01/15/2014 - 11:09

مسار نحو الثقة

تخرج الفرص في بعض الأحيان من رحم المأساة. في أعقاب هجوم كيماوي في أغسطس بالقرب من دمشق والذي أودى بحياة ما يقرب من 1,500 شخص، نشأت فرصة لدول الشرق الأوسط للمشاركة في حوار مثمر حول إنشاء منطقة خالية من الأسلحة الكيميائية في المنطقة.

لولا هجوم أغسطس ولولا استجابة إدارة أوباما إلى هذا الهجوم، لم يكن نظام الأسد ليفكر مطلقا في التخلي عن ترسانته الواسعة والمتنوعة من الأسلحة الكيميائية. على الرغم من أن الكونجرس الأمريكي بدا متشككا من القيام بعمل عسكري في سوريا، فإن تهديد أوباما باستخدام القوة المستهدفة جعل مسألة استمرار نظام الأسد أمرا مشكوكا فيه، وهو الأمر الذي جعل روسيا وإيران وسوريا نفسها تتخذ إجراءات في هذا الصدد. كان الرأي الجماعي لهذه الدول أنه من الأفضل لسوريا التخلي عن الأسلحة الكيميائية بدلا من أن يسقط الأسد.

إن خروج الفرص من الأزمات ليس شيئا جديدا في الشرق الأوسط. بعد انتهاء حرب الخليج في عام 1991، قامت الولايات المتحدة بالضغط من أجل إنشاء آلية متعددة الأطراف للحوار الإقليمي لاستكمال المحادثات الثنائية بين إسرائيل وجيرانها: سوريا والأردن وفلسطين، والذين كانوا في قلب عملية مدريد للسلام. وكان جزء من هذه الآلية مجموعة عمل مكرسة للحد من التسلح والأمن الإقليمي.
 
كانت مجموعة العمل، التي أجبرت إسرائيل والدول العربية المشاركة على التفكير بجدية في وضع رؤية مشتركة لأمن الشرق الأوسط والحد من التسلح، لديها القدرة على إنتاج بنية أمنية جديدة في المنطقة. كانت هناك أفكار ثورية حقيقية آخذة في التنامي حول الأمن الإقليمي، خصوصا في مجال تدابير بناء الثقة. لكن المحادثات توقفت قبل أن يتم تنفيذ هذه الأفكار. ومن التطورات الرئيسية التي قوضت مجموعة العمل كانت مساعي مصر الحثيثة (والتي بذلت على الرغم من أن عملية الحد من التسلح الإقليمي كانت على المسار الصحيح وتحقق تقدما كبيرا) لوضع منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط على جدول أعمال مؤتمر استعراض وتمديد معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية سنة 1995

الأساس المنطقي لإنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط هو تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة والحد من خطر نشوب حرب مدمرة. هذه الأهداف ذات أهمية كبيرة، لكن لا يمكن فصل المناقشات حول الأسلحة والحد من التسلح عن الأحداث والعلاقات بين الدول. الدول ليست كيانات متطابقة—في تطلعاتها ومصالحها وأيضا في تصرفاتها— ولا يمكن تجاهل هذه الاختلافات عند السعي نحو اتفاقات الحد من التسلح بين الدول. يجب النظر لأسلحة الدمار الشامل في ذلك السياق.

اسرائيل لديها اثنان من المخاوف الرئيسية حول أي جهد لتخليص المنطقة من أسلحة الدمار الشامل. الأول: سياسة الغموض النووي الإسرائيلية والردع غير العلني هما وثيقة تأمين ضد أي عدو من شأنه القيام بتهديد وجود الدولة. مثل هذه التهديدات ليست افتراضية— الكيانات التي ترفض شرعية إسرائيل كدولة ذات سيادة تصدر تهديدات وجودية باستمرار. لكن في سياق إنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، يبدو أن جيران إسرائيل يصرون على معالجة القضية النووية قبل كل شيء. الثاني: يعاني الشرق الأوسط من عدم الثقة بشأن استعداد الدول للامتثال إلى معاهدات حظر الانتشار النووي ونزع السلاح. وقد قدمت أربع دول في المنطقة—العراق وإيران وليبيا و سوريا— تعهدات بشأن أسلحة الدمار الشامل حتى تقوم فيما بعد بأنشطة سرية تهدف إلى تطوير نفس القدرات التي نبذتها.

يمكن أن تساعد المناقشات حول إنشاء منطقة خالية من الأسلحة الكيميائية في معالجة مخاوف إسرائيل. بالنسبة لإسرائيل، يمثل الدخول في اتفاق بشأن الأسلحة الكيميائية تنازلا كبيرا— لكن السعي نحو مثل هذا الاتفاق قد يكشف أيضا عما إذا كانت الدول الأخرى مهتمة فقط بتجريد إسرائيل من وثيقة تأمينها ضد الإبادة. سوف يسمح الحوار أيضا لإسرائيل أن تتفكر في اقتراح بشأن الأسلحة الكيميائية والذي ربط بطريقة غير مباشرة بين سوريا واسرائيل في المجال الكيميائي، كما ستؤدي فكرة انضمام إسرائيل لاتفاقية الأسلحة الكيميائية إلى هذا الارتباط أيضا.

علاوة على ذلك، يمكن أن تؤدي المحادثات إلى بناء الثقة بين دول الشرق الأوسط بشأن فئة كاملة من الأسلحة غير التقليدية. يمكنها أن تبدأ في معالجة مسألة عدم الثقة الموهنة للعزيمة في المنطقة. ولأن المناقشات ستجرى على أساس إقليمي وليس في سياق المعاهدات العالمية، فإنها ستوفر الخبرة للدول للعمل معا، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالتحقق من الالتزامات. في الواقع، يمكن أن تتعاون الدول لإنشاء منظمة إقليمية لتنفيذ اتفاق منطقة خالية من الأسلحة الكيميائية، سيرا على نهج منظمة حظر الأسلحة الكيميائية. ستقدم المناقشات أيضا اختبارا مفيدا لقدرة الدول على التعامل بشكل بناء مع القضايا الأمنية المعقدة عن طريق الحوار والتعاون الإقليمي.

يجب أن تبدأ المناقشات حول منطقة خالية من الأسلحة الكيميائية بعد أن يكون تدمير قدرات الأسلحة الكيماوية لسوريا قد أصبح لا رجعة فيه. لكن من الناحية المثالية، يمكن أن تصبح الأسلحة الكيميائية جزءا من حوار إقليمي أوسع نطاقا. (وهذا سيعتمد على قيام الولايات المتحدة وربما روسيا باستخدام الأزمة السورية كمنصة لإعادة الجهود الأكبر للحد من التسلح الإقليمي إلى مسارها الصحيح) في النهاية، ينبغي أن تدمج فكرة إنشاء منطقة خالية من الأسلحة الكيميائية في منتدى حوار الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، وهو الأمر الذي قمت أنا وزميلي شمعون شتاين بالجدال بشأنه في موضع آخر  سوف يسمح مثل هذا المنتدى، بما يتضمنه من عضوية شاملة وجدول أعمال شامل، للدول بمناقشة مجموعة كاملة من مواضيع الأمن الإقليمية، بداية من المواضيع الأسهل إلى بالغة الصعوبة. إذا كانت المناقشات بشأن حظر الأسلحة الكيميائية من المنطقة ستساعد على خلق مثل هذا المنتدى، فإنها ستمثل خطوة كبرى نحو جعل منطقة الشرق الأوسط أكثر أمنا وأمانا.