01/23/2014 - 05:42

تصوّر الحياة من جديد

اتفقت أنا وعدنان هيزري وأشيش كوثري على نقطة واحدة على الأقل: وهي أن تغير المناخ يشكل تهديدا هائلا للبشرية. لكن كثير من الناس، وأنا منهم، يجدون صعوبة في مواجهة ما يتطلبه منهم علم المناخ— وهو صعوبة تخيل وتبني تغييرات جذرية في الاقتصادات وأنماط الاستهلاك والنظم السياسية والتي لابد من اتخاذها إذا أردنا تخفيض انبعاثات غازات الدفيئة بما فيه الكفاية (لكن مع تلبية الاحتياجات الأساسية لفقراء العالم).

لماذا يفشل التخيل في هذا الصدد؟ تم اقتراح أحد الأسباب الرئيسية في الفقرة الأخيرة من مقال هيرزي في جلسة الاجتماع الثانية. قال هيرزي إن " تراجع النمو الاقتصادي هو هدف بيئي متطرف من شأنه أن يمنع المجتمعات من الازدهار" وأنه "يجب أن يقبل مناصرو حماية البيئة أن الحياة خلقت من أجل العيش". يقر هيرزي بأنه يجب تخفيض انبعاثات الكربون— لكن الازدهار والنمو الاقتصادي، وفقا لتصوره، غير قابلين لأن تنتهك حرمتهما. وأي تهديد لهما فهو تهديد بأن يجعل الحياة لا تستحق العيش.

تواجد الإنسان الحديث على الأرض منذ حوالي 200 ألف سنة. بدأ الوقود الأحفوري ثورة الإنتاج الصناعي خلال الـ200 سنة الماضية أو نحوا من ذلك. ومن اللافت للنظر أنه في مثل هذه الفترة الوجيزة أصبح الوقود الأحفوري مرتبطا بالحياة البشرية لدرجة أن كثير من الناس لا يمكنهم تصور وجود أحدهما بدون الآخر. عملت صناعة النفط (كما بيّن ماثيو هوبر، أستاذ الجغرافيا بجامعة سيراكيوز) على تذكير الأمريكيين بأن المنتجات النفطية تشبع احتياجاتهم الحياتية وقد حاولت هذه الصناعة تشكيل السياسة الثقافية في الولايات المتحدة نحو القيم الليبرالية الجديدة مثل الخصخصة والفردية وحرية الاختيار. أصبح النفط الأساس المادي والحيوي لتطلعات الشعب نحو امتلاك المنازل والسيارات ونمط حياة الأعمال التجارية وحتى الأسرة النووية. اليوم، يبدو أنه من غير الممكن تصوّر نجاح وثراء النموذج الأمريكي الأسطوري، المتمثل في الفرد العصامي، بدون البترول والاقتصاد القائم على النفط. نجحت صناعة النفط في المساواة بين الاعتراض على استهلاك النفط غير المحدود وبين الاعتراض على المثل الوطنية العزيزة. للأسف، لا تقتصر هذه الرؤية المغوية للحياة الرغدة على الولايات المتحدة فحسب. إذ تبنى كثير من الذين ينتمون أو يطمحون إلى الانتماء إلى الطبقة المتوسطة في الدول النامية هذه الرؤية المستوردة.

لمعالجة تحديات تغير المناخ ووصول الطاقة إلى الفقراء بشكل ملائم، فمن الضروري أن ندرك أن نموذج الحياة الليبرالية الجديدة، مع تركيزه على التقدم الفردي الأناني، يخلق عددا من الظروف غير المرغوب فيها. يشمل ذلك الدمار الكوكبي والاجتماعي والعزلة والسخط وبيئة تنافسية عنيفة. لحسن الحظ— كما جادل داتشر كيلتنر، العالم النفسي بجامعة كاليفورنيا- بيركلي— أن البشر مفطورون على الحنان والعطف والشفقة الرؤى الصحية للحياة الرغدة— وهي رؤى تؤكد على قيم الحب والمشاركة والتكافل والتراحم والسخاء—قد اعتزت بها ثقافات عديدة في معظم تاريخ البشرية. يجب رعاية هذه الرؤى والقيم كى تبقى وأن تصبح بمثابة ثقل موازن للقول السائد "البقاء للأصلح".   

إن الكلام عن تحقيق ذلك سيكون بالطبع أسهل من تنفيذه. بالنسبة للعديد من الأشخاص، في الدول النامية والمتقدمة على حد سواء، يمكن للوزن الساحق لاقتصادات وسياسات الليبرالية الجديدة أن يجعل من الصعوبة بمكان إعادة تصور السلوكيات تجاه الحياة والسعي نحو مثل جديدة وفقا لذلك التصور. هذا هو السبب في أنه يجب أن تكون حلول المناخ، مثل ضريبة الكربون، مصحوبة ببرامج شبكات الأمان التي تلبي احتياجات ومخاوف الضعفاء.

البشر هم كائنات اجتماعية ترغب بشدة في التعاطف والتواصل والشعور بالانتماء إلى شيء أكبر من أنفسهم. من خلال العمل على هذه الرغبة، يمكن للناس إطلاق العنان لتعاطفهم وإبداعهم وبراعتهم. توفر هذه الصفات كل ما هو مطلوب، حتى في عالم من الموارد المحدودة، من أجل أن تقوم الإنسانية بشق طريق صحي ورعاية جميع الكائنات الحية ومداواة هذا الكوكب. عندما تصبح قيم الشعوب والمجتمعات والاقتصادات في وئام مع الطبيعة، عندئذ سوف يشعر البشر بتحقق المعيشة الرغدة.