03/21/2014 - 05:15

عندما لا تثق بك العامّة

في أحد أيام شهر أغسطس عام 2013 ، تجمع مئات من الطلاب المستقلين دراجات نارية حول أحد المقرات الحكومية في مقاطعة بانجكا جنوب إندونيسيا . لقد جاءوا ليس للمطالبة بإلغاء زيادة الرسوم الدراسية أو إعطاء الأولوية لفرص عمل الشباب، ولكن لمطالبة رئيس المقاطعة بشجب خطط بناء أول محطة للطاقة النووية في البلاد على جزيرة بانجكا . اعترض رئيس المقاطعة، لكن استمرت الحركة المناهضة لاستخدام الطاقة النووية في جزيرة بانجكا وفي معظم أرجاء البلاد . إن الإندونيسيين ببساطة لا يثقون في أن حكومتهم ستستخدم الطاقة النووية بشكل صحيح .

في أعقاب الحادث الذي وقع في محطة فوكوشيما دايتشي للطاقة النووية، كان من الممكن أن يتوقع المرء أن تفقد الطاقة النووية الكثير من جاذبيتها . لكن ظلت الرغبة في امتلاك الطاقة النووية قوية بين المسؤولين، في العديد من الدول النامية، ومن بينها إندونيسيا، حتى لو كان الرأي العام يُكِن مخاوف عميقة حول قدرة الحكومات على تشغيل المرافق النووية .

ولكي نفهم ديناميكيات السياسة النووية في إندونيسيا، فمن المفيد أن نستوعب أولا التاريخ الحديث لاقتصاد البلاد فهذه هي الخلفية التي في ضوئها يجادل كلا المعسكرين المؤيد والمناهض للطاقة النووية كلٌ لصالح قضيته . في السنوات الأخيرة من القرن الـ 20 ، عانت إندونيسيا خلال الأزمة المالية المريرة . ومرت بضائقة اقتصادية لبضع سنوات في أعقاب ذلك . لكن على مدى العقد الماضي أو نحوا من ذلك، حققت إندونيسيا نموا اقتصاديا ملحوظا . ويرجع ذلك جزئيا إلى جهود الحكومة لمحاربة تخفيض التصنيع، وكذلك برنامج التحرير الذي شمل افتتاح أسواق محلية للمنتجات والاستثمارات الدولية، أصبحت إندونيسيا واحدة من الاقتصادات الناشئة الأكثر أهمية في العالم . وهى عضو في مجموعة العشرين (جي 20 ) في عام 2012 ، بلغ ناتجها المحلي الإجمالي 878 مليار دولار أكثر من تسعة أضعاف ناتجها في عام 1998 خلال ذروة الأزمة المالية الآسيوية .

وقد كان لهذا التوسع الاقتصادي الهائل آثار عميقة على الطلب على الطاقة التي طالما كانت مسألة مقلقة في إندونيسيا . في بداية فترة السبعينات، خلال نظام سوهارتو، شهدت إندونيسيا طفرة في النفط . وفىّ النفط بمتطلبات الطاقة في البلاد، وأصبح وسيلة الحكومة الأساسية لتمويل مشاريع التنمية بما في ذلك برنامج التصنيع السريع . لكن استهتار النظام بإدارة موارد النفط أدى إلى عجز شديد في إنتاج الطاقة وتوزيعها . ومع مطلع القرن الحالي، كانت احتياطيات النفط تنضب بشكل سريع، وفي عام 2005 أصبحت الدولة مستوردا صافيا للنفط . معدل كهربة إندونيسيا حوالي 70 في المئة، وهي من بين أدنى المعدلات في جنوب شرق آسيا . تعاني المدن الكبرى مثل جاكرتا وباندونج وسورابايا من الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي . وارتفاع النمو الاقتصادي يعمل على اتساع الفجوة بين العرض والطلب . لذلك زادت عملية البحث عن مصادر للطاقة البديلة ومن بينها الطاقة النووية .

تعود تجربة إندونيسيا مع التقنية النووية إلى أواخر فترة الخمسينات، عندما تم تأسيس معهد الطاقة الذرية . وفي فترة الستينات، تم إنشاء هيئة كاملة وهي الوكالة الوطنية للطاقة النووية والتي تعرف اختصارا باسم (باتان) تم تركيب مفاعل أبحاث تم تمويله من قبل البرنامج الأمريكي "الذرة من أجل السلام ". وفي وقت لاحق، تم بناء مفاعلين آخرين للأبحاث . قامت إندونيسيا بتطوير قدراتها في مجالات مثل إنتاج النظائر للأغراض الطبية والزراعية . اليوم، يبدو أن خبرة اندونيسيا التي امتدت لعدة عقود في تشغيل مفاعلات الأبحاث تدل على أن البلاد لديها القدرة على تشغيل مفاعلات الطاقة أيضا .

إن خطط تطوير قطاع الطاقة النووية كانت قد نوقشت منذ فترة السبعينات . لكن النفط كان مهيمنا للغاية على سياسة الطاقة في ظل نظام سوهارتو مما أدى إلى إحراز تقدم ضئيل على مدى عقود . ومع ذلك، تبنت الحكومة في عام 2004 سياسة جديدة للطاقة تنص على أن الطاقة النووية سوف تسهم بنحو 2 في المئة من إنتاج الكهرباء بحلول عام 2025. كما سيتم بناء أربعة مفاعلات تقوم بإنتاج 4,000 ميجاوات من الكهرباء . وقد وصفت الطاقة النووية بأنها مصدر نظيفة وميسور التكلفة الطاقة .

كان من المفترض أن يكون المفاعل الأول قد اكتمل بناؤه بحلول عام 2016 لكن تم تأجيله مرارا بسبب الاحتجاجات المناهضة للطاقة النووية وبصفة خاصة الاحتجاجات ضد محطات الطاقة النووية في جزيرة جاوة التي تكثر بها البراكين . تخلت الحكومة في عام 2010 عن خططها لإنشاء مفاعلات في جاوة بعدما واجهت معارضة شعبية قوية . تتمركز الخطط الآن في جزيرة بانجكا . وقد كان لهذا التغيير آثار على حجم المشروع تتطلب الخطط الآن بناء مفاعلين بدلا من أربعة وإنتاج أقل من الكهرباء .

قرار تقليص المشروع النووي قد يبدو استجابة مناسبة للمعارضة الشعبية . لكن السؤال هو لماذا تسيطر المخاوف من المخاطر النووية على المواقف العامة تجاه الطاقة النووية في إندونيسيا هذه المخاوف ازدادت فقط عقب حادثة فوكوشيما، والتي أظهرت أنه حتى الدول التي تتمتع بثقافة قوية للسلامة النووية يمكن أن تعاني أثناء مواجهة كارثة نووية .

إن القدرة الضعيفة التي اشتهرت بها الحكومة تجاه ضمان السلامة والأمن العام هي مصدر قلق العامة في إندونيسيا اتضح ذلك، على سبيل المثال، في فشل الدولة في التخفيف من آثار الكوارث وحوادث السير المتكررة . المقاومة الشعبية ليست نابعة من المخاوف بشأن مدى كفاءة الخبراء الفنيين النوويين (باتان) لديها 50 عاما من الخبرة في تشغيل المفاعلات البحثية . ولكن (باتان) ليست هي القضية . القضية هي أن العامّة لا تثق في المؤسسة الحكومية بالكامل . يعتقد الاندونيسيون أن حكومتهم تفتقر إلى الكفاءة وسوء التنسيق وفاسدة على نطاق واسع . عندما يتعلق الأمر بتشغيل تقنية عالية المخاطر، تصبح هذه المشاكل خطيرة . لا يمكن حل هذه المشاكل إلا من خلال برنامج لإصلاح المؤسسات، لكن عملية الإصلاح الفعال يمكن أن تستغرق سنوات .

في دولة ديمقراطية ناشئة مثل إندونيسيا، لا يمكن تطوير قطاع الطاقة النووية دون المناقشات العامة والقبول العام . لذلك إلى أن تتمكن الحكومة الاندونيسية من تحسين كفاءتها وتنسيقها وجودة حُكمها وهي الصفات التي تكمن وراء القدرة على تشغيل قطاع الطاقة النووية سيظل إنشاء مثل هذا القطاع تحديا سياسيا .