الصفر: هل هو الهدف الصحيح؟

By Wael Al Assad: AR, Li Bin: AR, Sinan Ulgen: AR, September 17, 2014

ألزمت الولايات المتحدة الأميركية وروسيا نفسيهما بمواصلة السعي نحو نزع السلاح الكامل. ولكن رغم تعهدات الدولتين الواردة بمعاهدة حظر الانتشار النووي، من المنطقي أن نتساءل عن ما إذا كانت الولايات المتحدة وروسيا على وجه الخصوص ستقبلان القيود على القوة النووية التي يقتضيها نزع السلاح الكامل. وبالتالي هل يعد القضاء الكامل على الأسلحة النووية هدفًا ملائمًا لحركة نزع السلاح؟ أو هل ستسير عملية نزع السلاح بخطى أسرع إذا كان هدفها تخفيض المخزونات إلى النقطة التي تشكل حدًا أدنى معقولًا للردع النووي؟

Round 1

الحجة ضد النزع الكامل للسلاح النووي

إن نزع السلاح النووي بشكل كامل وهمٌ خطير. وهناك ثلاثة أسباب أساسية تجعل السعي وراء تحقيق هذا الهدف، الجدير بالثناء نظريًا، سبيلًا لخلق عالم أكثر خطورة.

أولاً، يصعب تعيين بديل يعتمد عليه للردع النووي كوسيلة للحفاظ على الأمن. ويمكن القول ببساطة أن الردع النووي نجح في تحقيق هذا الهدف. ونلاحظ أنه حتى في ذروة الاستقطاب الأيديولوجي إبان الحرب الباردة، لم يشهد العالم حروبًا شاملة كالتي وقعت في غياب رادع نووي خلال النصف الأول من القرن العشرين. وقد أقر صانعو السياسات تمامًا بالقدرة التدميرية للأسلحة النووية ومن ثم سعوا إلى فهم التعقيدات الكامنة في عالم نووي. ووفر مفهوم الدمار المتبادل المؤكد – ولا يزال يوفر – أساسًا راسخًا لتقليص مجال وحجم المواجهات بين الدول النووية.

في حال خلو العالم من رادع نووي، سيتحول في الحال إلى مكان أكثر خطورة. وإذا أصبحت الموجودات العسكرية مقصورةً على الأسلحة التقليدية، سيقل امتناع الدول عن الدخول في نزاعات مسلحة. وسينطبق هذا حتى على القوى الكبرى. ومع تضاؤل عوامل الزجر عن الصراع، قد لا يمكن وقف تجدد سباقات الأسلحة التقليدية. ومن بين الأشياء الأخرى، ما قد يكون لهذا الأمر من  تأثير كبير على ميزانيات الدول. فاليوم، على الأقل بالنسبة للدول النووية، يتيح وجود رادع نووي إجراء تخفيضات حادة في الإنفاق على الدفاع خلال أوقات التقشف. بنفس الطريقة، سيكون بوسع الدول الواقعة تحت مظلة الردع النووي الممتد لدولة أخرى تقليل نفقاتها على القدرات العسكرية التقليدية، حيث ستستفيد هذه الدول من حصة نووية. لذا يمكن القول بشكل عام بأن الأسلحة النووية تمثل قوة استقرار، رغم أن هذا قد يبدو مناقضًا لما استقر في الأذهان، إذ يصعب تخيل تحقيق مستويات استقرار مشابهة من خلال أي وسيلة أخرى غير الأسلحة النووية.   

ثانيًا، كيف سيكون من الممكن إدارة عالم خالٍ من الأسلحة النووية؟ فلو افترضنا أن العالم في الأساس "تكتل/كارتل سلمي" كبير، لكان هذا التكتل هشًا للغاية. فالنظرية الاقتصادية تشير إلى أن أعضاء أي تكتل يصبحون أكثر ميلَا للانخراط في أنماط سلوك تهدف إلى إفشال التكتل، لأن الفوائد والمكاسب الناتجة عن مثل هذا الفعل أكثر مقارنةً بالعقوبات. كذلك هناك منطق مشابه عندما يتعلق الأمر بالأسلحة النووية. ففي عالم يخلو من الأسلحة النووية، سيعود خرق التزامات التكتل، المتمثل في تطوير رادع نووي، بفوائد أمنية هائلة. أما بالنسبة للعقوبات، فلا شيء يستطيع تغيير حسابات نظام مارق عازم على امتلاك أسلحة نووية سوى هجوم عسكري مدعوم بموافقة دولية لتدمير هذه الدولة. بمعنى أن ضمان بقاء العالم خاليًا من الأسلحة النووية سيتطلب تأسيس نظام عالمي مكرس لهذا الغرض، مدعمًا باستخدام نزيه وشفاف للقوة. ولم يشهد العالم في تاريخه ظهور مثل هذه النظام، وقد لا يشهده أبدًا.    

العامل الثالث للاعتراض على النزع الكامل للسلاح النووي هو صعوبة إحداث تحول إلى عالم خالٍ من السلاح النووي. فقد طورت الدول روادع نووية لأسباب متنوعة، لكن أهمها كان إدراك التهديد ــ سواء بالنسبة للقوى العظمى أو القوى المتوسطة مثل الهند وباكستان وإسرائيل. وإلى أن يتم القضاء بصورة نهائية على التهديدات التي دفعت هذه القوى إلى امتلاك أسلحة نووية، يصعب تصور موافقتها على نزع السلاح بشكل كامل. على سبيل المثال، لا يمكن للمؤسسة الأمنية المختصة بوضع السياسات في باكستان أن توافق على نزع السلاح الكامل حتى تشعر باكستان بالأمن تجاه الهند، جارتها الأقوى وخصمها السياسي والجغرافي. وما يقال عن الحالة الباكستانية يمكن أن يقال عن الحالة الإسرائيلية أيضًا. إذًا يجب أن يكون العالم أكثر حنكة ومهارة في حل مشكلات صراعاته الإقليمية، أو على الأقل إدارتها سلميًا، سواء من خلال هيكل أمني عالمي، أو عدد من الهياكل الإقليمية، حتى تدرك القوى المتوسطة على الأخص أنها ستكون في مأمن بنزع السلاح الكامل.    

إن التخلص من الأسلحة النووية مسألة صعبة رغم رفعة الهدف. إلا أن هذا لا يعني القول بوجوب توقف جهود نزع السلاح. بل على العكس ينبغي أن تتحرك الدول النووية (وفي مقدمتها الولايات المتحدة وروسيا) قدمًا نحو تخفيض ترساناتها، وإلا سيكون الإجماع الذي يشكل أساس نظام حظر الانتشار عرضة للتحديات بصورة متزايدة. لكن هناك حدٌ لما يمكن أن يحققه نزع السلاح النووي دون جلب مخاطر أمنية جديدة.

لقد خدم الردع النووي العالم إلى حد كبير على مدار عقود كثيرة. وسيظل يخدم العالم حتى لو تم تخفيض الترسانات النووية. وسيمكن الحفاظ على الاستقرار إذا اقتربت الترسانات من الصفر – دون أن تصل إليه. وينبغي حقًا أن يكون هذا هو هدف المجتمع النووي الدولي.

المشكلات الرئيسة المرتبطة بوضع حد أدنى للردع النووي

تسير عملية نزع السلاح النووي بوتيرة متباطئة. وللإسراع بهذه العملية، اقترح البعض تقليل المخزونات من الأسلحة النووية حتى تشكل حدًا أدنى من الردع، بدلاً من التخلص منها بالكامل. لكن على أرض الواقع، كيف يمكن لهذا النهج أن يؤثر على نظامي نزع السلاح وحظر الانتشار النووي القائميْن؟

أولاً: قد يؤدي هذا النهج إلى تقويض التعهدات السياسية الجادة بنزع السلاح التي تعهدت بها الدول النووية الخمس. ثانيًا: (و كنتيجة مترتبة على ذلك)، أن مثل هذا النهج قد يقوض تعهدات منع الانتشار التي قطعتها الأطراف غير النووية بموجب معاهدة حظر الانتشار النووي. فنزع السلاح الكامل هو جوهر المعاهدة بالنسبة لهذه الدول. وإذا لم يعد القضاء على الأسلحة النووية هو الهدف، فسيصعب على الدول النووية توضيح أسباب امتلاكها أسلحة نووية في ظل تحريمها على الدول الأخرى. كما قد تمنع الدول غير النووية دعمها للجهود المهمة في مجال حظر الانتشار النووي.

لكن رغم كل ذلك، قد يكون لنهج الإبقاء على حد أدنى من الردع النووي بعض القيمة تحت ظروف معينة. فإذا كان التركيز على حد أدنى من الردع سيحقق تخفيضات عميقة ومؤثرة بوتيرة أسرع مما قد يحققه التركيز على القضاء على الأسلحة النووية، فستُعتبرالتخفيضات العميقة هنا تطورًا إيجابيًا. لكن رغم ذلك، ستكون هذه التخفيضات بمثابة مجرد خطوة مؤقتة في العملية الرامية إلى الوصول إلى هدف "الصفر" – وليس بديلا عن الهدف الأساسي وهو نزع السلاح.  

التطوير المعطٍل. على مدار السنوات الماضية، كان الاستقرار الاستراتيجي أحد المباديء التوجيهية الرئيسة للتخفيضات النووية التي نفذتها الولايات والمتحدة وروسيا (أو الاتحاد السوفيتي).  ووفقاً لنظرية الاستقرار الاستراتيجي، يضعف إلى حد كبير الحافز لدى المتنافسين النوويين لشن هجوم نووي ضد الآخر، أو لتضخيم ترساناتهم النووية، إذا كانت ترسانة الآخر تحتوي على عدد معين من الأسلحة النووية القابلة للبقاء. إذًا فالحد الأدنى من الردع النووي يعني استراتيجية الحفاظ على أصغر قوة لازمة لردع أي هجوم نووي.

 ويعتمد حجم الرادع النووي الأدنى في أي دولة نووية على القدرات الهجومية والدفاعية لمنافسيها. واليوم تبدو القوى النووية الاستراتيجية للولايات المتحدة وروسيا كبيرةً للغاية بالنسبة لأغراض الحد الأدنى من الردع النووي، بينما تعد فرنسا والمملكة المتحدة والصين أقرب إلى الحد المطلوب. وفي حال قيام الولايات المتحدة وروسيا بتخفيض قواهما النووية إلى مستوى ملائم للحد الأدنى من الردع، فستنضم الدول النووية الثلاث الأخرى لهذه العملية، الأمر الذي من شأنه أن يمثل تقدمًا حقيقيًا نحو نزع السلاح النووي في العالم. 

لكن القصة لا تنتهي عند ذلك، فهناك جوانب أخرى للقضية ينبغي التطرق إليها. صحيحٌ أن الترتيب بين أطراف متعددة لوضع حد أدنى للردع النووي قد يبدو للوهلة الأولى خطوة تعزز الاستقرار –  ففي ظل نظام كهذا، لن تضطر دولة إلى القلق بشأن حجم القوى النووية للدول الأخرى. إلا أن هذا يصدق فقط  إذا كان الأمر مقتصرًا على العوامل النووية دون غيرها من العوامل الأخرى غير النووية. وأعني هنا أن التطورات التكنولوجية الحديثة في المجال غير النووي قد تغير الحسابات النووية للدول المالكة للأسلحة وتعقد الموقف بشكل جذري.

وقد تمثل التطورات الاستخباراتية مجالًا لمثل هذه التطورات. فالاستخبارات المتقدمة في دولة نووية دائمًا ما تكون قادرة على تقليص قابلية الأسلحة النووية للبقاء في دولة أخرى. وبالتالي تضطر الدولة التي تقلصت قابلية أسلحتها للبقاء إلى تعويض هذا الأمر بطريقة أو بأخرى – وهنا تكون زيادة حجم ترسانتها النووية أحد أبرز الحلول. ويمثل الدفاع الصاروخي مجالًا آخر للتطورات النووية المعطِلة. فإذا ما قامت أي دولة بتطوير منظومة فعالة للدفاع الصاروخي، فقد يشعر منافسوها بالحاجة إلى ترسانة نووية أكبر لاختراق الدفاعات. مجال ثالث لمثل هذه التطورات هو الضربات الدقيقة بواسطة الأسلحة التقليدية. فبعض الأسلحة التقليدية طويلة المدى قد تصبح قادرة على تدمير أسلحة العدو النووية أو تعطيل الإطلاقات النووية. ومرة أخرى، يكون رد الفعل المحتمل هنا زيادة حجم الترسانات النووية. لذا فإنه حتى في حال تطوير نظام لحد أدنى للردع النووي، قد لا يكون الترتيب لذلك مستقرًا أو دائما. ربما تدعم الدولُ النظامَ تحت ظروف معينة، لكن – عندما تغيرت الظروف في مجالات كالاستخبارات والدفاع الصاروخي وقدرة الضربات بالأسلحة التقليدية – بات الأمر صعبًا. 

وربما انعدمت كل هذه الإشكاليات إذا تم القضاء على الأسلحة النووية. فوفقًا لسيناريو القضاء على الأسلحة، ستكون القدرات الاستخباراتية القوية قوة إيجابية لأنها ستكشف انتهاكات الدول لنظام نزع السلاح النووي. كما سيكون الدفاع الصاروخي قادرًا على ردع الانتهاكات لأنه سيجعل أي مجموعة صغيرة من الأسلحة النووية المخبأة أقل فعالية. بشكل عام، ستدعم الابتكارات التكنولوجية مبادرة "الصفر العالمي" – الهادفة إلى وقف الانتشار النووي في العالم – بدلًا من تقويضها.

حددوا مواصفاتكم. ربما كانت صعوبة تحديد حجم الردع الأدنى إشكالية أكثر أهمية بالنسبة للجهود الرامية إلى وضع حد أدنى للردع النووي. أولًا، لا يوجد إجماع بشأن عدد رؤوس الحرب الاحتياطية الكافية لردع أي هجوم نووي. وقد تتنوع التقديرات من بعض العشرات إلى بعض المئات. ثانيًا، لا يوجد إجماع حول عدد الرؤوس النووية الإضافية التي قد تتطلبها الحاجة لضمان قابلية الأسلحة للبقاء في مواجهة أي هجمات بالأسلحة النووية والتقليدية من جانب أي عدو، وضمان اختراق قدرات العدو في اعتراض الصواريخ (ستعتمد التقديرات بشكل كبير على افتراضات بشأن قدرات المنافس المضادة للأسلحة النووية). وفي ظل غياب طريقة مقبولة عالميأ لحساب الحجم الملائم لرادع نووي أدنى، يجب التوصل لقيود وحدود عبر التفاوض. وسيكون لمثل هذه القيود جانب تعسفي لامحالة. لكن بالنسبة للتساؤل بشأن "القضاء الكامل على الأسلحة النووية"، يكفي أن نقول أنه لا توجد دولة تستطيع امتلاك أي جهاز تفجير نووي.   

وبشكل مماثل، سيكون التحقق أبسط وأيسر في عالم خالٍ من السلاح النووي عنه في نظام قائم على الردع النووي الأدنى. ففي عالم خالٍ من السلاح النووي، لن تكون الدول بحاجة إلى مختبرات أو منشآت إنتاجية للأسلحة النووية. كما لن تحتاج إلى مخزونات من المواد القابلة للانشطار، أو عاملين متخصصين في المجال النووي العسكري. وأي دليل على وجود مثل هذه المنشآت أو المخزونات أو هؤلاء العاملين سيكون دليلًا على حدوث انتهاك. ومن ثم سيكون التحقق بسيطًا. علاوةً على ذلك، لن تسبب فضولية إجراءات التحقق قلقًا كبيرًا – إذا لم يكن لدى الدول منشآت أو قدرات نووية، فليست بحاجة للقلق من خضوع تصاميم الأسلحة النووية لديها للكشف والفحص من خلال عمليات التفتيش التدخلية. ولو قارنا هذا بنظام الإبقاء على حد أدنى من الردع النووي، والذي يتيح بقاء المختبرات النووية وغير ذلك من المنشآت والعاملين، سنجد أن هذا النظام يجعل التحقق أشد تعقيدًا بدرجة كبيرة، ولا يفعل شيئًا لتقليل المخاوف من التدخل.

إن تلك الصعوبات المتعلقة بتحديد المواصفات والتحقق تعطي دليلًا إضافيًا على أن نظام الإبقاء على حد أدنى من الردع لا يمكن أن يكون حلًا فعالًا طويل الأجل لمشكلة الأسلحة النووية. فمثل هذا النظام قد تثبت صلاحيته كخطوة مؤقتة ومفيدة نحو نزع السلاح النووي، ولكن يجب أن يظل الهدف الأكبر هو القضاء الكامل على الأسلحة النووية.

لا تعهدات ملزمة للأقوياء؟

لو افترضنا أن كل دولة من الدول الخمس النووية المعترف بها امتلكت ثلاثين رأسًا نوويًا فقط، هل سيكون العالم مكانًا أكثر أمنًا؟ نعم، ربما كان الأمر كذلك، لكنه لن يكون آمناً بالدرجة الكافية. كذلك لن تكون المخزونات الأصغر حجمًا متسقةً مع مبدأ "نزع السلاح العام الكامل"، وهو أمر ألزمت به الدول النووية نفسها بموجب معاهدة حظر الانتشار النووي.

ولا يمكن، بل ولا ينبغي، اعتبارتخفيض عدد الأسلحة النووية الهدف الأكبر لعملية نزع السلاح – مهما بلغ حجم هذه التخفيضات. إذ أن التركيز على التخفيضات قد يعطي شعوراً زائفاً بالأمن. كما أن من شأنه أن يصرف الانتباه عن هدف نزع السلاح الكامل. على أية حال، هناك من يقول بأن الدول النووية حينما تقلص من حجم ترساناتها، إنما تفعل ذلك لضرورة اقتصادية فقط. ووجهة نظرهم في هذا أن ما تريده هذه الدول في الحقيقة هو تأسيس ترسانات ذات حجم أمثل – بمعنى أن تكون ميسورة التكلفة، لكنها في الوقت ذاته كفيلة بمنحها القوة والهيبة بين الدول. لذا فإن الترسانات الصغيرة قد لا تغير جوهر طبيعة ديناميكة القوة الدولية، والتي وفقها تحافظ الدول النووية على تفوقها اعتمادًا على ما تملكه من أسلحة نووية. 

لا مساواة. في عام 2005، صرح كوفي أنان، الأمين العام للأمم المتحدة في ذلك الوقت، بأن"التقدم على مساري نزع الأسلحة وحظر الانتشار النووي أمر ضروري وأساسي، وينبغي ألا يُرهن أيهما بالآخر". ولست متأكدًا من صحة صياغة تصريح أنان أو شموله للدول غير النووية أيضًا. لكن لا ريب أن نزع السلاح وحظر الانتشار النووي أمران مرتبطان ببعضهما. وستظل دوافع الانتشار قائمة، وستقاوم الدول غير النووية ضوابط حظر الانتشار المشددة، إلا إذا اتُخذت خطوات جدية نحو نزع السلاح. ولن تفكر الدول النووية جديًا في التخلص من أسلحتها دون تطبيق تدابير صارمة لمنع الانتشار. لكن كل هذا يحجب حقيقة أساسية وهي: أن الأسلحة النووية تمثل تهديدًا للسلام والأمن الدوليين، بغض النظر عن من يمتلكها. وتضع الطبيعة الشديدة الوحشية لهذه الأسلحة مسؤولياتٍ استثنائيةً على الدول التي تمتلكها. لذا، فرغم ارتباط حظر الانتشار بنزع السلاح النووي، لا يمكن أن تكون هناك مساواة حقيقية بين الدول النووية وغير النووية.

ويعد الالتزام ببنود معاهدة حظر الانتشار النووي أحد مظاهر ضعف المساواة بين الدول النووية وغير النووية. فالدول غير النووية، باستثناء قلة قليلة منها، حافظت من ناحيتها على التزامها ببنود معاهدة حظر الانتشار النووي، بينما لم تحافظ الدول النووية على تعهداتها. أو ربما يكون هناك تفسير أكثر سخرية يلائم هذا الأمر وهو: أن الدول النووية استعاضت عن تعهدات حظر الانتشار الواردة في المعاهدة بوعودٍ بنزع السلاح لا تنوي الوفاء بها.   

ويبدو أن هذا النموذج لعدم المساواة قد استمر طوال فترة المعاهدة. ففي مؤتمر مراجعة وتمديد معاهدة حظر الانتشار الذي عُقد عام 1995، وافقت الدول النووية على تعهدات إضافية لنزع السلاح وذلك بغية ضمان تمديد المعاهدة لأجل غير مسمى. (كان من بين هذه التعهدات تنفيذ القرار الخاص بالشرق الأوسط والذي قضى بإنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في هذا الإقليم). والآن وبعد تجاهل هذه التعهدات، تشكك بعض الدول غير النووية في شرعية مد هذه المعاهدة.

وفي عام 2000، قدمت الدول النووية مجموعة أخرى من التعهدات، اشتهرت باسم "13 خطوة عملية" نحو نزع السلاح. إلا أنه خلال المفاوضات الهادفة إلى التوصل إلى اتفاقية في مؤتمر عام 2005، رفضت الولايات المتحدة إدراج أي إشارة أو مرجعية لتعهدات 1995 و2000، وهو ما كان أحد أسباب فشل التوصل إلى معاهدة حقيقية.

إذاً فقد بات واضحًا أن الدول النووية لا تأخذ تعهداتها بنزع السلاح مأخذ الجدية. بل إنهم لا يتورعون عن إطلاق إدعاءات وقحة عن قفزاتهم العظيمة في مجال نزع السلاح والتزامهم الكامل بتعهداتهم. والأكثر من ذلك تأكيدهم على الحاجة إلى قيود إضافية على الدول غير النووية لضمان عدم تحولها إلى دول ناشرة للسلاح النووي!

وطوال هذا الوقت، يحتفظون بترسانات أسلحتهم، ويبرزون بشكل واضح أهمية الأسلحة النووية في عقائدهم الأمنية، ويطورون أجيالًا جديدة من الأسلحة، ويصورون تخفيضات الأسلحة القابلة لإعادة التشغيل على أنها شكل من أشكال نزع التسلح . ولا تزال الولايات المتحدة (وكذلك الصين ) ترفض التصديق على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية . .وتسعى الدول النووية في كل المنتديات بما في ذلك مجموعة الموردين النوويين إلى فرض قواعد صارمة على دورة الوقود، وإلى تقييد حصول الدول غير النووية على التكونولوجيا النووية السلمية . وبينما هم يفعلون ذلك، يتعاونون نوويًا وتكنولوجيًا  مع ثلاث دول نووية فعلية هي : الهند وباكستان وإسرائيل . ويلتزمون الصمت معظم الوقت حيال رفض إسرائيل الانضمام إلى المعاهدة . بينما يتوقع العالم بسذاجة من الدول النووية أن تتفاوض بحسن نية

نهج جديد. وسط كل هذه الظروف، أصبحت مصداقية نزع السلاح متعدد الأطراف موضع شك كبير – وقد يكون نظام حظر الانتشار أيضًا في طريقه إلى التفكك والانحلال. إذًا، ما الذي يمكن للدول غير النووية أن تتوقع حدوثه في مؤتمر المراجعة القادم عام 2015؟ هل ستقدم الدول النووية مزيداً من التعهدات التي لا تنوي الوفاء بها؟ لتحاشي مثل هذه النتيجة، ينبغي اتخاذ تدابير جديدة صارمة. فالتدابير الصارمة وحدها هي التي ستمنع القلة النووية من الهيمنة على مصالح الكثيرين. 

ينبغي أن تقوم مجموعة رئيسة من الدول غير النووية بتشكيل تحالف جديد مع الدول التي تتبنى فكرًا متشابهًا في جميع مناطق العالم. وينبغي أن يطلق هذا التحالفُ حملةً للتأكيد على أن الوضع الراهن ليس محتملًا أو مقبولًا، وأن يسعى جاهدًا للفوز بتأييد الرأي العام والمنظمات غير الحكومية. كما ينبغي أن يؤسس التحالف منتديًا سنويًا تنسق الدول غير النووية من خلاله مواقفها. والأهم من ذلك أن يعلن التحالف أنه لن يقبل أي تعهدات بحظر الانتشار النووي حتى يتم اتخاذ أربع خطوات محددة نحو نزع السلاح.  

الخطوة الأولى رسم إطار عمل لمفاوضات نزع السلاح التي اشترطتها المادة السادسة من معاهدة حظر الانتشار النووي. وكجزء من هذه الخطوة، يجب تحديد المتطلبات القانونية والسياسية والفنية للتخلص من الأسلحة النووية ( قد يتطلب هذا مثلًا وضع آليات معينة للتحقق).  الخطوة الثانية تشكيل هيئة تكون مهمتها مراقبة تنفيذ الخطوات العملية الثلاثة عشرنحو نزع السلاح النووي، وذلك كجزء من عملية مراجعة المعاهدة. الخطوة الثالثة – وتتعلق بالدول النووية – تتضمن وقف المشاركة النووية مع الدول غير النووية في إطار جدول زمني معلن (وأشير هنا إلى سياسة حلف الناتو للردع النووي، التي تتيح وضع أسلحة نووية في أراضي دول غير نووية وإمكانية الاستعانة بجيوش هذه الدول في نقل الأسلحة). الخطوة الرابعة – وتتعلق أيضًا بالدول النووية – تتلخص في وقف كل أشكال التعاون النووي مع الدول النووية الفعلية، وممارسة ضغوط جادة عليها للانضمام لعملية المعاهدة كدول غير نووية.    

ولا يمكن إنكار ما ينطوي عليه هذا النهج من مخاطرة. فإذا رأت الدول النووية أنه لا حاجة لها في نظام يقيد قواها، فقد ينهار نظام المعاهدة الهش بالفعل برمته. ومن شأن هذا أن يترك فراغًا في النظام الدولي قد يصعب ملؤه. ورغم ذلك، فإني أعتقد أن مثل هذا النهج ضروري. فالبيئة الأمنية في العالم قائمة على القوة، والقلة القوية تشعر أنها ليست بحاجة للالتزام بنفس قواعد اللعب التي يلتزم بها الآخرون. وبالتالي فلن يغير الوضعَ الراهن سوى نهج مختلف جذريًا.

Round 2

الأخلاقية وإخفاقاتها

من منظور أخلاقي، يعد الدفاع عن الأسلحة النووية مسألة صعبة، لكن من منظور عملي، أرى أن الحجج الأخلاقية المؤيدة لنزع السلاح النووي بشكل كامل تنطوي على كثير من اللبس. فالداعون  لنزع السلاح النووي مثل زملائي على هذه المائدة المستديرة حسنو النية، لكن معالجتهم لقضية نزع السلاح تكشف عنموطنيّ ضعف خطيرين. الأول أن معالجتهم لا توضح كيف سيمكن الحفاظ على الأمن إذا تم التخلص من الأسلحة النووية. والثاني أنها لا تعترف بأن الانتشار النووي المتجدد سيمثل خطراً عظيماً للغاية حال تحقيق نزع السلاح الكامل في الحقيقة.

بشكل عام، يقترح الداعون لنزع السلاح النووي ،الذين يستحثون العالم للتوجه نحو الصفر العالمي، نهجاً ميكانيكياً للتعامل مع نزع السلاح يقوم على التخلص التدريجي من المخزونات النووية. لكن هل يمكن لمثل هذا النهج أن يؤدي فعلاً إلى الصفر؟ من السذاجة أن نفترض ذلك. أقولها ببساطة: إن الدول النووية تحتفظ بترساناتها لأنها تؤمن بأن الأسلحة النووية تخدم أمنها.وستواصل تلك الدول الاعتماد على الأسلحة النووية حتى تطور استراتيجيات أفضل لمعالجة التحديات الأمنية – ومثل هذه الاستراتيجيات لا تبدو ماثلة في الأفق في الوقت الحالي. وقد اعترف  لي بن" بذلك سلفاً في الجولة الثانية عندما كتب "إذا كانت الدول النووية تؤمن بأن أسلحتها مفيدة ومهمة وشرعية (رغم تعهداتها الواردة بالمعاهدة)، فلن تكون في عجلة شديدة للتخلص من ترساناتها النووية". ومن ثم فإن الحجج المؤيدة لنزع السلاح ستفتقد المصداقية طالما أنها تخفق في معالجة التحديات الأمنية واسعة النطاق التي يواجهها العالم، وتعجز –بعيداً عن الأخلاقية– عن تقديم أسباب مقنعة لصانعي السياسات حتى يتخلوا عن أسلحتهم النووية الرادعة.

لكن الأسلحة النووية لا توفر الأمن للدول النووية وحدها–سواءٌ راق لكم ذلك أم لا، فهي توفر الأمن للدول غير النووية أيضًا. وهذه نقطة أغفلها وائل الأسد، في مناقشات الجولة الثانية أيضًا، عندما طرح سؤاله البليغ "إذا كانت الأسلحة النووية تمنع سباقات التسلح، ألا ينبغي أن يكون لكل الدول ترساناتها النووية الخاصة بها؟" إجابة هذا السؤال هي: ليست كل الدول بحاجة للاحتفاظ بترسانات نووية طالما أن دولاً أخرى بعينها تحتفظ بها. وهذه هي الفكرة الكاملة وراء المظلة النووية لحلف شمال الأطلسى (الناتو)، وهي ذاتها الفكرة الكاملة وراء الردع الأمريكي الموسع.

خطر الصفر.لا يمكن وقف شطر الذرات أو منع اختراع الأسلحة النووية. وبالتالي، فإن الاعتقاد بإمكانية منع الدول المارقة من إعادة تقديم الأسلحة النووية إلى عالم تم إخلاؤه من الأسلحة النووية مغالطة خطيرة. والإخفاق في الاعتراف بهذه الحقيقة يبرز موطن الضعف الثاني الكبير لأخلاقيي نزع السلاح. ففي عالم "صفري"، ستكون دوافع التسلح النووي لأي دولة مارقة قويةً للغاية، لأنه لن يكون هناك حينئذ تهديد يردعهم–ناهيك عن التدمير المحقق للدولة والتخلص من قيادتها.

إن العيش في عالم كهذا، من منظور الأمن الدولي، سيمثل مقايضة صعبة، وهذا أقل ما يمكن أن يقال. لكن عندما يطرح دعاة نزع السلاح حججهم، لا أجدهم يتناولون في نقاشاتهم مقايضات مثل هذه.وكأن الأمر – كما يعتقدون – أنه بمجرد اختفاء الأسلحة النووية، سيصير العالم فجأة قادراً على ضبط نظامه وحفظ أمنه بشكل فعال. وهذا الافتراض خطير جدًا.

إن نظام حظر الانتشار قد ينهار بصورة كاملة مع امتلاك أول دولة مارقة أسلحةً نووية. واليوم يفتقد نظام منع الانتشار الشمولية– فلقد طورت دول مثل الهند وباكستان وإسرائيل، وهي أطراف غير موقعة على معاهدة حظر لانتشار النووي، روادع نووية. إلا أن النظام يظل فعالاً في تقييد الطموحات النووية لدول مثل إيران، ويعد قادراً بشكل عام على مقاومة عدم شموليته. في عالم لا يعتمد الأمن فيه على الأسلحة النووية، قد تتسبب حلقة واحدة من عدم الامتثال أو الالتزام في دفع دول كثيرة للبحث عن امتلاك روادع خاصة بها. وستكون النتيجة انهيار النظام وسلسلة متعاقبة من الانتشار. فهل يبدو عالم كهذا مكاناً يريد أيٌ منا العيش فيه؟

الأسلحة النووية لا تستطيع الحفاظ على الأمن

في الجولة الأولى، رأى سِنان أولجن أن الأسلحة النووية ردعت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي عن الاندفاع إلى صراع مباشر إبان الحرب الباردة. وانتهى أولجن إلى أن الأسلحة النووية قادرة على منع نشوب حروب مستقبلية أيضًا. ومع أن وائل الأسد عارض بالفعل العناصر التي قامت عليها حجة أولجن، تبقى لديّ أسبابي الخاصة – وهي قريبة من الأسباب التي ذكرها الأسد لكنها مختلفة – لتفنيد تصور أولجن بأنه لا بديل عن الأسلحة النووية للحفاظ على الأمن.

بدايةً، تاريخ الحرب الباردة لا يبرهن كثيراً على دور الاسلحة النووية كقوة استقرار.فرغم حقيقة محافظة الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتيعلى "سلام بارد" خلال الحرب الباردة،فإن هذا لا يعني بالضرورة صحة الاستنتاج بأن الأسلحة النووية هي سبب عدم نشوب صراع مباشر. كما لا يمكن الجزم بأن الدولتين كانتا ستخوضان حربًا مباشرة لو لم تمتلكا أسلحة نووية. لذا فإن فكرة كوْن الأسلحة النووية العامل الرئيس وراءالسلام البارد يمكن أن تكون مجرد فرضية. ووفقًا لنظرية تسمى مفارقة الاستقرار/عدم الاستقرار، فإن وجود الأسلحة النووية ربما يزيد احتمالية نشوب حروب تقليدية. بمعنى أنه إذا شعرت الدول بأنها في مأمن من الانتقام الاستراتيجي بسبب ترساناتها النووية، فقد يغريها ذلك بخوض حروب بالوكالة أو شن عدوان تدريجي، في حين أنها لم تكن لتفعل ذلك حال عدم وجود الأسلحة النووية.

لكن بخلاف ذلك، يمكن أن تتسبب الأسلحة النووية بسهولة في خلق معضلة أمنية تقليدية– بأن تُنشئ وضعًا تري فيه دولةٌ ما جهود دولة أخرى لتحسين أمنها على أنها تهديد، ما يؤدي إلى تصاعد التوتر بينهما وربما الحرب. ومما لا شك فيه، أن الدول تنظر إلى أسلحتها النووية بطريقة تختلف عن تلك التي تنظر بها إلى أسلحة منافساتها: فأسلحتها، أو أسلحة حلفائها، أدوات للحفاظ على الأمن القومي، أما أسلحة منافساتها فتهديدات أمنية. ورغم تصوير الدول النووية استراتيجياتها النووية على أنها استراتيجيات ردع، فإن ذلك لا يُجدي شيئاً في القضاء على القدرة العدوانية المحتملة للأسلحة أو التخفيف من قلق الدول الأخرى حيال هذا الخطر الكامن. باختصار شديد، هذا هو الوضع الذي انطبق على العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة، وهو نفسه الوضع الذي ينطبق اليوم على ما يحدث فوق شبه الجزيرة الكورية (حتى مع عدم امتلاك كوريا الجنوبية أسلحة نووية).

وحتى لو قبل المرء بالرأي القائل بأن الأسلحة النووية كان لها بعض التأثير في فرض الاستقرار في الماضي، فإن الانتشار النووي يحمل في طياته مخاطر كامنة هائلة لإحداث اضطرابفي المستقبل. وإذا لم يتم القضاء على الأسلحة النووية، ستمتلك المزيد والمزيد من الدول أسلحة نووية بمرور الوقت. وستواجه بعض الدول صعوبة شديدة في اتخاذ قرارات سوية عندما يتعلق الأمر بالاستقرار الاستراتيجي – لن تكون هذه الدول قادرة على التمييز بين الصراعات التقليدية التي يمكن إداراتها، والمواقف اليائسة التي قد تدفع إلى النظر في استخدام أسلحة نووية. وقد تتصاعد النزاعات الصغرى إلى تبادل الرد بالأسلحة النووية. إضافة إلى ذلك، ومع تورط المزيد والمزيد من اللاعبين، سيصبح التأشير النووي أكثر تعقيداً. كما ستزيد احتمالية حدوث حالات سوء تفاهم وحسابات خاطئة. ولا سبيل إلى تفادي هذه المخاطر سوى القضاء على الأسلحة النووية.

خطوة بخطوة. في كلا مقاليه اللذين نشرا حتى الآن، شكك الأسد في تعهدات الدول النووية بشأن نزع السلاح. صراحة، يبدو معقولاً جداً بأن تتردد هذه الدول في نزع سلاحها بالكامل. فإذا كانت الدول النووية تعتقد أن أسلحتها مفيدة ومهمة وشرعية (رغم تعهداتها الواردة بالمعاهدة)، فلن تكون في عجلة شديدة للتخلص من ترساناتها النووية. لكن عملية نزع التسلح النووي قد تسير بصورة أكثر فعالية إذا استفادت من دروس خطوات نزع الأسلحة الكيماوية، وهو ما أشار إليه الأسد في الجولة الثانية.

لقد حظر بروتوكول جنيف الصادر عام 1952 استخدام الأسلحة الكيماوية (والبيولوجية). لكن دولاً كثيرة من التي انضمت للمعاهدة احتفظت بحق الرد بالأسلحة الكيماوية ضد أي هجوم كيماوي. ومن ثمَ فقد بدأ نزع السلاح الكيماوي اساساً بتعهد عدم البدء باستخدامه. ثم انتقل إلى مرحلة نزع شرعية الأسلحة الكيماوية، ثم خفض قيمتها، لينتهي الأمر بعد ذلك بالنزع الكامل، وهي عملية باتت شبه مكتملة اليوم. لذا، قد يكون وضع قيود على استخدام السلاح النووي أكثر جدوى من التركيز على أعداده المطلقة.

أربعة عقود من المفاوضات التمهيدية: كفى

خلال نقاشات الجولة الأولى، قدم زميلايّ "لي بن" و "سِنان أولجن" رؤيتين متناقضتين تمامًا حول نزع السلاح. فقد ذهب "أولجن" إلى أن نزع السلاح الكامل هدفٌ غير عملي وأن الردع النووي أثبت جدواه الهائلة في الحفاظ على الأمن. ورأى "أولجن" أن الردع منع نشوب حروب واسعة النطاق وأوقف سباقات التسلح بالأسلحة التقليدية لعقود. أما "لي" فقد رأى أن تخفيض المخزونات النووية إلى مستوى يوافق الحد الأدنى من الردع قد يكون بمثابة تقدم مشجع نحو "الصفر" –طالما أن مثل هذا النهج يمثل خطوة وسيطة نحو نزع السلاح الكامل.

إنني أميل إلى رأي "لي" أكثر من رأي "أولجن" –لكن يبدو أن هؤلاء الذين يقبلون بالتخفيضات التدريجية كنقطة عبور إلى نزع السلاح الكامل يصدقون أن الدول النووية جادة بالفعل في نزع أسلحتها. أما أنا فلا أصدق أنهم جادون في ذلك. فقد انقضت أكثر من أربعة عقود منذ أن ألزمت الدول النووية نفسها ببدء مفاوضات حسنة النية بشأن نزع السلاح النووي. وبطريقة أو بأخرى، لا تزال هذه الدول في مرحلة المفاوضات التمهيدية. وفي كل مرة يُطلب منها أن تفي بالتزاماتها المتعلقة بنزع السلاح، تَدعي أن عوائق أمنية وتقنية وسياسية تمنعها من تنفيذ ذلك. هناك شيء دائما يقف في الطريق –إما مشاكل متعلقة بالتحقق، أو إدراك لتهديدات، أو "الخوف من" فاعلين من غير الدول. لكن هل هناك من سبيل آخر، غير المفاوضات الجادة،  للتغلب على مثل هذه العقبات؟ وإذا كان العالم يستطيع تقريبًا التخلص من الأسلحة الكيماوية –رغم تعقّد المشروع بسبب نفس العوائق المذكورة –فلماذا لا يستطيع فعل ذلك مع الأسلحة النووية؟   

لقد أظهرت الدول النووية مرةً تلو الأخرى افتقادها الإرادة السياسية لمواصلة المفاوضات الجادة بشأن نزع السلاح. وهذا ما دعاني إلى أن أقترح على مضض في مناقشات الجولة الأولى مجموعةً من الخطوات الصارمة لتمكين الدول غير النووية من الضغط على نظيراتها النووية. لا شك أنه ينبغي على الدول غير النووية أن تدعم المبادرة الحالية الهادفة إلى إعلان عدم شرعية استخدام الأسلحة النووية لإعتبارات إنسانية – لكن إذا فشل هذا النهج، فليس هناك من سبيل لإجبار الدول النووية على احترام تعهداتها سوى فرض إجراءات صارمة.

أما بالنسبة لما طرحه أولجن من أن الردع النووي والتشديد على الاستقرار الاستراتيجي أثبتا جدواهما، فإني أعتبر هذا الطرح خطيرًا ومزعجًا. فإذا كان الردع النووي قد وفر الأمن، حسبما يرى، فقد كان هذا فقط لتلك الدول القليلة التي تمتلك أسلحة نووية –لذا ألا ينبغي للدول الأخرى أن تقوي أمنها بامتلاك أسلحة للردع النووي؟ وإذا كانت الأسلحة النووية تمنع سباقات التسلح، ألا ينبغي أن يكون لكل الدول ترساناتها النووية الخاصة بها؟ وبالتالي، كلما زادت الأسلحة النووية، كان العالم أكثر أمنًا !

وفقًا لمنطق أولجن أيضًا، تعد الأسلحة النووية صاحبة الفضل في عدم نشوب حروب واسعة النطاق خلال العقود الأخيرة. لكن لماذا لا نعكس هذا المنطق –لماذا لا يكون الاستنتاج أن الأسلحة النووية لم تُستخدم منذ عام 1945 بسبب عدم وقوع حروب واسعة النطاق؟ لماذا لا ننسب إلى ذكرى الحرب العالمية الثانية الحديثة نسبيًا السبب في منع حدوث صراعات أخرى بمثل هذا النطاق؟

لكن البشرية، من ناحية أخرى، تنسى تاريخها المروع بمرور الوقت –بل وتميل إلى تكراره. وفي الوقت ذاته، تؤدي فكرة مساهمة الأسلحة النووية في الحفاظ على الأمن إلى تمييع تعهدات الدول النووية بنزع السلاح، وتُحول نظام حظر الانتشار النووي بأكمله إلى نظام بالٍ وعتيق.

Round 3

نقطة التقاء الأخلاق والواقع

انتقدني سنان أولجن وانتقد معي "لي بن"  لتبنّي كلينا نهجاً "أخلاقياً" في التعاطي مع قضية نزع الأسلحة. وطرح الرجل آراءه على أنها أكثر واقعية من آرائنا. ولكن عندما دعوتُ أنا و"لي بن" إلى النزع الكامل للأسلحة، كان المقصد الرئيس معالجة التصورات للتهديدات الحقيقية، وحل المشكلات الأمنية في العالم الواقعي. وإذا تبين أن تأييد نزع الأسلحة هو الموقف الصحيح أخلاقياً، فأين التناقض الجوهري بين المواقف الأخلاقية والمواقف الواقعية؟        

أستطيع تحديد عدة لحظات في هذه الطاولة المستديرة توافقت فيها آرائي (وكذلك آراء "لي") "الأخلاقية" مع أولويات الأمن العالمي بصورة أفضل من آراء أولجن التي يفترض أنها واقعية. أولاً، يقول أولجن إنه في ظل امتلاك دول قليلة للأسلحة النووية، بات العالم اليوم أكثر أماناً مما يمكن أن يكون عليه حال عدم وجود أسلحة نووية. لكن إذا كان هذا صحيحاً، فلماذا انضمت الدول النووية إلى معاهدة حظر الانتشار النووي كبداية؟ هل انضمت بسذاجة لاتفاقيةٍ من شأنها أن تجعل العالم أقل أماناً؟ بالطبع هذا أمر مستبعد. لكن هناك تفسيرٌ أكثر إقناعاً وهو أن هذه الدول أعطت تعهدات خادعة (رغم أنها ملزمة قانونياً) بنزع الأسلحة وذلك بهدف الحفاظ على احتكارها للأسلحة النووية. بيد أن شرطًا أساسياً لتحقيق نظام دولي آمن هو أن تستطيع الدول أن تثق ببعضها في احترام تعهداتها (أو أن تستطيع الوثوق بفرض آليات إنفاذ قابلة للتطبيق عند عدم الوفاء بتلك التعهدات). غير أن الثقة التي يتطلبها النظام الدولي تتآكل حالياً فيما يتعلق بالأسلحة النووية. وقد يهدد انهيار الثقة الأمنَ الدولي، بل والنظام الدولي نفسه في النهاية. وفي ظل ظروف كهذه، هل يكون الإصرار على نزع الأسلحة بشكل عام مجرد موقف أخلاقي ولا يمت للواقعية بصلة؟

ثانياً، يعارض أولجن النزع التام للأسلحة النووية بالإشارة إلى أن الأسلحة النووية توفر الأمان للدول غير النووية من خلال مظلة حلف الناتو النووية والردع الأمريكي الممتد. لكن، حتى لو نحينا جانباً عدم شرعية مد مظلة نووية لمجموعة من الدول غير النووية الأعضاء بالمعاهدة، ينظر كثير من أطراف معاهدة حظر الانتشار النووي إلى الردع الممتد ومظلة الناتو النووية على أنهما مصدران لمخاوف أمنية شديدة. وتكمن المشكلة هنا في أن الردع الممتد أوجد فئة ثالثة من أطراف المعاهدة. فبالإضافة إلى الدول النووية، بات هناك نوعان من الدول غير النووية –دول تحصل على فوائد الردع النوي، وأخرى محرومة من تلك المزايا. وهذه الفئة الأخيرة من الدول هي التي أشرت إليها في الجولة الثانية عندما قلت بأنه إذا كانت الأسلحة النووية توفر الأمان للدول التي تمتلكها، "ألا ينبغي للدول الأخرى أن تقوي أمنها بامتلاك أسلحة للردع النووي؟" ولو فعلت ذلك، ستكون التداعيات الأمنية أمراً واقعاً إلى حد كبير.

ثالثاً، يذكر أولجن أنه "في عالم "صفري"، ستكون دوافع التسلح النووي لأي دولة مارقة قويةً للغاية، لأنه لن يكون هناك حينئذ تهديد يردعهم –ناهيك من التدمير المحقق للدولة والتخلص من قيادتها" . يعتقد أولجن في الحقيقة أن نزع الأسلحة ونظام حظر الانتشار قد ينهارا عند امتلاك أول "دولة مارقة" السلاح النووي. وعبارة "دولة مارقة" هي عبارة غير موضوعية وتصنيف متحيز، فضلاً عن كونها تذكير بغيض بعهد جورج دبليو بوش. لكن إضافةً إلى ذلك، هناك دولة نووية لطالما اعتبرت "مارقة" نجحت في امتلاك السلاح النووي –وهي كوريا الشمالية. فهل تقوض نظام حظر الانتشار كنتيجة لذلك؟ لا، لم يتقوض، لذا لا أدري أي دروس يمكن استخلاصها من مثال واحد للانتشار النووي.

على الجانب الآخر، فإن امتلاك إسرائيل الأسلحة النووية يتسبب في استمرار تآكل مصداقية نزع الأسلحة ونظام حظر الانتشار في عقول كثير من صانعي السياسات في الشرق الأوسط. فدول هذه المنطقة تنظر إلى قدرة إسرائيل النووية على أنها تهديد مباشر لأمنها، وبدأت في التشكيك في الحكمة من قرارات الانضمام إلى المعاهدة التي اتخذتها قديماً. وإذا انسحبت دول المنطقة من المعاهدة، ستكون التداعيات الأمنية خطيرة بالفعل. والطريقة العملية الوحيدة للحيلولة دون حدوث هذه النتيجة على المدى الطويل هي نزع الأسلحة بشكل عام. مرةً أخرى، لقد طرحتُ أنا و"لي" حججنا المؤيدة لـ"الصفر النووي" على أساس التصورات للتهديدات الفعلية والمخاوف الأمنية. قد يكون نزع الأسلحة أمراً أخلاقياً–لكن هذا بعيد عن كونه المقصد الوحيد. 

القضاء على الأسلحة النووية؟ لا ــ بل عدم المبادرة باستخدامها

في مقاله الأخير، يذكر "لي بن " أن نزع الشرعية عن الأسلحة النووية يمثل بديلاً واعداً لمبادرات نزع الأسلحة، معللاً ذلك بأن تركيز هذه المبادرات على التحكم في الأعداد قد ينتهي بها إلى الفشل . حقيقةً لا أتفق معه على أن القيود العددية على الترسانات سيكون مصيرها الفشل خاصةً إذا كان هدف نزع الأسلحة، كما أشرتُ آنفَا في الجولة الأولى، الاقتراب من "الصفر " لا الوصول إليه .

استشهد "لي " بمعاهدة واشنطن البحرية الفاشلة التي وُقعَت عام 1922 لتدعيم وجهة نظره بشأن القيود العددية . فقد فرضت هذه المعاهدة قيوداً على عدد وحجم السفن الحربية التي يمكن للدول أن تحتفظ بها ضمن أساطيلها، لكنها انهارت في ثلاثينيات القرن الماضي . ويشير "لي " إلى أن المعاهدة انهارت بسبب أن "تقييد أعداد السفن الحربية لم يغير مواقف الدول من السفن الحربية " ، وهو ما لا أوافقه عليه . فالسبب الحقيقي لفشل المعاهدة هو افتقارها إلى آلية تنفيذ ملائمة . أما نزع الأسلحة ونظام حظر الانتشار فلم يكونا سببين جوهريين لفشلها . وإذا نظرنا إلى معاهدة منع الانتشار النووي، والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأخيرا مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، سنجد أن هذه الكيانات توفر للنظام دعائم مؤسساتية لتقويته وتفعيله، ولهذا السبب تمكنت أنظمة هذه الكيانات من البقاء والصمود لعقود عدة في مواجهة تحديات كثيرة . وبمشاركة هذه المؤسسات، يكون تقييد حجم الترسانات النووية على أساس متعدد الأطراف اقتراحاً قابلاً للتطبيق فعلاً (لكن قد يتطلب ذلك أيضاً قانون شفافية يتيح للدول النووية مراقبة بعضها فيما يتعلق بالالتزام بالاتفاقيات .(

ما زلت أؤمن بأن القضاء التام على الأسلحة النووية هدفٌ بعيد الاحتمال، نظراً لطبيعة التهديدات الأمنية في العالم، وسمة البُنى الأمنية الراسخة على المستويين العالمي والإقليمي . لكن هناك شيء تحقيقه وهو : التزام عالمي من جانب الدول النووية بعدم المبادرة باستخدام هذه الأسلحة، وهي السياسة التي تتبعها الصين اليوم . كما يوجد تعهد أميركي بعدم المبادرة باستخدام الأسلحة ضد الدول غير النووية الموقعة على معاهدة حظر الانتشار النووي والمحافظة على التزامات حظر الانتشار وإن كانت واشنطن تضع قيوداً على هذا الالتزام . أما روسيا فلا تتبنى سياسة تنص على عدم المبادرة باستخدام الأسلحة النووية . إذاً نحن أمام صورة معقدة، وبالتالي فإن إقناع كل الدول النووية بتبني سياسات عدم المبادرة باستخدام الأسلحة قد ينطوي على تحديات . لكن في النهاية، ورغم كل ذلك، فإن الهدف قابل للتحقيق . ولو تبنت كل دولة نووية سياسةً غير مشروطة بعدم المبادرة باستخدام الأسلحة، ستقل مخاطرة الحرب النووية بصورة كبيرة

لقد كان العالم على شفا حرب نووية إبان أزمة الصواريخ الكوبية، لكن هذا كان منذ أكثر من خمسين عاماً . ولم تُستخدم الأسلحة النووية في أي صراع منذ عام 1945. وبالوصول إلى الوقت الذي نعيشه الآن، يوحي السجل التاريخي بأن الدول قد تعلمت كيف تتحكم في هذه الأسلحة الرهيبة . فقد كيّفت مفاهيمها الأمنية لتتوافق مع أوجه واقع العصر النووي، أولاً بتطوير عقيدة الردع النووي، ثم الردع الممتد . قد لا يكون النظام القائم مستحباً إذ لا يزال هناك شيء من مخاطرة نشوب حرب نووية لكن النظام أثبت كفاءته في التعامل مع الواقع . ومع اقتراب هذه الطاولة المستديرة من نهايتها، أظل غيرمقتنع بالحجج التي ساقها زميلاي والتي تحاول إثبات أن القضاء على الأسلحة النووية من شأنه أن يخلق عالماً أكثر أماناً من الموجود اليوم . إن القضاء على الأسلحة النووية هدفٌ محمود من عدة أوجه، لكن المشكلة تكمن في عدم وجود طريقة واقعية لإنجازه أو طريقة لضمان بقائنا آمنين حال تحقيق هذا الهدف .

الطريق العملي نحو نزع السلاح

في مقاله الثاني، ذكر سنان أولجن أنني ووائل الاسد نُظهر نهجاً أخلاقياً في التعامل مع قضية نزع السلاح النووي. وقال إننا ندعو لعالم خالٍ من الأسلحة النووية، إلا أننا نخفق في تقديم طرق عملية محددة للحفاظ على الأمن ومنع الانتشار النووي في عالمٍ لا يبقى فيه للأسلحة النووية وجود. ويعيب أولجن على كليْنا في الأساس تبني نهج معياري في التعاطي مع قضية الأسلحة النووية –بوصف الكيفية التي ينبغي أن يكون عليها العالم، على أساس قيمنا –بدلاً من تبني نهج إيجابي–بأن نصف كيف هو العالم، على أساس الدليل التجريبي أو العملي.    

أعتقد أنه من الإنصاف أن نقول أن كل الكتاب في هذه المائدة المستديرة قدموا حججاً معيارية وإيجابية. فجميعهم فعلاً يتبنى نهجًا معياريًا في التعامل مع قضية الأمن بافتراض أن الأمن مسألة مهمة. لكن كلمة "الأمن" تختلف دلالاتها باختلاف رؤية الأشخاص لها. فالبنسبة لأولجن، تعد كلمة "الأمن" مرادفة لمفهوم "الأمن القومي". وعند الأسد، ينصب التأكيد على الأمن العالمي، مع مراعاة العدالة في طريقة أداء الدول مسؤولياتها المتعلقة بنزع السلاح ومنع الانتشار.  أما استخدامي للكلمة فيميل إلى التأكيد على فكرة أن قضايا الأمن يجب أن تُدار بطريقة تتحاشى إشكاليات الأمن. وأنا شخصيًا لا أرى أن إيماني بالرغبة في نزع السلاح النووي بشكل كامل وإمكانية تحقيق هذا الهدف أمرٌ معياري. بل إن آرائي بشأن نزع السلاح تنبع من نهجي في التعامل مع قضية الأمن، الذي ينطوي حتماً على عنصر معياري.  

ورغم انطلاقي أنا وأولجن من مبدأ معياري وهو وجوب الحفاظ على الأمن الدولي، هناك خلاف بيننا حول ثلاث نقاط إيجابية. الأولى هي: ما إذا كانت الأسلحة النووية ذات فائدة في الحفاظ على الأمن الدولي. وقد خصص كثيرٌ من مناقشات هذه المائدة المستديرة لآرائنا المتباينة حول هذه المسألة. النقطة الثانية هي: ما إذا كانت الترسانات النووية تسهم في منع الانتشار النووي، وهو ما يؤيده أولجن وأرفضه –كما ذكرت في الجولة الأولى، فإن التحقق من الانصياع لنظام حظر الانتشار قد يكون أكثر فعالية وتأثيراً، من منظورسياسي وتقني، حال اختفاء الأسلحة النووية من الوجود. أما ثالث النقاط الخلافية فهي: ما إذا كان يوجد طريق عملي نحو النزع الكامل للسلاح النووي. يتصور أولجن أن الدول المسلحة نووياً لن تنزع سلاحها بصورة كاملة لأنها تُعوّل كثيراً على دور الأسلحة النووية في الأمن. لكنى أعتقد أن هذه الدول يمكن أن تصبح مستعدة لنزع سلاحها بمرور الوقت. إلا أن مثل هذا التغيير يتطلب ظهور مواقف جديدة إزاء تقبل الأسلحة النووية وفعاليتها. وهذا بالتالي يتطلب أن تغير حركة نزع السلاح بؤرة تركيز جهودها.     

على مدار عقود، ظل تركيز نزع السلاح النووي منصباً على إجراء تخفيضات في الترسانات النووية وفرض قيود عددية عليها. لكن هذا كان النهج ذاته الذي قامت عليه معاهدة واشنطن البحرية الفاشلة التي وُقعت عام 1922، والتي قيدت عدد وحجم السفن الحربية التي كانت تنشرها الدول، لكنها لم تفعل شيئاً لتغيير فكرة أن السفن الحربية كانت أسلحة نافعة وشرعية. وبينما كانت الاتفاقية مطروحة للتفاوض، أحصت القوى البحرية الرئيسة حاجتها الكمية من السفن الحربية بناءً على حجم الأساطيل المنافسة. وكانت النتيجة المتوقعة ظهور سباق تسلح بحري أكثر حدة بحلول منتصف القرن التالي. وانهارت المعاهدة – نظراً لأن مراقبة أعداد السفن الحربية لم يغير مواقف الدول منها. وينطبق نفس المبدأ على نزع السلاح النووي.  فالتركيز على عمليات مراقبة الأعداد دون التركيز على المواقف الأساسية سيجعل هدف "الصفر" بعيد المنال.  

وكما أسلفتُ في الجولة الثانية، فإن تاريخ نزع الأسلحة الكيماوية يُظهر نهجاً أكثر تبشيراً. فقد حظر بروتوكول جنيف عام 1925 على الموقعين عليه استخدام الأسلحة الكيماوية (أو استخدامها للرد في بعض الحالات). وأسهم البروتوكول في إرساء فكرة أن التكاليف ستفوق الفوائد لأي دولة تستخدم الأسلحة الكيماوية. ومن ثم أصبح استخدام الأسلحة الكيماوية أقل احتمالاً، وانخفضت قيمة تلك الأسلحة انخفاضاً حاداً، وأضحت الدول أكثر استعداداً للتخلي عن أسلحتها. واليوم دخلت عملية نزع السلاح الكيماوي مراحلها النهائية.

إن تاريخ نزع السلاح الكيماوي يوحي بشيئين هما: أن الرؤى حول الأسلحة متغيرة، وأن حظر الأسلحة طريقة جيدة لخفض قيمتها. لذا ينبغي أن تكون أولوية مجتمع نزع السلاح النووي الآن هي نزع شرعية استخدام الأسلحة النووية والعمل على حفض قيمتها في أعين صانعي القرار الوطنيين. وإذا ترسخت حقاً فكرة أن أضرار الأسلحة النووية تفوق منافعها، سيكون لهدف القضاء على الأسلحة النووية فرصة حقيقة لأن يصير واقعاً ملموسا.



Topics: Nuclear Weapons

 

Share: 

RELATED POSTS

Receive Email
Updates