03/20/2014 - 05:35

الأنظمة المناسبة قبل المفاعلات

تدرس تقريبا الثمانية والأربعين دولة التي تفتقر إلى الطاقة النووية إمكانية اعتمادها، لكن التعبير عن الرغبة في امتلاك الطاقة النووية شئ والإنشاء الفعلي لقطاع نووي شئ آخر . هذا الأمر ينطبق بصورة خاصة على الدول النامية، وكذلك الأغلبية العظمى من الدول الثمانية والأربعين . تعد الطاقة النووية مسألة هندسية معقدة . إذ تتطلب التزاما ماليا كبيرا . ولا يمكن تبريرها إلا إذا كانت هناك شبكة كهرباء كبيرة نسبيا موجودة بالفعل . لهذه الأسباب وغيرها، فإن الغالبية العظمى من الدول النامية التي تفكر في اعتماد الطاقة النووية لن تقوم ببناء مفاعلات في المستقبل القريب .

هناك عدد قليل من الدول سوف تمضي في هذا الأمر قدما على سبيل المثال، تستعد تركيا حاليا لبناء أول منشآتها للطاقة النووية . لكن غالبية النمو في القدرات النووية في العالم النامي سيكون في الدول، خاصة الصين والهند، التي توجد بها طاقة نووية بالفعل وحيث يتطلب النمو الاقتصادي فيها طلبات هائلة من الكهرباء . على أية حال، فإن الدول التي تتبني الطاقة النووية، سواء كانت من الوافدين الجدد مثل تركيا أو من اللاعبين المعترف بهم مثل الصين تواجه تحديات خطيرة تتجاوز الهندسة والتمويل وتطوير شبكات الكهرباء . فيجب على تلك الدول، على وجه الخصوص، أن تؤسس ثلاثة أشياء : عملية للتطوير النووي تكون مستدامة ومدروسة بشكل جيد وهياكل ملائمة للسلامة ونهجا إنتاجيا تجاه المواقف العامة من الطاقة النووية .

تضع عملية التطوير النووي المستدامة والمدروسة جيدا توقعات واقعية حول مدى سرعة وحجم إنشاء قطاع نووي . إنها تطبق إجراءات موثوقة لمسائل مثل اختيار تصاميم المفاعلات . كما تشجع على المراجعة والتحسين المستمر . فبدون مثل هذه العملية المتطورة، يمكن أن تصبح برامج الطاقة النووية مكلفة جدا و تستغرق وقتا طويلا .

يمكن أن تقلل هياكل ومنظمات السلامة النووية التي يكون أداؤها جيدا من المخاطر الكامنة في محطات الطاقة النووية . على الرغم من أن التحسينات التي أدخلت على تصاميم المفاعلات على مدى عقود قد حسنت من السلامة في محطات الطاقة، إلا أنه يجب على الدول النامية أن تعمل بجد في كثير من الأحيان للتغلب على نقص الموظفين المؤهلين ذوي الخبرة ونقص القدرات الفنية .

قبول الجمهور للطاقة النووية هو أمر ضروري لتوسيع القطاعات النووية وكذلك لتشغيلها الآمن في نهاية الأمر. ففي الدول التي تكون فيها صناعة القرارات السياسية غير شفافة، عادة ما يحظى الرأي العام باهتمام قليل في المراحل الأولى من التطوير النووي. هذا يمكن أن يصبح مشكلة رئيسية في وقت لاحق.

تحديات للصين . الصين هي الدولة النووية الأكثر طموحا في العالم اليوم، فهي تدير 20 مفاعلا  وتقوم ببناء 28 آخرين، وعلى وشك البدء في بناء أعدادا أكثر من ذلك . لكن قد مرّت الصين بجميع التحديات الثلاثة المذكورة آنفا، وفي بعض الحالات واجهت صعوبات للتغلب عليها .

فيما يتعلق بالتنمية والتخطيط النووي، حققت الصين التزاما استثنائيا بالطاقة النووية حتى وإن تم تغيير الخطط بعض الشيء جرّاء الحادث الذي وقع في محطة فوكوشيما دايتشي للطاقة النووية . ففي أعقاب ذلك الحادث مباشرة، أعلنت الحكومة الصينية أنها لن تعدل من سياستها العامة لتطوير الطاقة النووية . لكنها علقت مؤقتا موافقاتها على المشاريع الجديدة وشددت على متطلبات السلامة كذلك . كما خفضت هدفها المنشود من القدرات النووية المركبة . وتتوقع الحكومة الآن أنه سيتم تركيب 58 جيجاوات من القدرات النووية بحلول عام 2020 ، بدلا من الـ 80 جيجاوات التي تم تصورها قبل حادثة فوكوشيما . بالإضافة إلى ذلك، خفضت الصين مرة أخرى من خططها لبناء مفاعلات من الجيل الثاني وتحولت بدلا من ذلك إلى تصاميم الجيل الثالث . التصاميم المتقدمة هي أكثر أمانا، بطبيعة الحال . لكن التحول قد أخر تطوير الطاقة النووية في الصين، وجعلها أكثر تكلفة مما كان متوقعا، وأثرّ بشكل ملحوظ على الشركات المصنعة للمعدات النووية . كما أبرز حقيقة أن خطط الصين السابقة للطاقة النووية تعتمد كثيرا على تصاميم الجيل الثاني .

وفيما يتعلق بالسلامة، يحتفظ القطاع النووي الصين بسجل نظيف نسبيا حتى الآن . لكن المختلف حوله هو ما إذا كان قد تم تأسيس نظم سليمة للسلامة وثقافة قوية للسلامة في الصناعة النووية . فعلى سبيل المثال، عقب حصول بعض الشركات المصنعة لمعدات السلامة النووية على جميع الشهادات اللازمة، يمكن أن تتساهل تلك الشركات في اتباع اللوائح وتنفيذ إجراءات ضمان الجودة . إذ إنه من المعروف أن هذه الشركات تقوم بشراء مواد خام دون المستوى المطلوب وتقوم بتعهيد الأعمال إلى مقاولين فرعيين غير مؤهلين . وبالمثل، فإن بعض شركات المرافق تهمل مراقبة الجودة وتقبل منتجات من الشركات المصنعة والتي كان يجب أن يتم رفضها . يحتاج نظام الرقابة النووية الصيني إلى تحسينات كذلك . وتشمل مجالات الاهتمام كلا من نقص أعداد العاملين القائمين على التفتيش على إجراءات السلامة في الموقع، والإجراءات غير الكافية للقيام بالتفتيش والإشراف في الموقع، وعدم وجود تقنيات اختبار متقدمة ومنهجيات تحليلية .

الحكومة الصينية حكومة مركزية ونظامها السياسي مغلق . لكن هذا لا يعني أن الرأي العام حول الطاقة النووية غير متصل بالموضوع . صحيح أن النقاش حول الطاقة النووية كان متفرقا وغير منظم قبل حادثة فوكوشيما، مما يعكس قلة وعي الجمهور بالطاقة النووية (وخاصة قضايا السلامة ) ومحدودية الفرص المتاحة للمشاركة في صنع القرار النووي . لكن بعد فوكوشيما، بدأ الجمهور في إيلاء المزيد من الاهتمام . فقد تم تكثيف المناقشات واندلعت الاحتجاجات ووجدت بعض الحكومات المحلية أن المشروعات النووية قد تم إعاقتها أو حتى إيقافها من قبل المعارضة الشعبية . ومن أجل المضي قدما، سوف يحتاج تشريع مخططات الصين لتطوير الطاقة النووية إلى دعم شعبي قوي ومستدام . ولضمان هذا الدعم، يجب على الحكومة أن تسمح بمشاركة أكبر للجمهور خلال عمليات تحديد المواقع والتراخيص . يجب أن تستجيب الحكومة والصناعة النووية بصورة أكثر حيوية وشفافية إلى مخاوف العامة بشأن السلامة النووية أو الحوادث النووية . (حجب المعلومات والتستر على الأخطاء يؤدي فقط إلى إضعاف ثقة الجمهور في الحكومة ). ويجب على الحكومة أيضا أن تسعى  إلى تثقيف الجمهور بشأن الطاقة والسلامة النووية، وسوف تكون المبادرات التعليمية أكثر فعالية إذا تم تنفيذها من قبل الحكومة بدلا من المرافق الكهربائية .

عمل شاق . ازدادت المخاوف المحيطة بسلامة الطاقة النووية في جميع أنحاء العالم بسبب حادثة فوكوشيما . لكن بسبب الطلب الهائل على الكهرباء في بعض البلدان النامية والضغوط البيئية الشديدة، تمكنت الصناعة النووية العالمية من الحفاظ على مضيها قدما . ومع ذلك، أي دولة نامية تفكر في تطوير أو توسيع قطاعها من الطاقة النووية يجب أن تكون على دراية بالتحديات التي تنطوي عليها . وذلك يشمل التعقيدات الهندسية والمطالب المالية . كما يشمل أيضا القبول العام، وهي قضية ينبغي دراستها بعناية في وقت مبكر . تتطلب الطاقة النووية أيضا خطة تنمية شاملة، تأخذ بعين الاعتبار الطلب على الكهرباء بالبلاد، ومزيج الطاقة، والخصائص الاقتصادية والقدرات التقنية، والجغرافيا، وما شابه ذلك . في مجال السلامة، يمكن للبلدان النامية اقتراض اللوائح والقواعد والمعايير من الدول البائعة لكن سوف تبقى ثمة تحديات . فبعض المعايير لا يمكن تطبيقها أو سوف تحتاج إلى أن تطبق بشكل مختلف في بيئاتها الجديدة، ويجب أن تتطور المعايير باستمرار في أي حال من الأحوال . يجب أن تدرك الدول النامية، إذا ما أرادت أن تأسس ثقافة قوية للسلامة ونظام ضمان للجودة يعمل بشكل جيد ونظام فعال لإنفاذ الرقابة والإشراف، أن ذلك يتطلب قدرا كبيرا من الوقت والجهد .