06/04/2014 - 05:56

إلقاء الضوء على أمريكا الجنوبية

يمكن أن تظهر مكافحة مسببات الأمراض الناشئة في صور متباينة للغاية اعتمادا على من تكون وأين تعيش. حازت جهود إفريقيا للسيطرة على مسببات الأمراض الناشئة على كثير من الاهتمام في هذه المائدة المستديرة، في حين حازت منطقة أمريكا الجنوبية حيث أنتمي على اهتمام أقل. لذلك أود أن أخصص مقالي الأخير لتوضيح الصورة في أمريكا الجنوبية.  

إن أحد الفروق الكبرى بين أمريكا الجنوبية وأفريقيا، من منظور مسببات الأمراض الناشئة، هو أنه عندما بدأت إسبانيا والبرتغال في غزو أمريكا الجنوبية في القرن السادس عشر، قاموا بالاندماج مع السكان المحليين بشكل كبير للغاية. حيث لم يكتفوا فقط بالسفر إلى سواحل القارة، بل جابوا معظم أرجائها. وقد قاموا بفرض دينهم ونظمهم القانونية. كما أنشأوا مراكز سكانية جديدة. وهذا يعني أنهم أدخلوا أيضا أمراضا جديدة— والتي أهلكت السكان الأصليين. لكن لأن الأوروبيين تزاوجوا من السكان المحليين، فإنهم قدموا أيضا حصانة ضد عديد من مسببات الأمراض.

في أمريكا الجنوبية اليوم، وذلك بسبب الهجرة التي تتم بدافع الرغبة في العمل أو الدراسة أو لاعتبارات عائلية، مازال السكان يمتزجون مع بعضهم البعض بمعدل مرتفع. وبينما يسافر سكان أمريكا الجنوبية من مكان إلى مكان، فإنهم لا يحملون غالبا أي سجلات خاصة بتاريخهم المرضي— لكنهم يجلبون معهم بالطبع مسببات الأمراض، أو يتفاعلون دائما مع نواقل أمراض جديدة. وحالما يستقرون في أماكنهم الجديدة، فإنهم يميلون الى إظهار سلوكياتهم الخاصة— المتعلقة مثلا بالرعاية الصحية أو إعداد الطعام— والتي جلبوها معهم من مواطنهم السابقة. لذا، يمكن أن تزدهر مسببات الأمراض في ظل هذه الظروف، وهناك أمراض مثل حمى الضنك والحمى الصفراء مستوطنة في عدد من دول أمريكا الجنوبية. وفي الوقت نفسه، فإن تنقل سكان أمريكا الجنوبية يجعل من الصعب للغاية القيام بمراقبة الأمراض وتحديد الوضع الوبائي للمرض أو تنسيق السياسات بين الدول.

وعلى الرغم من ذلك، فإن النظام الصحي في أمريكا الجنوبية يحظى بكثير من المزايا. حيث تشمل هذه المزايا كون وزارات الصحة منظمة تنظيما جيدا. كما تشمل أيضا وجود كادر من الأطباء والعلماء المدربين تدريبا جيدا، وكذلك بنية تحتية أساسية جيدة مثل مختبرات عالية الجودة ومستشفيات مخصصة لمعالجة الأمراض المعدية. (لسوء الحظ، يغلب تركز هذه الموارد في المدن الكبيرة؛ وبالمقارنة فإن المدن الصغيرة والمناطق الريفية محرومة منها). كما تشمل مزايا أمريكا الجنوبية وجود منظمات إقليمية مثل يوناسور، والتي توفر منتدى لمناقشة التحديات الصحية وتشكيل الاستجابات. وتشمل المزايا أيضا تاريخ إقليمي مشترك ومجموعة من القيم المشتركة، وهى عوامل تجعل التعاون عبر الحدود سهلا نسبيا.

مع ذلك، يمكن أن تقوم أمريكا الجنوبية بعمل أفضل بكثير لاحتواء مسببات الأمراض الناشئة. وبجانب استمرار كفاح المنطقة ضد المشاكل الملحة مثل الفقر وعدم المساواة الاجتماعية، فإن الاهتمام الحكومي والموارد الحكومية بالصحة العامة غير كافية كذلك. إن ما تحتاجه أمريكا الجنوبية على المدى الطويل هو نهج نظامي مشترك لمكافحة مسببات الأمراض الناشئة. ومع أن بعض عناصر النظام الصحي في القارة تعمل بشكل جيد، هناك أجزاءً مختلفة من الصورة الكلية لا تنسجم معا على النحو الأمثل.

إن كل منطقة من المناطق في العالم هي فريدة من نوعها، وكل نظام من النظم الصحية هو فريد من نوعه أيضا. اليوم، مع وجود قوى مثل التحضر وزيادة السفر الدولي وما تمثله من تحديات جديدة أمام مكافحة مسببات الأمراض الناشئة، لا بد من فهم ماضي وحاضر كل منطقة، لأن مستقبل الرعاية الصحية يعتمد على ذلك.