخفض الانبعاثات بمقدار 6 جيجا طن فقط من النسب المتوقعة في الوضع العادي.  

إذاً ما الذي يجب أن تسعى المفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة إلى تحقيقه فعليا؟ أولا، يجب التحديد بوضوح هدف الحد من الانبعاثات عام 2020: 44 جيجا طن من ثاني أكسيد الكربون هو هدف معقول، على الرغم من أنه يفضل أن تخفض النسبة لأقل من ذلك. سينتج عن ذلك العدد، بالقسمة على عدد سكان العالم المتوقع في 2020— حوالي 7,7 مليار شخص— تقريبا 5,7 طن متري من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون للفرد الواحد.

ستكون الخطوة التالية هي وضع أهداف للحد من الانبعاثات للفرد الواحد في كل دولة. ينبغي أن يتم حساب ذلك على أساس المبادئ التي تشكل قوام اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ— الإنصاف والمسؤوليات المشتركة وإن كانت متباينة. يجب على الدول التي تتحمل مزيد من المسؤولية عن الكربون الموجود بالفعل في الغلاف الجوي القيام بمزيد من الجهود لخفض الانبعاثات. أما الدول التي تتحمل مسؤولية تاريخية بصورة أقل سوف تتاح لها مساحة أكبر للتنمية الاقتصادية. ولأن العديد من الدول المتقدمة يمكنها الاستعانة بمصادر خارجية لانبعاثاتها، يجب أن تأخذ الأهداف القومية للفرد الواحد في الاعتبار الاستهلاك وكذلك الانبعاثات. إذا قامت دولة أوروبية، على سبيل المثال، باستيراد سلع مصنعة من دولة نامية، فليس من المنطقي أن يتم احتساب جميع الانبعاثات الناتجة في عملية التصنيع ضد الدولة النامية.

يجب على جميع الدول أن تتبنى أهدافا للحد من الانبعاثات للفرد الواحد كتعهدات ملزمة. ينبغي أن يكون هناك "نظام تعهد ومراجعة"— وهو نظام يسمح بالتعهدات الطوعية، بدلا من المطالبة بحدود الانبعاثات عن طريق التفاوض. لا يمكن إعفاء أي دولة من حدود الانبعاثات، مهما بلغ مدى غناها أو فقرها. في المدى القصير، ستقوم بعض الدول بمزيد من التخفيضات لانبعاثاتها، و ستقوم بعض الدول الأخرى بتخفيضات أقل. سيسمح حتى لبعض الدول بزيادة انبعاثاتها لفترة من الوقت، لكن يجب أن يكون واضحا متى ستبدأ في تخفيض الانبعاثات، ونسبة هذه التخفيضات.  

ومن أجل ضمان أن تكون هذه الالتزامات الملزمة ملزمة بالفعل، يجب إنشاء محكمة للعدالة المناخية تتمتع بفرض عقوبات. ينبغي تطبيق مبدأ المسؤولية المشتركة، وإن كانت متباينة، على الامتثال بنفس الطريقة التي ينبغي تطبيقها على الانبعاثات ذاتها: يجب أن تتحمل الدول، التي أوجدت معظم الكربون في الغلاف الجوي في الماضي، أشد العواقب إذا ما فشلت في الوفاء بالتزاماتها، في حين ينبغي أن تتحمل الدول، التي لديها مسؤولية تاريخية بصورة أقل، عقوبات خفيفة للغاية.  

لا ينبغي أن تكون هناك دولة قادرة على التملص من التزاماتها الملزمة من خلال البدائل وآليات سوق الكربون. مبادرات مثل الحد من الانبعاثات المرتبطة بإزالة الغابات وتدهور الغابات في الدول الأخرى، أو تعزيز "الزراعة الذكية مناخيا" ومشاريع "الكربون الأزرق" تمثل إشكالية ليس فقط لأنها تخلق تصاريح للتلويث ولكن أيضا لأن "ائتمانات الكربون" هي مشتقات مالية يمكن أن تسهم في خلق أزمة مضاربة مالية.

بالإضافة إلى ذلك، ينبغي أن تضمن اتفاقات المناخ أن ما لا يقل عن ثلثي الاحتياطي المؤكد للوقود الأحفوري في العالم سيبقى موجودا في باطن الأرض. وهذا يتماشى مع وجهة نظر وكالة الطاقة الدولية بأنه لا يمكن استهلاك أكثر من ثلث الاحتياطيات المؤكدة بسلام قبل عام 2050 .

وأخيرا، فإن الحق في التنمية— والذي تعترف به الأمم المتحدة في إعلانها بشأن الحق في التنمية— لا ينبغي أن يفهم على أنه الحق في التلويث بقدر ما لوثت بعض الدول الأخرى في الماضي. في معظم الدول، حيث يكون الفقر ناجما عن تركز الثروة في عدد قليل من الأيدي، فإن القضاء على الفقر لا يتطلب حتى التنمية. المهمة الرئيسية في معالجة الفقر هي إعادة توزيع الثروة على المستوى الوطني والإقليمي والعالمي. يجب أن يُفهم الحق في التنمية بوصفه الحق في تلبية احتياجات الناس الأساسية، وليس الحق في اتباع نموذج للتنمية لا يأخذ في الاعتبار حدود الأرض.

وضع حد للنمو اللامتناهٍ. مفاوضات المناخ تحرز تقدما بطيئا ليس لأن علم المناخ غير مقنع أو هناك غياب  للوعى العام. في الواقع، استولت النخب والشركات متعددة الجنسيات على المفاوضات. ورغم تفهم دبلوماسيين من عدة دول أن انبعاثات غازات الدفيئة تظل مرتفعة للغاية بسبب الاستهلاك والسعي وراء النمو الاقتصادي، عدد قليل منهم على استعداد لمناقشة إدخال تغييرات على النظام الاقتصادي الذي يدفع باتجاه تغير المناخ.  إذا أردنا معالجة التغير المناخي بصورة مجدية، يجب على العالم التخلي عن نموذج النمو اللامتناهٍ والذي يعد أساس النظام الرأسمالي. يجب على الأمم أن تتخلى عن المنافسة المجنونة مع بعضها البعض، وأن تقوم بتعزيز التضامن بين الشعوب بدلا من ذلك. الاقتصادات التي تهدف إلى النمو خارج إطار الحدود التي تسمح بها الطبيعة سوف تنهار عاجلا أو آجلا، كما أن النظم الديمقراطية لا يمكنها الاستمرار إذا لم تتبنى المجتمعات علاقات مختلفة مع الطبيعة. الحكومات التي تعامل الطبيعة كغرض نفعي سوف تستغل شعوبها كذلك، وستعاملهم على أنهم مجرد مستهلكين أو مصادر لرأس المال.

لا يمكن أن تحل أزمة المناخ من خلال الإصلاحات التقنية مثل الوقود الحيوي والطاقة النووية والمحاصيل المعدلة وراثيا والتقاط الكربون وتخزينه أو الهندسة الجيولوجية. هذه الأساليب الخطيرة تقوض فقط دورات الطبيعة بصورة أكبر. في الواقع، يجب على البشر، لمعالجة تغير المناخ وغيره من القضايا الملحة التي تواجه العالم، تبني مواقف معينة في الحياة التي سبقت الرأسمالية— كما هو موضح، على سبيل المثال، في النظام الأخلاقي المسمى بـ "فيفير بيان" (العيش بشكل جيد)

وفقا لهذه المجموعة من المبادئ، المرتبطة بالشعوب الأصلية في أمريكا اللاتينية، فإن البشر هم جزء لا يتجزأ من الطبيعة؛ الناس والطبيعة ليسا ذاتين منفصلتين. يسعى الهدف الرئيسي من "العيش بشكل جيد" إلى إحداث توازن، بدلا من النمو على حساب الآخرين أو الطبيعة. "العيش بشكل جيد" يعني العيش في وئام مع الطبيعة ومع الآخرين، والتكامل بدلا من التنافس. إلى ماذا يشير "العيش بشكل جيد" بشأن تغير المناخ؟ يشير إلى أنه يجب على البشر، لمواجهة هذا التحدي، استعادة إنسانيتهم و القيام بتغيير جذري في علاقتهم مع الطبيعة.