03/19/2014 - 08:07

أسباب وجيهة للقلق

توقع كثير من المراقبين، عقب الحادث الذي وقع في محطة فوكوشيما دايتشي للطاقة النووية، أن الدول التي تسعى لإقامة قطاعات للطاقة النووية، أو توسيع القائم منها، سوف تقوم أولا بطرح السؤال الآتي : ما مدى أمان الطاقة النووية؟ بدلا من ذلك، لا زالت كثير من الدول النامية تدعي أن الطاقة النووية هي أحد الحلول لمشاكل الطاقة وتجاهلت حادثة فوكوشيما واعتبرتها كارثة غريبة ناجمة عن تسونامي . ويمضي حاليا عدد من الدول النامية بما في ذلك باكستان والهند و بنجلاديش وإيران قدما نحو إنشاء مفاعلات جديدة .

تعاني بلدي باكستان من إجهادات شديدة في الطاقة. إذ يحدث انقطاع للتيار الكهربائي يوميا. وتسببت أعمال الشغب بسبب انقطاع التيار الكهربي في اهتزاز ثقة الحكومة بنفسها. لذا وقعت إسلام آباد مؤخرا، مدعومة بقرض ميسر من الصين قيمته 6,5 مليار دولار، عقدا لشراء مفاعلين بقدرة 1,100 ميجاوات من الشركة النووية الوطنية الصينية مقابل 4,8 مليار دولار لكل منهما. ومن المقرر أن يعمل المفاعلان على مقربة من مدينة كراتشي، التي يقدر تعداد سكانها بـ23,5 مليون نسمة.

نوع المفاعل الذي ستقوم باكستان بشرائه (أيه سي بي -1000) هو تصميم جديد لم يسبق أن تم تركيبه أو حتى تجربته من قبل، لكن لجنة الطاقة الذرية الباكستانية واثقة من أن كراتشي لن تتعرض لأية مخاطر . وبرغم أن الحكومة الباكستانية لديها ثقة عميقة في التقنية النووية الصينية، فإن بعض الصينيين ليسوا متفائلين بذلك . فقد نقل مؤخرا عن نائب رئيس سابق للشركة النووية الوطنية الصينية قوله، "لقد أعطى قادة دولتنا أولوية كبيرة لـ] السلامة النووية [ ، لكن لا يبدو أن الشركات المنفذة للمشاريع لديها نفس المستوى من هذا الفهم ".

تصاميم المفاعلات التي لم يتم تجربتها ليست السبب الوحيدإطلاقا الذي يدعو للقلق بشأن سلامة المفاعلات في باكستان . ثمة قلق آخر يتمثل في وقوع هجوم إرهابي على المفاعل وهو مصدر واضح للقلق، حتى لو شكك المسؤولون في إمكانية حدوثه . نفذ إرهابيون متدينون هجمات ناجحة على كثير من المؤسسات العسكرية الباكستانية ذات الحراسة المشددة، بما في ذلك المقر العام للجيش وقاعدة "مهران " البحرية وقاعدة "كامرا " التابعة للقوات الجوية . لا يوجد سبب يدعو للاعتقاد بأن المفاعلات النووية ستكون في مأمن من التعرض لهجمات .

احتمال آخر مثير للقلق، على الرغم من استبعاده أيضا من قبل المسؤولين، هو وقوع خطأ من قبل عاملي التشغيل . في أي محطة للطاقة النووية، ببساطة ليس هناك وسيلة تمكن الأشخاص خارج المفاعل من معرفة الممارسات السيئة التي تحدث بداخله . ففي الواقع، وقعت كارثة تشيرنوبيل نتيجة لأعمال طائشة من قبل مشغلي المفاعل، وأظهرت هذه الحادثة أن محطات الطاقة النووية عرضة لإصدار قرارات غير حكيمة . يمكن أن تتفاقم هذه المشاكل في المفاعل ذات التصاميم الصينية والإدارة الباكستانية لأن عاملي التشغيل يفتقرون للمعرفة الوثيقة بالأمور المتعلقة بالتصاميم والبرمجيات التي قد تتاح لهم في المفاعلات الوطنية .

من المسائل الأخرى المثيرة للقلق هى انتشار الحوادث الصناعية في باكستان. فرغم أن البلاد لم تتعرض لحادثة واحدة بحجم تسرب الغاز في مرفق يونيون كاربايد في بوبال بالهند عام 1984، تقع حوادث صناعية بشكل متكرر—يرجع أحد الأسباب إلى أنه نادرا ما يتم معاقبة الأفراد الذين يتجاهلون معايير السلامة. كما أن قدرات الاستجابة للكوارث مثل الحرائق محدودة للغاية والطرق المسدودة بشكل متكرر تعيق سهولة الحركة.

حتى مع أخذ كل ما سبق في الاعتبار، فإن احتمالية وقوع حادث خطير لا تزال منخفضة . لكن ماذا لو وقعت مثل هذه الحادثة؟ كيف ستكون استجابة أجهزة الدولة؟ في هذا الصدد، هناك أسباب كثيرة تدعو للقلق .

كانت استجابة الحكومة للكوارث السابقة في كثير من الأحيان ضعيفه . أثناء الفيضانات التي ضربت البلاد عام 2010 ، والتي غمرت خمس أراضي باكستان، لم يظهر الرئيس ورئيس الوزراء استجابة سريعة . وكان أداء الهيئة الوطنية لإدارة الكوارث بطيئا . ولم يتم توجيه التحذيرات المطلوبة للسكان المتواجدين في اتجاه تيار الفيضانات . وحلت الجماعات الجهادية المسلحة الموجودة في جميع ربوع البلاد محل الدولة في كثير من الأماكن، مثلما فعلت في أعقاب الزلزال الذي ضرب البلاد عام .2005

كل هذا لا يبشر بالخير بالنسبة لباكستان في حال أرغم وقوع حادث خطير في مفاعل نووي قرب كراتشي على إخلاء المنطقة والذي سيكون فوضويا للغاية ومختلفا تماما عن الإخلاء المنضبط الذي تم في منطقة فوكوشيما اليابانية . تعاني باكستان من تقسيمات صارخة بين الأغنياء والفقراء، لذلك سوف يكون من المحتمل وقوع عمليات نهب على نطاق واسع . مما يؤدي إلى رفض العديد من الناس القيام بالإخلاء، مفضلين البقاء حتى زوال الخطر . موظفو الطوارئ وتنفيذ القانون، والذين غالبا ما يكونون غير مدربين جيدا ويظهرون دافعا منخفضا، قد يختفون ببساطة من مكان الحادث . تعاني باكستان أيضا من توترات عرقية ودينية عميقة، ومن المرجح أن أفراد الأقليات سيحصلون على مساعدة أقل من غيرهم أثناء عملية الإخلاء ( كما كان الحال أثناء الفيضانات )—هذا إن تلقوا أية مساعدات أصلاً .

وعي الشعب الباكستاني بمخاطر الإشعاع في حكم المعدوم تقريبا . تروج المحطات التلفزيونية بحرّية شائعات لا أساس لها عندما تقدم تقارير عن المسائل السياسية و التقنية، لذا قد تنتشر على نطاق واسع وجهات نظر غير مطلعة أثناء وقوع كارثة نووية، مما يؤدي إما إلى عدم المبالاة أو الذعر . ومما يزيد الأمور صعوبة هو أن قلة الوعي بقضايا السلامة هو مجرد أحد عناصر الثقافة الباكستانية . الباكستانيون غالبا ما يتقبلون مستويات عالية من المخاطر ويثقون تمام الثقة في أن الله سوف يحميهم . إخلاء كراتشي وسط حدوث كارثة نووية هو مشهد رهيب يصعب تخيله .

غامض وسرّي . إن الاعتراض على الطاقة النووية في باكستان لا يعني أن ننكر شدة التحديات التي تمثلها الكهرباء في البلاد، وهي تحديات راسخة ومتعددة النواحي . أولا، على الرغم من القدرة الكهربائية المركبة في باكستان البالغة 20 جيجاوات كافية من حيث المبدأ لتلبية الطلب على الطاقة بمعدل يومي يبلغ حوالي 17 جيجاوات، فإن ما يتم في الواقع توليده في المتوسط هو 14,3 جيجاوات فقط . ما يعني أنه لا تستخدام حوالي 30 في المئة من القدرة الحالية، بسبب وجود مشكلة إدارية مالية تعرف باسم الديون الدائرية . الأسوأ من ذلك، نظام التوزيع في باكستان معرّض للتسريب والسرقة على نطاق واسع، و يمكن لهذه المشاكل أن تستهلك بشكل مذهل من 25 إلى 30 في المئة من إجمالي الإنتاج .

حتى لو تمكنت باكستان من معالجة هذه المشاكل، فإنها ستحتاج إلى الاعتماد على مجموعة واسعة من مصادر الطاقة لتلبية احتياجاتها في المستقبل، بدءا من الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة المتجددة مثل الطاقة المائية والطاقة الشمسية وطاقة الرياح لكن في الوقت الحاضر، تبلغ طاقة الرياح المركبة 50 ميجاوات فقط، أي أقل من واحد على الألف من الإمكانات المقدرة لـ "ممرات الرياح " في البلاد . الطاقة النووية لا تعد حلا سريعا لهذه التحديات، لكن الحكومة تتصرف كما لو أنها كانت كذلك .

ليس لدى المواطنون الباكستانيون معلومات أو لديهم معلومات قليلة عن القضايا النووية مثل موقع المحطة وسلامتها والتخلص من النفايات النووية. أحد أسباب ذلك يرجع إلى أن المواطنين، ففي بلد يتصدر الإرهاب ومختلف الأزمات الأخرى عناوين الصحف فيها كل يوم، لديهم القليل من الوقت أو من الفراغ لصياغة مواقف بشأن القضايا النووية والتعبير عنها. لكن أحد الأسباب الأخرى هو أن كل المشاريع النووية الباكستانية، سواء كانت مدنية أو عسكرية، سرية للغاية. تفرض السلطات، متذرعة في ذلك بالأمن القومي، رقابة صارمة على جميع الآليات التنظيمية النووية والسماح بحيز قليلا لمشاركة المواطنين. ويحظر على الأفراد غير المنتسبين للجنة الطاقة الذرية الباكستانية أو هيئة التنظيم النووى الباكستانى مراقبة مستويات الإشعاع بالقرب من أي منشأة نووية. أحيانا يتم وصف الأشخاص الذين يثيرون تساؤلات بشأن سلامة محطات الطاقة النووية بأنهم عملاء لقوى أجنبية. وعندما سعى المسؤولون في العام الماضي للحصول على الموافقة للحصول على تقرير مطلوب لتقييم الأثر البيئي لمفاعلات كراتشي المتصورة للطاقة النووية، قام المسئولون بفعل ذلك في سرية، دون جلسة استماع علنية. 

لا تظهر أي دراسة حكومية متاحة علنا بأن المفاعلات النووية هي الخيار الأفضل أو الأقل تكلفة لحل مشاكل الطاقة في باكستان، وقضية الطاقة النووية بعيدة كل البعد عن أن تكون مقنعة . ولكن مع تعرض مليارات الدولارات للخطر، فإن المصالح التجارية تعمل بنشاط لتعزيز مبيعات تلك المفاعلات . أما المخاوف بشأن سلامة كراتشي فلا يتم إيلاؤها أهمية . أخشى من عواقب ذلك .