تحديث الترسانات النووية: الخيار والكيفية

من المتوقع أن تنفق الولايات المتحدة 355 مليار دولار لتحديث ترسانتها النووية خلال الفترة ما بين 2014 و 2023. ومن المتصّور أن يتم إنفاق مبالغ أكبر في العقود اللاحقة. لكن واشنطن ليست وحدها فيما يتعلق بتحديث أسلحتها النووية. فوفقا لباحثين في اتحاد العلماء الأمريكيين، فإن "جميع الدول المسلحة نوويا لديها برامج طموحة لتحديث أسلحتها النووية ... والتي يبدو أنها تهدف إلى إطالة العصر النووي لأجل غير مسمى". وبينما يؤمن دعاة نزع السلاح بأن هذا التحديث يتعارض أساسا مع الهدف الرامي إلى القضاء على الأسلحة النووية— تجادل الدول الحائزة للأسلحة النووية بأنه ما دامت توجد أسلحة نووية، فلا بد من تحديث هذه الترسانات من أجل الحفاظ على سلامتها وأمنها وفعاليتها. إذاً كيف ينبغي أن تتصرف الدول المسلحة نوويا إزاء صيانة وتحديث ترساناتها، في عالم أصبح فيه نزع السلاح الكامل هو الهدف المعلن لكل الدول تقريبا بينما لا يبدو تحقيق نزع السلاح وشيكا على الإطلاق؟

Round 1

تحقيق التوازن بين التحديث ونزع السلاح

يشاهد المرء اتجاهين متنافسين سائدين في مجال الحد من الأسلحة النووية ونزع السلاح: طموح في جهات عديدة للقضاء على الأسلحة النووية ورغبة فعلية بين الدول الحائزة للأسلحة النووية لتحديث ترساناتها. إذن ما نوع التوازن الذي يمكن تحقيقه بين هذه القوى؟

تشعر القوى النووية بالحاجة إلى تحديث ترساناتها لثلاثة أسباب رئيسية. أولا، إنها لا تزال تعتبر الأسلحة النووية ضرورية في ظل البيئة الأمنية الدولية الحالية، وذلك لغرض الردع في الأساس. ثانيا، لا تزال الأسلحة النووية تلعب دورا هاما جدا في الحفاظ على الاستقرار الاستراتيجي العالمي. ثالثا، طالما وجدت الترسانات النووية، فالتحديث أمر ضروري من أجل الحفاظ على سلامة الأسلحة وفعاليتها.

في الوقت نفسه، يجادل دعاة نزع السلاح بأنه يجب حظر الأسلحة النووية وتدمير الترسانات النووية بسبب العواقب الكارثية التي ستحل بالجنس البشري إذا تم استخدام هذه الأسلحة. وتقر الدول الحائزة للأسلحة النووية بأنفسها بأنه يجب القضاء على الأسلحة النووية في نهاية المطاف، حتى مع تأكيدها على ضرورة تحديث ترساناتها. على سبيل المثال، أطلقت إدارة أوباما في عام 2009 مبادرة قوية نحو تحقيق عالم خال من الأسلحة النووية.

 لكن الاستثمار الأمريكي الهائل الحالي في التحديث النووي يبدو متعارضا مع هدف نزع السلاح النووي. فمن المتوقع أن تنفق الولايات المتحدة 355 مليار دولار على تحديث ترسانتها خلال الفترة بين أعوام 2014 و 2023. وسيتم تعويض التخفيضات المتصورة في الرؤوس الحربية الأمريكية بموجب المعاهدة الجديدة للحد من الأسلحة الاستراتيجية (ستارت الجديدة) من خلال إدخال تحسينات نوعية على ترسانة الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، تشكل الضربة العالمية الفورية وبرامج الدفاع ضد الصواريخ البالستية التي تقوم بها واشنطن تحديات جديدة للاستقرار الاستراتيجي.
 
تشعر الصين أيضا بالحاجة إلى تحديث قواتها النووية— من أجل تعزيز بقاء حد أدنى معقول من الردع النووي والحفاظ عليه. وهذه هي الأهداف الوحيدة للصين فيما يتعلق بتحديث أسلحتها النووية. إن الصين هي الدولة الوحيدة، من بين الدول الحائزة للأسلحة النووية الخمس المعترف بها، التي التزمت بسياسة عدم الاستخدام الأول دون شروط. وقد وضعت هذه السياسة بشكل مستمر قيودا على تطوير القوة النووية الصينية (والتي لم تمثل مطلقا، وبأي حال، أولوية لبكين في مسيرة تحديثها العسكري). إن الصين تدعو باستمرار لعالم خال من الأسلحة النووية. ولم تشارك قط في سباق التسلح النووي. كما لم تنشر قط أسلحة نووية في أراضي أي دولة أخرى.

وللأسف، فإن معظم الدول المسلحة نوويا— بما في ذلك الولايات المتحدة— لا تزال تعطي الأسلحة النووية دورا هاما جدا في استراتيجياتها لحماية الأمن. فقد قررت واشنطن، في أحدث تقرير لمراجعة وضعها النووي، ألا تنيط بعض المهام الهامشية أو غير الواقعية للأسلحة النووية، لكنها لم تقم بإجراء أية تغييرات جوهرية على دور الأسلحة النووية الأمريكية أو استراتيجية الحرب نووية. وطالما أن الأسلحة النووية تلعب مثل هذا الدور الحاسم في استراتيجية الولايات المتحدة، وطالما أن الولايات المتحدة تحتفظ برغبتها في الأمن المطلق، فلن تقوم واشنطن بتقليل ترسانتها النووية إلى مستويات منخفضة نسبيا أو بإجراء تغييرات جذرية لبرنامجها الحالي للتحديث. وينطبق الأمر نفسه تقريبا على روسيا.

لذلك، فإن الدول المسلحة نوويا تعتبر التحديث أمرا لا غنى عنه، لكن تحقيق مزيد من التقدم في نزع السلاح يبدو مستحيلا طالما استمرت برامج التحديث على نحو سريع. إذن ما هو السبيل للخروج من هذا المأزق؟ يكمن الحل في تعديل الاستراتيجيات الوطنية بحيث يكون هناك تركيز أقل على دور الأسلحة النووية— وذلك لأن الاستراتيجيات النووية الوطنية تحدد اتجاه البرامج النووية.
 
إذا قامت الولايات المتحدة وروسيا بتغيير استراتيجياتهما النووية بشكل ملحوظ، فسيصبح من الممكن إجراء مزيد من التخفيضات الكبيرة في ترساناتهما. وإذا تم تخفض ترسانتي الدولتين، سيتم تشجيع الدول الأخرى للنظر في الكيفية والوقت المناسب لمشاركتها في عمليات نزع السلاح متعددة الأطراف. لكن هذه العمليات متعددة الأطراف لن تكون مهمة سهلة— كما يتضح من تاريخ مفاوضات نزع السلاح بين الولايات المتحدة وروسيا، وحتى العمليات الثنائية هى أيضا صعبة للغاية. ومع ذلك، يمكن أن يمثل أي تقدم إضافي من جانب الولايات المتحدة وروسيا مصدر إلهام للدول الأخرى المسلحة نوويا.

لكن ثمة عقبة أخرى— فقدرات أنظمة الدفاع الصاروخي والضربة العالمية الفورية تشكل تهديدا خطيرا للاستقرار الاستراتيجي ونزع السلاح. لم تفرض معاهدة ستارت الجديدة أية قيود على تطوير الدفاع الصاروخي الباليستي أو على الأسلحة التقليدية المتقدمة، إذ يمكن أن تؤدي التطورات في أي من هاتين التقنيتين إلى سباق جديد للتسلح النووي. ونتيجة لذلك، هناك حاجة للتعقل فيما يتعلق بتطوير ونشر مثل هذه الأنظمة. (ستارت الجديدة، بالمناسبة، تتيح للولايات المتحدة قدرة "تحميل" نووية قوية. أى أن الولايات المتحدة تحتفظ بمساحة واسعة فيما يتعلق بالصواريخ المنتشرة تسمح لها بإعادة نشر رؤوس حربية بدلا من التي أخرجتها من الخدمة. (في المقابل، لا تملك روسيا سوى القليل من قدرات التحميل).

لا يبدو القضاء على الأسلحة النووية ممكنا في هذه المرحلة. كما أن تحديث الترسانات النووية سوف يمضي قدما بالتأكيد. لكن من الممكن— ومن المهم للغاية— تحقيق توازن بين التحديث ونزع السلاح. في إطار هذا النهج، سيتم تعديل الاستراتيجية النووية بحيث ينظر إلى الأسلحة النووية بأنها تمثل أهمية أقل في مجال الأمن الوطني. وبذلك سوف تختفي تدريجيا الأسباب الفعلية لامتلاك أسلحة نووية. وسوف يتم تشجيع جميع الدول المسلحة نوويا لخفض ترساناتها. لكن يجب على الولايات المتحدة وروسيا، القوتين النوويتين العظمتين، أخذ زمام المبادرة وبناء حالة من الثقة وأن تكونا مثالا يحتذى للدول الأخرى.

لمَ يعد التحديث النووي الأمريكي ضروريا

لقد كان حلم طفولتي أن أصبح نجما في الرابطة الوطنية لكرة السلة. لكن طولي يبلغ ستة أقدام وبوصة واحدة فقط، وأنا في أواخر العقد الثالث من العمر، ولم ألعب مباريات كرة سلة تنافسية منذ أكثر من 15 عاما. إن فرصي في اللعب على المستوى المهني هي صفر بالأساس. قد يجادل البعض بأنه إذا كان عندي بقية أمل في تحقيق رغبة فترة الصبا، فيجب أن أقضي أيامي في التدرب على سباقات الجري السريع وممارسة الرميات الحرة. لكن هذا المسار سوف يرفع فرصي من لا شيء إلى نسب ضئيلة للغاية، وبالتأكيد سيصرفني عن واجباتي كأستاذ وباحث ومحلل. وفي النهاية، فالأمر ببساطة لا يستحق تدمير الحياة التي أملكها من أجل مطاردة الوهم.

يمكننا قول الشيء نفسه إزاء خيارات الولايات المتحدة المتعلقة بوضعها النووي. ستقوم الولايات المتحدة خلال العقد المقبل وما بعده، بتحديث ضروري لقدراتها النووية المتقادمة، حيث تتمتع هذه الخطط بدعم قوي من كلا الحزبين. إلا أن بعض النقاد يجادلون بأن مشروع التحديث يتعارض مع أهداف نزع السلاح المعلنة، بما في ذلك رؤية الرئيس أوباما بشأن تحقيق "عالم خالٍ من الأسلحة النووية".

لكن الحقيقة هى أن العالم يتسم بمنافسة أمنية شديدة وصراع مباشر أحيانا. وبالرغم من أن بعض المراقبين كان يأمل أن نهاية الحرب الباردة ستضع نهاية لتاريخ (الصراعات)، عاد الخلاف السياسي بين القوى العظمى في السنوات الأخيرة. إذ تقوم روسيا باستخدام القوة لإعادة رسم خريطة أوروبا. بينما تتمسك الصين بمطالبها الإقليمية المعدّلة في شرق آسيا. وقد سمحت الهيمنة العسكرية التقليدية للولايات المتحدة، خلال العقدين الماضيين، بالتقليل من أهمية أسلحتها النووية، لكن ميزة هذه الهيمنة الأمريكية التقليدية بدأت تتآكل وذلك بسبب قيام روسيا والصين، بصفة خاصة، بتطوير قدراتهما العسكرية غير النووية. علاوة على ذلك، لا تزال الأسلحة النووية هى الأداة النهائية للقوة العسكرية— ويقوم الخصوم المحتملين لواشنطن، بما في ذلك روسيا والصين وكوريا الشمالية، بتحديث ترساناتهم النووية بقصد استخدام تلك الأسلحة في حالة نشوب نزاع مع الولايات المتحدة.

هذا هو الواقع. ومع ذلك، يجادل البعض بأن تحقيق الأمل المرجو المتعلق بالنزع الكامل للسلاح النووي يتطلب أن تقوم الولايات المتحدة بتخيفض ترسانتها والامتناع عن تحديث قواتها. لكن الدول الأخرى لن تحذو حذو واشنطن بشكل أعمى. في السنوات الأخيرة، بينما قامت الولايات المتحدة بتخفيض حجم ترسانتها، سارت دول أخرى في الاتجاه المعاكس وقامت بتطوير قواتها النووية. قد يكون النزع الكامل للسلاح النووي أمرا مرغوبا فيه، لكن تحقيق ذلك يتطلب تحولا كبيرا في النظام السياسي الدولي. وبالتالي فإن مجرد ترك ترسانة الولايات المتحدة للصدأ لن يؤثر بصورة واضحة على فرص القضاء على الأسلحة النووية في جميع أنحاء العالم.

إن إهمال التحديث لن يسهم في نزع السلاح— بل سيكون تصرفا مستهترا. إذا أصبحت القوة النووية الامريكية ضعيفة، فسوف يشجع ذلك الأعداء ويخيف الحلفاء ويخلق حالة من عدم الاستقرار الدولي ويضعف الأمن القومي الأمريكي. وبعبارة أخرى، سوف يهدد ذلك بتدمير العالم الموجود حاليا.

لذلك، وبدلا من التحضير لواقع بديل، تحتاج واشنطن لبناء قواتها النووية التي تحتاجها في هذا الواقع. يجب على الولايات المتحدة الحفاظ على وضع نووي قوي وتحديث قواتها النووية بشكل كامل، على النحو المخطط له. وهذا يعني رفع مستوى جميع الركائز الثلاثة للثالوث النووي وتجديد الرؤوس الحربية النووية وتحديث مجمع الإنتاج، وإذا لزم الأمر، استدعاء الإرادة السياسية لبناء قدرات جديدة لتلبية الاحتياجات الجديدة. وكما قال وزير الدفاع تشاك هاجل في نوفمبر: "رادعنا النووي يلعب دورا حاسما في ضمان الأمن القومي الأمريكي، وهو المهمة الأولوية [لوزارة الدفاع]. فليس لدينا قدرة أخرى أكثر أهمية".

وقد يجادل البعض بأن التحديث في الولايات المتحدة سيثير ردود فعل في الدول الأخرى، مما يساهم في سباق جديد للتسلح— لكن خطط التحديث، كما أشرت أعلاه، تسير على قدم وساق في بقية دول العالم بغض النظر عن أي قرارات يتم اتخاذها في واشنطن. يستشهد النقاد أيضا بالتكلفة على أنها أحد العوائق، لكن التحديثات النووية، على أعلى تقدير، تمثل حوالي 5 في المئة فقط من ميزانية الدفاع. وبالتالي، توفر الأسلحة النووية رادعا استراتيجيا بسعر معقول. أو كما قال وزير الدفاع الجديد أشتون كارتر في عام 2013، "الأسلحة النووية لا تُكلف في الواقع الكثير".

وخلاصة القول، ليس هناك سبب وجيه يدعو الولايات المتحدة لعدم متابعة تحديث قواتها النووية كما هو مخطط لها. ربما سيأتي علينا يوم نتفاجأ فيه على نحو سار بتحقيق أحلامنا. لكن حتى ذلك الحين، يجب علينا القيام بمسؤولياتنا.

التحديث و”الصفر”: نزعتان متوافقتان؟

غالبا ما أعلنت معظم الدول الحائزة للأسلحة النووية، بما في ذلك الولايات المتحدة وروسيا، التزامها بالتخلص من الأسلحة النووية. غير أن أي دولة نووية لن تكون مستعدة للتخلي عن قدراتها النووية ما لم تقم جميع الدول الأخرى بالمثل. لذا، فمن المرجح أن تظل الأسلحة النووية في الترسانات العسكرية لفترة طويلة وسيستمر تحديث الأسلحة النووية. لكن حتى لو تقبل المرء تحديث الترسانات النووية كأمر حتمي، فهل يمكن إدارتها بطريقة لا تخلق عقبات أمام تخفيض الأسلحة النووية واستكمال نزع السلاح على المدى الطويل؟

يظهر تاريخ مفاوضات الحد من التسلح بين روسيا والولايات المتحدة العديد من الأمثلة على التحديث النووي الذي لم يخلق أية عقبات أمام التخفيضات— وأنه في الواقع كانت هناك ظروف للقيام بالتخفيضات. على وجه الخصوص، قد كانت موافقة مجلس الشيوخ الامريكي على معاهدة ستارت الجديدة في عام 2010 مشروطة بتسريع التمويل لتحديث مجمع الأسلحة النووية الأمريكية وضمان تحديث منظومات إيصالها. إن المنطق في مثل هذا التقدير واضح تماما: يجب ألا ينتج عن تخفيضات الترسانات أي مظهر ضعف في الأمن. إذا تم تخفيض القوات النووية من الناحية العددية، فسوف تبرز الحاجة إلى تعزيز كفاءة واستمرارية القوات المتبقية.
 
على أي حال، يظهر التاريخ أن الدول المسلحة نوويا تقوم باستمرار بتحديث أسلحتها النووية. لكن العوامل المحفزة على التحديث والأهمية النسبية لهذه العوامل قد تختلف. في العلاقة الروسية-الأمريكية، كان الدافع وراء التحديث أربعة عوامل: أولا، ظهور تقنيات جديدة تجعل الأسلحة النووية أكثر كفاءة وتتيح الاحتفاظ بها بطرق أكثر أمنا وأمانا. ثانيا، تطوير العدو لتقنيات معرقلة مثل الدفاعات الجوية والصاروخية والأسلحة المضادة للغواصات والأسلحة الهجومية بعيدة المدى عالية الدقة؛ ثالثا، الرغبة في توسيع القدرات الوظيفية لمنظومات إيصال الأسلحة المصممة في الأساس وحصريا للمهام النووية. رابعا، محدودية مدة خدمة الأنظمة الحالية.

إن العاملين الأوليين هيئا ظروف سباق التسلح خلال الحرب الباردة— أي ظهور تقنيات جديدة والتي جعلت الأسلحة النووية أكثر كفاءة، وخصوصا، تطوير تقنيات معرقلة. كانت الصواريخ البالستية وصواريخ كروز وكذلك القاذفات الثقيلة الأسرع من الصوت استجابة لتطوير الدفاعات الجوية، في حين كانت الغواصات التي تعمل بالطاقة النووية والصواريخ عابرة القارات التي تطلق من الغواصات استجابة لتطوير الأسلحة المضادة للغواصات. وكان مدى تأثير الدفاع الصاروخي الباليستي خلال الحرب الباردة موضع شك إلى حد ما— فقد كانت فعالية تقنيات الدفاع الصاروخي الباليستي محدودة للغاية في تلك الفترة. ومع ذلك، لا يمكن للمرء استبعاد احتمال أن تكون معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ البالستية قد أدت وظيفة هامة عن طريق الحد من هذه التقنيات. ومن يدري كيف كان تطور الأسلحة الاستراتيجية سيكون مختلفا إذا كان الطرفان قد اتفقا على الحد من التقنيات المدمرة مثل الدفاعات الجوية والمعدات الحربية المضادة للغواصات؟ الشيئ المؤكد هو أن التحديث النوعي للأسلحة النووية سار بنحو سريع خلال الحرب الباردة بحيث ظهرت نظم جديدة قبل نفاذ مدة خدمة النظم القديمة بفترة طويلة.

أحدثت نهاية الحرب الباردة تغييرات في ميزان العوامل المؤثرة على قرارات التحديث. وعلى الرغم من استمرار بعض البرامج الاستراتيجية للولايات المتحدة في بداية التسعينيات بسبب حالة الجمود (على سبيل المثال، تراكم أعداد غواصات الصواريخ البالستية الجديدة التي تعمل بالطاقة النووية)، تم التوصل إلى إدراك عام في الولايات المتحدة بأن الترسانة النووية للبلاد كانت كبيرة للغاية وفقدت الكثير من قيمتها في البيئة الجيوسياسية الجديدة. وبالتالي فإن عامل التحفيز الأساسي لتحديث ترسانة الولايات المتحدة أصبح متمثلا في الرغبة في جعل منظومات الإيصال الاستراتيجية أكثر "قابلية للاستعمال". وقد بدأت الجهود بتزويد القاذفات الثقيلة بالأسلحة التقليدية عالية الدقة وتحويلها للقيام بأدوار غير نووية. كذلك تم تزويد صواريخ كروز بعيدة المدى التي تطلق من الجو والبحر برؤوس حربية تقليدية. ثمة تطور آخر في هذا السياق وهو ظهور برنامج الضربة العالمية الفورية الذي بدأ كخطة لاستبدال الرؤوس النووية في الصواريخ البالستية برؤوس حربية تقليدية.
 قامت الولايات المتحدة بتحديث منظومات إيصال الأسلحة بشكل مستمر على مدى عقدين. لكن منظومات الإيصال هذه تقترب من نهاية مدة خدمتها الأصلية، إضافة إلى محدودية إمكانياتها لقبول مزيد من التحديث. من ناحية أخرى، تحفز الآن التقدمات التقنية المتوالية الولايات المتحدة لبناء جيل جديد من منظومات إيصال الأسلحة.

أما في روسيا، فقد عانت برامج التحديث، على مدى عقدين تقريبا، من نقص التمويل بشكل دائم. وقد تم تمديد فترات خدمة الصواريخ الموروثة عن الاتحاد السوفيتي من ضعفىّ المدة إلى ثلاثة أضعاف. بالتأكيد، يمكن التعليل بداية باستحالة تمديد فترات خدمة الأسلحة الحالية لأجل غير مسمى فيما يتعلق ببرامج روسيا الطموحة لنشر منظومات إيصال جديدة— والتي سوف تستأثر بنصيب الأسد من خطة أوسع لإعادة التسليح والتي سوف تتكلف 20 تريليون روبل خلال الفترة الممتدة لعام 2020. لكن ثمة عامل آخر قد لعب دورا في قرار روسيا المتعلق بتطوير منظومات إيصال جديدة. على وجه التحديد، شكّل التهديد النابع من نشر الولايات المتحدة لصواريخ باليستية في أوروبا، إضافة إلى تطوير الولايات المتحدة لأسلحة تقليدية استراتيجية، حججا قوية لصالح تطوير منظومات جديدة من الصواريخ الثقيلة والمتنقلة على السكك الحديدية. (ومع ذلك، فإنه من غير الواضح كيف سيتم تطوير هذه البرامج مع تدهور الوضع الاقتصادي لروسيا)

تصورات متباينة. كان القيام بإجراء التخفيضات النووية ممكنا في كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي (وفيما بعد روسيا)، في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات لأن كلا الجانبين أدركا أن ترساناتهما المتراكمة كانتا كبيرة بشكل هائل وأن سباق التسلح كان لا معنى له. ومنذ ذلك الحين، خُفضت ترسانات كلا الجانبين تدريجيا. ومن غير المرجح أن تعكس برامج التحديث هذا الاتجاه، على الرغم من تدهور العلاقات الأمريكية-الروسية على مدى السنوات القليلة الماضية. لكن الدولتين لم تعدا تريان حوافز مماثلة للقيام بمزيد من التخفيضات.

مازال يعتقد كثير من الأناس، في الولايات المتحدة، بأن الترسانة الأمريكية كبيرة للغاية. على سبيل المثال، أعلن الرئيس أوباما في خطاب ألقاه في برلين عام  2013 أنه "سيسعى إلى تخفيضات يمكن التفاوض بشأنها مع روسيا من أجل تجاوز المواقف النووية التي كانت سائدة خلال الحرب الباردة". ويبدو أن هذا الاقتراح له هدف واقعي قوي— وهو تقليل تكلفة التحديث في المستقبل عن طريق تخفيض القوات الزائدة. ومع ذلك، فإن عددا من الاتجاهات الحالية في روسيا لا تشجع على تبني وجهات نظر مماثلة. على وجه الخصوص، العديد من الروس ينظرون إلى تطوير الولايات المتحدة غير المقيّد للدفاع الصاروخي البالستي والذخائر الموجهة بدقة على أنها تهديدات جديدة تتطلب استجابة. وغالبا ما تتأثر هذه التصورات بالعواطف كثيرا. ومع ذلك، فإن موارد روسيا الصناعية والمالية محدودة. وليس لدى موسكو القدرة على التأثير على التطوير النوعي لأسلحة الولايات المتحدة. في مثل هذه الحالة، المزيد من التطوير الأمريكي للدفاع الصاروخي وللذخائر الموجهة بدقة يجعل روسيا أقل اهتماما لمتابعة عملية المفاوضات الثنائية وأكثر ميلا للحد من الشفافية بشأن ترسانتها النووية.

سيكون لبرامج التحديث الأمريكية تأثير سلبي طفيف على العلاقات الثنائية، وذلك في أفضل السيناريوهات المتوقعة للمضي قدما. أما في أسوأ الحالات، سوف تصبح برامج التحديث مصدر إزعاج إضافي في علاقة معقدة بالفعل. لكن من غير المرجح أن تبدأ المفاوضات الثنائية بشأن مزيد من التخفيضات ما لم تتحسن العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا بشكل جذري.

حتى عندما يتم استيفاء الشروط المسبقة لإجراء مزيد من الحوار بشأن خفض الأسلحة النووية، سيظل الدفاع الصاروخي الباليستي والأسلحة الاستراتيجية التقليدية يشكلان عقبات جوهرية. وبالتالي فإنه من المهم أن تحدّ الولايات المتحدة من تطوير مثل هذه الأسلحة— أو تقوم بتوجيه تطويرها بطريقة تزيل الأسباب التي تدعو الدول الأخرى للقلق من بقاء ترسانات نووية صغيرة ناجمة عن تخفيضات الأسلحة المتفق عليها.

 

Round 2

الاستبطان والأمن

يتفق جميع المشاركين في هذه المائدة المستديرة على نقطة واحدة—أن الدول الحائزة للأسلحة النووية بحاجه إلى تحديث ترساناتها. لكنني ويوجين مايزنيكوف نختلف عن زميلنا ماثيو كرونيج في أمور هامة. إذ أفضل أنا ومايزنيكوف أن يكون هناك توازن بين التحديث وخفض الترسانات، وذلك تمشيا مع النهج التقليدية للحد من التسلح ونزع السلاح. وبعبارة أخرى، نحن نبحث عن طرق تهدف إلى إحداث توافق بين التحديث ونزع السلاح.

لقد أثبت كرونيج أن لديه مهارات جدال رائعة، لكني أختلف مع رأيه بأن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى تقييد خططها المتعلقة بالتحديث النووي أو التقليل من أهمية الأسلحة النووية في استراتيجية أمنها القومي. يعتبر كرونيج أن النزع الكامل للسلاح ضربا من "الوهم"، ويعتقد أنه "يجب على الولايات المتحدة الحفاظ على وضع نووي قوي وتحديث قواتها النووية بشكل كامل". كما يجادل بأنه يجب على الولايات المتحدة، إذا لزم الأمر، استدعاء "الإرادة السياسية لبناء قدرات جديدة لتلبية الاحتياجات الجديدة".

لكن آراء كرونيج تتناقض مع حقيقة أن الولايات المتحدة ليست بحاجة إلى ترسانة نووية كبيرة مثلما كان الأمر في العقود الماضية. إن الولايات المتحدة تتمتع بقوة لا مثيل لها من القدرات العسكرية التقليدية. إن أسلحة واشنطن التقليدية الاستراتيجية المتقدمة، بما في ذلك الأسلحة قيد التطوير في برنامج الضربة العالمية الفورية، يمكن استخدامها كرادع وكوسيلة لإلحاق دمار شامل بالعدو— دون الحاجة إلى إثارة المعضلات الأخلاقية التي تصاحب استخدام الأسلحة النووية.

لهذه الأسباب بشكل جزئي قامت بالفعل الولايات المتحدة بالتقليل، إلى حد معين، من أهمية الأسلحة النووية في استراتيجيتها الأمنية. وقد وضع تقرير مراجعة الوضع النووي للولايات المتحدة لعام 2010 قيودا جديدة على الظروف التي تجعل الولايات المتحدة تفكر في استخدام الأسلحة النووية. وأكد التقرير على أنه لن يتم تطوير رؤوس حربية نووية جديدة. لكن يظل كرونيج مدافعا قويا عن تطوير الترسانة النووية الأميركية، بدون حدود، ولا يزال يعتبر الأسلحة النووية هى الأداة النهائية للقوة العسكرية.

ومع أن كرونيج ليس ملزما بأن يتفق مع رئيس دولته، فإن دعمه للتحديث النووي المطلق يتناقض بوضوح مع هدف إدارة أوباما لإقامة عالم خال من الأسلحة النووية. لم يعرب أوباما، في الخطاب الذي ألقاه في براغ عام 2009، عن هذا الهدف فقط، لكنه ألزم نفسه أيضا بإجراء تخفيضات مستمرة في الترسانات النووية وباستئناف مفاوضات نزع السلاح مع روسيا. ربما يرفض كرونيج نهج أوباما باعتباره ضربا من "الوهم"، لكن حتى شخصيات الأمن القومي الأمريكي أمثال هنري كيسنجر وجورج شولتز وسام نان ووليام بيري يويدون إلى حد كبير نفس هذه الأهداف.

ومع ذلك، فأنا أتفق كثيرا مع وجهة نظر كروينج بأن النزع الشامل للسلاح سيتطلب القضاء على الأسباب الجذرية لانعدام الأمن الدولي. لكن ما لم يأخذه كروينج في الاعتبار هو أن رغبة الولايات المتحدة في الأمن الكامل هى في حد ذاتها قوة تقوض الأمن العالمي. وكما كتب كيسنجر في عام 1959، "إن استقرار أي نظام دولي يعتمد على الحد الذي يجمع بين الحاجة إلى الأمن والالتزام بضبط النفس. … إن السعى وراء الأمن من خلال الهيمنة المادية فقط هو تهديد لكل الدول الأخرى. إن الأمن المطلق لدولة واحدة يعني انعدام الأمن المطلق لسائر الدول الأخرى".

كما جادل كروينج في مقاله الثاني بأنني ومايزنيكوف كان من الممكن أن نظهر" قدرا أكبر من الاستبطان" فيما كتبناه في هذا الموضوع. وأجيبه بأن الحاجة إلى الاستبطان هى سلاح ذو حدين. إذ تتطلب الآليات الناجحة للحد من الأسلحة النووية ونزع السلاح وحظر الانتشار النووي أن تشارك جميع الدول المسلحة نوويا في هذه العمليات بفعالية. لذلك، كما كتبت سابقا، يجب على الولايات المتحدة (بجانب روسيا) أن تكون مثالا يحتذى للدول الأخرى— بما في ذلك الصين بالطبع— وأن تقود العالم نحو القضاء على الأسلحة النووية. ففي هذا الاتجاه يكمن مسار مستدام وقابل للتحقيق نحو زيادة الأمن العالمي.

الانشغال بالتحديث لن يؤدي إلى نزع السلاح

تفترض هذه المائدة المستديرة وجود خلاف بين الأهداف المعلنة للقوى النووية بشأن نزع السلاح وبين خططها الحالية لتحديث قواها النووية. لكن هل لهذا الخلاف وجود في الواقع؟ هذا يعتمد بدرجة كبيرة على افتراضات المرء حول الكيفية التي من المرجح أن يتحقق من خلالها نزع السلاح العالمي، في حال كان تحقيق ذلك ممكنا.

يفترض كثيرون أن نزع السلاح سوف ينتج عن عملية بطيئة ومتأنية تقوم خلالها القوى النووية بتوقيع اتفاقيات للحد من الأسلحة والتي تقلل تدريجيا من حجم القوات النووية— حتى لا يصبح هناك وجود للأسلحة النووية. ويبدو أن هذا الرأي يشكل أساس مقالات الجولة الأولى لكل من يوجين مايزنيكوف ولو ين. لقد انتقد كلا زميلىّ في هذه المائدة المستديرة خطط الولايات المتحدة لتحديث ترسانتها وجادلا بأنه ينبغي على الولايات المتحدة أن تقلص من تلك الخطط. كما أكدت "لو" على أنه يجب أن تحذو الولايات المتحدة (وكذلك روسيا) حذو الصين في التقليل من أهمية الأسلحة النووية. وفي الوقت نفسه، أبدى كلا المؤلفين قلقهما بشأن الدفاع الصاروخي البالستي للولايات المتحدة وبرنامج واشنطن الخاص بالضربة العالمية الفورية باستخدام أسلحة تقليدية.

ومع ذلك، كان من الممكن أن يُظهر "مايزنيكوف ولو" قدرا أكبر من الاستبطان في حججهما. فالولايات المتحدة تناقش أمر التحديث، لكن روسيا تقوم باستكماله. تقوم موسكو بإدخال أنواع جديدة من الصواريخ عابرة القارات وقاذفات قنابل والغواصات. كما انتهكت معاهدة الأسلحة النووية متوسطة المدى باختبارها صاروخ كروز جديد متوسط المدى والذي يطلق من البر. تحتفظ روسيا كذلك بآلاف الأسلحة النووية لميدان المعركة وهى جاهزة للاستخدام، وذلك في مخالفة لوعودها عقب نهاية الحرب الباردة. ومقارنة بروسيا، ظلت الصين مقيدة بصورة تستحق الثناء. لكنها تقوم أيضا بتوسيع وتحديث قواتها النووية. وعلى الرغم من أن الصين تتباهى بسياستها الرسمية المتعلقة بعدم الاستخدام الأول، يعترف مسؤولون صينيون سرا بأن بكين قد تقوم بالاستخدام الأول للأسلحة النووية في نطاق ضيق من الحالات الطارئة.

من ناحية أخرى، تتنصل الولايات المتحدة بشفافية من سياسة عدم الاستخدام الأول— وذلك يرجع تحديدا إلى أن واشنطن قد تكون هى البادئة باستخدام الأسلحة النووية، وذلك في نطاق ضيق من الظروف. لكن إذا كانت واشنطن تسعى فعلا لاكتساب ميزة الضربة الأولى، مثلما يخشى مايزنيكوف ولو، فإن الدفاعات الصاروخية البالستية للولايات المتحدة وقدرات برنامجها للضربة العالمية الفورية سوف تبدو مختلفة تماما عن نظم الحد الأدنى المنتشرة حاليا أو التي هى قيد الإنشاء.

ورغم ذلك، وبشكل أكثر جوهرية، ربما يكون جوهر مقالات زميلىّ خاطئا— بمعنى أنه من الصعب أن نفهم كيف سيساهم الانشغال بخطط التحديث النووية بشكل مباشر في تحقيق أمر عويص مثل نزع السلاح النووي في جميع أنحاء العالم. إن مثل هذه الخطوات ستقدم القليل لمعالجة الشواغل الأمنية التي تشجع الدول على امتلاك أسلحة نووية في المقام الأول. وقد كان الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان مولعا بقول: "نحن لا نثق في بعضنا البعض لأننا مسلحون، بل نحن مسلحون لأننا لا نثق في بعضنا البعض"

في الواقع، وبما يتفق مع هذا المنظور، فقد نتجت أكبر التخفيضات النووية في التاريخ فورا في أعقاب انتهاء عداءات الحرب الباردة. ومن المفترض أن نزع السلاح النووي في جميع أنحاء العالم سوف يتطلب تخفيض جذري في حالات التوتر بين جميع الدول. وبالتالي، فإن المقترحات التي توصي بتغيير المواقف الاستراتيجية كخطوة نحو نزع السلاح، تخاطر بإحداث ارتباك بين السبب والنتيجة.

إن أقل ما يتطلبه نزع السلاح العالمي هو القضاء على الأسباب الجذرية لانعدام الأمن الدولي. وبالرغم من أن تحسين المخاوف الأمنية ليست بالمهمة السهلة، فقد ساهمت الولايات المتحدة على مدى الـ 70 عاما الماضية في هذا الجهد من خلال توفير المصلحة الأمنية العامة على مستوى العالم. وقامت الولايات المتحدة بذلك من خلال، من بين وسائل أخرى، حماية حلفائها الآسيويين والأوروبيين من خلال تمديد مظلة نووية؛ وذلك عن طريق نصح هؤلاء الحلفاء بالعدول عن بناء ترسانات نووية خاصة بهم؛ وكذلك تجنيب روسيا والصين ضرورة الدخول في سباقات تسلح خطيرة مع منافسيهما في المنطقة.

ومع ذلك، فإن الاستقرار الدولي معرض للخطر بسبب التصرفات الروسية والصينية الأخيرة. فقد قامت روسيا في العام الماضي وبشكل عنيف باحتلال شبه جزيرة القرم وغزو منطقة دونباس شرق أوكرانيا. وما زالت تهدد بقية أوكرانيا وأوروبا. أما الصين فتقوم بمطالبات تتسم بالمواجهة في بحر الصين الجنوبي. كما أن زيادة أسلحتها العسكرية التقليدية تهدد بقلب التوازن العسكري الذي حافظ على السلام في شرق آسيا لأكثر من نصف قرن— وهو السلام الذي استفادت منه الصين أكثر من أي دولة أخرى.

من هذا المنظور، فإن خطط الدول النووية لتحديث ترساناتها النووية قد لا تكون العائق الأكثر أهمية أمام نزع السلاح النووي في جميع أنحاء العالم. بل إن السياسات الخارجية التعديلية التي تهدد السلم والأمن الدوليين قد تكون هى العقبة الأكبر.

الخطوات البنّاءة هى الحل وليس الهيمنة

يتفق المشاركون في هذه المائدة المستديرة على أن قيام الدول بتحديث ترساناتها النووية هو أمر حتمي. إضافة إلى ذلك، يتفق كاتبان— "لو ين" وأنا— على أنه ينبغي أن يتم التحديث بطريقة لا تعيق تخفيض الأسلحة النووية أو النزع الكامل للسلاح في النهاية. لكن ماثيو كرونيج كتب يقول:"قد يكون النزع الكامل للسلاح النووي أمرا مرغوبا فيه"، لكن يبدو أنه لا يعتبر ذلك خيارا يستحق السعي وراءه. وأضاف قائلا:"تحقيق ذلك يتطلب تحولا كبيرا في النظام السياسي الدولي".

يمكن للمرء أن يتفق مع هذا الرأي— لكن إذا كان الوصول إلى الصفر النووي أمرا مرغوبا فيه، كما يقر كرونيج، ينبغي أن يتساءل المرء كيف يمكن للدول المسلحة نوويا تحقيق هذا الهدف على المدى القريب. للأسف، من الصعب أن نتبين من خلال طريقة كرونيج للتحديث أي استراتيجية يمكن من خلالها أن يصبح العالم مكانا أكثر أمنا. بدلا من ذلك، يركز كرونيج معظم حجته على الأسباب التي تدفع الولايات المتحدة إلى وجوب الاحتفاظ بـ"هيمنتها" العسكرية.

قال كرونيج إن الولايات المتحدة تمتعت بـ"هيمنة عسكرية تقليدية" على مدى العقدين الماضيين— وهو محق في ذلك. وخلال معظم هذين العقدين، ارتفعت النفقات العسكرية للولايات المتحدة. ولا تزال ميزانية الجيش الأمريكي هى الأكبر على مستوى العالم، إذ تمثل أكثر من ثلث الإنفاق العسكري العالمي. تنفق الصين وروسيا على جيشيهما أقل من نصف ما تنفقه الولايات المتحدة على جيشها. لكن كرونيج يجادل بأن"ميزة هذه الهيمنة الأمريكية التقليدية بدأت تتآكل وذلك بسبب قيام روسيا والصين، بصفة خاصة، بتطوير قدراتهما العسكرية غير النووية".  

لكن ما هو بالضبط حجم الهيمنة التي يجب أن تتمتع بها الولايات المتحدة؟ وبأي ثمن؟ وفي هذا الصدد، هل تتسق الهيمنة العسكرية الأمريكية مع قيادة واشنطن المعلنة ببناء عالم أفضل وأكثر انسجاما؟ عالم خال من الحرب والخوف؟ هذا النوع من العالم الذي فيه، وفق تعبير "لو"، "سوف تختفي تدريجيا الأسباب الفعلية لامتلاك أسلحة نووية"؟

ما هو الحجم الكافي؟ كتب كرونيج يقول:"بينما قامت الولايات المتحدة بتخفيض حجم ترسانتها، سارت دول أخرى في الاتجاه المعاكس وقامت بتطوير قواتها النووية". لكن في الواقع، تقوم روسيا وفرنسا والمملكة المتحدة بتخفيض ترساناتهم. بينما تقوم الهند وباكستان في الحقيقة بزيادة قواتهما النووية— وعلى الأرجح تقوم الصين بذلك أيضا. لكن إذا بلغت الزيادة في ترسانة الصين حداً يشكل مشكلة، فإن الحل سوف يكمن في الحوار حول الشفافية والحد من التسلح، وليس في الهيمنة العسكرية. يمكن أن يؤدي مثل هذا الحوار إلى وضع حد للترسانة النووية للهند التي تعتبر جارتها الصين بمثابة تهديد لها. وهذا من شأنه أن يجعل من الممكن وضع حد للقدرات النووية لباكستان التي تعتبر الهند بمثابة تهديد لها. لكن زيادة ترسانة الولايات المتحدة لن يغير المفاهيم أو الاتجاهات في جنوب آسيا.

السؤال الحقيقي هو ما حجم التحديث الذي يعتبر كافيا. وأىّ أنواع التحديثات قد تخلق عقبات أمام إجراء مزيد من التخفيضات؟ وأيها سيكون محايدا؟ وأيها سوف يساهم في تحقيق نزع السلاح؟ إن أحد أمثلة البرامج التي تقوض بشكل واضح تحقيق مزيد من نزع السلاح هو مسعى الولايات المتحدة المستمر لتحسين أجهزة إطلاق الرؤوس الحربية للصواريخ الباليستية طويلة المدى التي يتم إطلاقها برا وبحرا. إن هذه الرؤوس الحربية التي تتمتع بدقة أفضل وقوة تدمير أعلى سوف تحد بشكل كبير من استمرارية الصواريخ الروسية التي تطلق من صوامع أرضية. وهذا بدوره سيرجح من تزايد احتمالات نشوب حرب نووية.

يبدو أن كرونيج يأخذ في اعتباره خيارين اثنين فقط على المدى القريب بشأن إدارة الترسانة النووية الأمريكية، وكلا الخيارين متطرف. الخيار الأول هو "ترك ترسانة الولايات المتحدة للصدأ". أما الخيار الآخر فهو الحفاظ على "وضع نووي قوي وتحديث قواتها النووية بشكل كامل، على النحو المخطط له". لكن هذين الخيارين ليسا هما الوحيدين— فهناك العديد من الخيارات التي تكمن بينهما. على سبيل المثال، يمكن للولايات المتحدة أن تقلل من خططها المتعلقة باستبدال أسطول غواصاتها الحالي— عن طريق شراء عدد أقل من الغواصات— أو بإمكانها أن تؤجل خططها لصنع قاذفات نووية جديدة. كما يمكنها أيضا أن تتخلى عن برنامجها، المذكور آنفا، الذي يهدف إلى بناء قدرات مضادة للضربة النووية الأولى. وهذا من شأنه إعطاء الجولة المقبلة من مفاوضات التخفيضات النووية فرصة أفضل للنجاح.

Round 3

أسباب تدعو للتفاؤل

لقد أبرزت في الحقيقة هذه المائدة المستديرة، والتي بدأت كنقاش حول التحديث النووي، التحديات الهائلة التي تحيط بالجهود الرامية إلى الحد من الأسلحة النووية ونزع السلاح. فقد ناقش يوجين مايزنيكوف وضع روسيا النووي وسياساتها النووية في ضوء المخاوف الأمنية التي تشعر موسكو أنها صادرة من الولايات المتحدة، في حين قام ماثيو كرونيج بنقاش مماثل لكن من منظور الولايات المتحدة. فمثلا، اهتم كرونيج كثيرا بالأنشطة التي تقوم بها روسيا في أوكرانيا، إذ كتب يقول إنه "ينبغي على الولايات المتحدة أن تنشر الترسانة النووية اللازمة لردع التهديدات الحالية للسلام والأمن الدوليين". في حين أعرب مايزنيكوف عن استيائه من توسع الناتو شرقا، قائلا إنه عندما سحبت موسكو قواتها النووية من أوروبا الشرقية وأراضي الاتحاد السوفيتي السابق، " لم تكن تتوقع أن الغرب سيسعى لتوسيع تحالفه العسكري بالقرب من حدود روسيا". يمكن للمرء أن يدرك من مقالات مايزنيكوف وكرونيج أنه لا تزال هناك ميول قوية لصالح تطوير ونشر الأسلحة النووية، حتى بعد انتهاء الحرب الباردة بعقود.

هناك تحديات خطيرة تحيط بالجهود الرامية إلى الحد من الأسلحة النووية ونزع السلاح. تبدأ مسؤولية معالجة هذه التحديات من الولايات المتحدة وروسيا، اللتين تحتفظان بترسانات نووية ضخمة لا تتناسب مطلقا مع احتياجاتهما الفعلية. يمكن لهاتين الدولتين أن تضربا مثالا إيجابيا للدول الأخرى المسلحة نوويا—أو يمكن أن تجازفا ببدء سلسلة من ردود الأفعال النووية عن طريق المغالاة في الحاجة إلى تحديث الترسانات النووية وعدم إجراء تخفيضات كبيرة فيها. تشعر دول ذات ترسانات نووية محدودة مثل الصين بالقلق إزاء التقدم غير الكافي نحو نزع السلاح المقدم من قبل واشنطن وموسكو. سوف تتردد الصين وغيرها من الدول الحائزة للأسلحة النووية في الانضمام إلى عملية متعددة الأطراف لنزع السلاح إذا فشلت الولايات المتحدة وروسيا في مواصلة القيام بتخفيضات ذات مغزى. وقد تميل الدول غير الحائزة لأسلحة النووية للسعي لامتلاك قدرات نووية. كما يمكن أن تؤدي زيادة انتشار هذه الأسلحة إلى الإرهاب النووي.

في ضوء هذه الخلفية، فإن بعض التشاؤم له ما يبرره بشأن الهدف طويل الأجل المتمثل في إزالة الأسلحة النووية من العالم. لكن فيما يتعلق بالهدف قريب الأجل المتمثل في إنشاء ترسانات نووية صغيرة، فالتفاؤل الحذر يصبح ملائما في هذا الصدد. أصبحت الترسانات النووية الضخمة زائدة عن الحاجة في البيئة الأمنية التي أعقبت الحرب الباردة. إن التحديث النووي والصيانة النووية مكلفان للغاية. لذا فإن تخفيض حجم الترسانات سوف يمثل خيارا عمليا بالنسبة إلى القوتين النوويتين العظميين. كما يمكن لواشنطن وموسكو الاحتفاظ بقدرات ردع حتى في ظل احتفاظهما بمخزونات صغيرة من الأسلحة. وبذلك سوف تقومان أيضا بتلبية توقعات المجتمع الدولي فيما يتعلق بنزع السلاح، على الأقل جزئيا. كما يجب على الدول صاحبة الترسانات النووية الصغيرة الانضمام إلى عمليات الحد من التسلح ونزع السلاح على المدى الطويل. لكنها يجب أن تحرص، في الوقت الراهن، على عدم عرقلة التخفيضات الثنائية.

إن الحظر الكامل والقضاء على الأسلحة النووية قد يكون حلما طويل الأجل في هذه المرحلة، لكن أطول الرحلات تبدأ بخطوة واحدة. يمكن تحديد مسار لعملية نزع السلاح لو اتخذت كل الدول المسلحة نوويا إجراءات ملموسة مثل التعامل بشكل تعاوني مع التحديات الأمنية المشتركة وإقامة أو تعزيز تدابير لبناء الثقة ووضع خطط دقيقة لإدارة الأزمات والحرص على تجنب الحسابات الخاطئة. بالإضافة إلى ذلك، ينبغي على الدول المسلحة نوويا النظر بجدية في إنشاء معاهدة تحظر الاستخدام الأول للأسلحة النووية ضد الأطراف الموقعة عليها. ان مثل هذه المعاهدة سوف تحظر أيضا استخدام الأسلحة النووية أو التهديد باستخدامها ضد الدول غير الحائزة للأسلحة النووية في أي وقت وتحت أي ظرف من الظروف. إن المواقف الوطنية تجاه مثل هذه المعاهدة قد تمثل اختبارا لمدى مصداقية وجدية الدول بشأن نزع السلاح النووي.

الاستقرار مقدّم على نزع السلاح

كشفت هذه المائدة المستديرة عن بعض أوجه الاتفاق الكثيرة بيني وبين لو ين ويوجين مايزنيكوف. إذ يعتقد جميع المؤلفين أنه ينبغي على الدول أن تسعى نحو نزع السلاح على النحو المنصوص عليه في المادة السادسة من معاهدة حظر الانتشار النووي— غير أن التحديث النووي سيكون ضروريا طالما وجدت الأسلحة النووية. إن وجه الإختلاف بيني وبين زميلىّ هو في المقام الأول اختلاف حول مسائل متعلقة بالتوقيت والتسلسل.

يبدو أن لو ومايزنيكوف يعتقدان أن هناك صيغة سحرية لسرعة ونطاق جهود التحديث النووي والتي من شأنها أن تسمح بتحقيق الردع ونزع السلاح في آنٍ واحد. أنا متشكك في إمكانية حدوث هذا الأمر أو أنه يمثل حتى الطريقة الصحيحة للتفكير في المشكلة. أعتقد بدلا من ذلك أنه ينبغي على الولايات المتحدة أن تنشر الترسانة النووية اللازمة لردع التهديدات الحالية للسلام والأمن الدوليين. وفي الوقت نفسه، ينبغي على جميع الدول أن تعمل على الحد من التوترات الدولية بحيث يمكن تحقيق نزع السلاح في المستقبل. وفي حال تم استيفاء هذه الشروط، سيكون من السهل حينها تحقيق التخفيضات النووية.  

لديهم الكثير ليخسروه. يتهمني كلا زميلىّ بالدعوة إلى الأمن المطلق للولايات المتحدة. أنا متحير من أين جاءت هذه التهمة، فأنا لا أؤمن بأن الأمن المطلق كان أمرا ممكنا لأي دولة في أي وقت مضى. في الواقع، إن الأمن سلعة نادرة، حتى في القرن الـ21— كما اتضح ذلك من الغزو الروسي لأوكرانيا.

في مقاله الأخير، تساءل مايزنيكوف عما إذا كنت أعتقد أن " ترسانة روسيا النووية تفوق نوعيا ترسانة الولايات المتحدة". لا، أنا لا أعتقد ذلك— لكن روسيا قامت مؤخرا بغزو دولة ذات سيادة ولوحت بالتهديد بحرب نووية وناقشت تخفيض مستوى بداية استخدامها للأسلحة النووية وقامت بإختبار قدرات نووية جديدة. كما أطلق الرئيس فلاديمير بوتين تهديدات نووية مبطنة. كل ذلك يدعو لمزيد من القلق حول القدرات النووية الروسية ومدى التزامها بالأمن الدولي.

جادل مايزنيكوف بأنه يجب على واشنطن وموسكو الحفاظ على معاهدة الأسلحة النووية متوسطة المدى، إذا كان ذلك ممكنا— وأنا أتفق معه تماما. (بكين لديها مصلحة قوية في هذا الشأن أيضا، لأن الصين ستكون معرضة للهجوم من قبل الأسلحة النووية متوسطة المدى في روسيا). غير أنني متشكك في نوايا روسيا بشأن هذه المعاهدة. لسنوات عديدة، لم يخفِ بوتين رغبته في التحرر من قيود هذه المعاهدة. لكن إذا لم تعد روسيا إلى الامتثال للمعاهدة، ستضطر الدول الأخرى للرد. إن المعاهدة "طريق ذو اتجاهين"، على حد تعبير وزير الدفاع الأمريكي الجديد أشتون كارتر— الذي قال أيضا خلال جلسة استماع بمجلس الشيوخ في يوم 4 فبراير إنه "إذا لم تكن تريد تلك المعاهدة، إذن أنت في حلٍ من القيود المفروضة عليك بموجب تلك المعاهدة، ونحن كذلك أيضا". وفي السياق نفسه، شهد مسؤول بارز في البنتاجون خلال جلسة استماع في الكونجرس في يوم 10 ديسمبر بأنه "ليس لدينا صواريخ كروز يتم إطلاقها من الأرض في أوروبا الآن، بالتأكيد، لأنها محظورة بموجب المعاهدة … لكن ذلك سيكون بالتأكيد أحد الخيارات التي سندرسها". بالطبع إن أوروبا هي أكثر أمنا بدون هذه الصواريخ. لكن موسكو (وبكين) لديهما الكثير ليخسروه مقارنة بواشنطن إذا أطلقت تصرفات روسيا العنان لسباق حر للتسلح بأسلحة نووية متوسطة المدى في أوراسيا.

إن صواريخ كروز التي تطلق من الأرض ليست هي القدرة النووية الروسية الوحيدة التي يجب إعادة تقييمها في ضوء الأحداث الأخيرة. إن ترسانة روسيا بأكملها المؤلفة من 2000 سلاح نووي تكتيكي، والتي تعطي موسكو ميزة ساحقة في ميدان المعركة ضد جيرانها (بما في ذلك أعضاء حلف الناتو في أقصى الشرق)، تبدو أكثر خطورة مما كانت عليه قبل سنة واحدة. إذا واصلت روسيا تهديداتها النووية ورفضت بتعنت خفض قواتها النووية من خلال مفاوضات الحد من التسلح، قد يكون الغرب بحاجة إلى اتخاذ خطوات كي يضمن أن لديه خيارات ذات مصداقية لردع و، إذا لزم الأمر، هزيمة العدوان النووي الروسي بالقرب من حدوده الخارجية.  

أشار مايزنيكوف على نحو صحيح إلى أن القرارات التي تُتخذ في الوقت الحاضر حول الوضع النووي ستكون لها عواقب طويلة الأمد. إن وفاة معاهدة الأسلحة النووية متوسطة المدى يمكن أن تكون نتيجة قاسية جدا لقرارات غير مدروسة جيدا. كما أن فشل حلف شمال الأطلسي في الحفاظ على وضع نووي كافٍ لردع مزيد من العداء الروسي في أوروبا الشرقية سيكون حتى خطأ أكبر.

القرارات النووية والعواقب طويلة الأمد

كتب ماثيو كرونيج في مقاله الثاني أن "الولايات المتحدة تناقش أمر التحديث، لكن روسيا تقوم باستكماله". لكن ليس من الواضح ما الذي يعنيه زميلي. هل يعتقد كرونيج أن ترسانة روسيا النووية تفوق نوعيا ترسانة الولايات المتحدة؟ إن مثل هذا الاعتقاد لا أساس له في الواقع. إذا كان هناك تكافؤ نووي تقريبي بين البلدين في نهاية الحرب الباردة، لم يكن باستطاعة روسيا أن تتفوق على الولايات المتحدة في السنوات الفاصلة. كما أن تطوير التقنيات العسكرية في روسيا كان متواضعا جدا على مدى العقدين الماضيين. ومعظم الصواريخ الاستراتيجية والغواصات الروسية الجديدة التي تم نشرها خلال تلك الفترة كانت معتمدة في الغالب على التقنيات التي تم تطويرها في أواخر الثمانينات. وعمل مقارنة بسيطة بين النفقات الأمريكية والنفقات الروسية على صيانة الأسلحة النووية وتحديثها يهدم فكرة أنه كان بإمكان روسيا أن تتفوق على الولايات المتحدة.

إذا لم يكن سبب كرونيج الجوهري بشأن التحديث النووي الأمريكي ليس هو كون ترسانة الولايات المتحدة هى الأقل شأنا، فهل يقصد بدلا من ذلك أنه يجب أن تهيمن الولايات المتحدة على العالم من حيث القدرات التقليدية والنووية؟ لقد كانت "لو ين" محقة تماما عندما قالت في مقالها الثاني أن الدول تقوض الأمن العالمي عندما تسعى وراء أمنها المطلق. ويبدو أن كرونيج يسعى وراء أمن الولايات المتحدة المطلق، وبالتالي فهو يتجه في مسار يؤدي إلى صراع عالمي بدلا من سلام عالمي.

وفي إدعاء آخر مشكوك فيه، كتب كرونيج يقول"… تحتفظ روسيا بآلاف الأسلحة النووية لميدان المعركة وهى جاهزة للاستخدام، وذلك في مخالفة لوعودها عقب نهاية الحرب الباردة". هذا الادعاء غير صحيح تماما. فقد أتمت روسيا بنجاح معظم الأعمال التنفيذية المتعلقة بالمبادرات النووية الرئاسية في بداية التسعينات، والتي بموجبها تعهد الجانبان بخفض ترساناتهما من الأسلحة النووية التكتيكية. وفي الوقت الحالي، فإن جميع الأسلحة النووية غير الاستراتيجية الروسية مخزّنة في مستودعات مركزية تديرها الإدارة الرئيسية الـ12 التابعة لوزارة الدفاع. وهذه الأسلحة لم يتم نشرها مع وسائل الإيصال. وهى غير جاهزة للاستخدام— بعكس، مثلا، العديد من الصواريخ الباليستية العابرة للقارات على كلا الجانبين، التي يتم الاحتفاظ بها في حالة تأهب ويمكن إطلاقها في غضون بضع دقائق.

لم تتعهد روسيا قط بالتخلص من أسلحتها النووية غير الاستراتيجية دون قيد أو شرط. ومع ذلك، في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات، سحبت روسيا جميع أسلحتها النووية المتمركزة في أراضي حلفائها السابقين في أوروبا الشرقية ودول الاتحاد السوفيتي السابق. لكن عندما سحبت موسكو قواتها من هذه المناطق، لم تكن تتوقع أن الغرب سيسعى لتوسيع تحالفه العسكري بالقرب من حدود روسيا. وفي الوقت نفسه، تواصل الولايات المتحدة إقامة قواعد للأسلحة النووية التكتيكية في أوروبا. وهذا يمثل عقبة رئيسية أمام إحراز تقدم في مشكلة الأسلحة النووية غير الاستراتيجية. وعلى أية حال، هناك توافق عام في الآراء في مجتمع الحد من التسلح بأن الولايات المتحدة وروسيا تمتلكان أعدادا مماثلة من الرؤوس الحربية النووية. وبإحصاء الرؤوس الحربية الاستراتيجية وغير الاستراتيجية، سواء المنتشرة أو غير المنتشرة— لكن لا يشمل ذلك الرؤوس الحربية المعدة للتفكيك— فإن كل جانب يملك حوالي أربعة آلاف إلى خمسة آلاف رأس حربي. إن التركيز كثيرا على الرؤوس الحربية غير الاستراتيجية يحجب هذا التعادل الكمي.

ثمة شئ آخر بحاجة للنظر وهو تأكيد كرونيج أن روسيا انتهكت معاهدة الأسلحة النووية متوسطة المدى باختبارها صاروخ جديد. يحتاج المرء إلى توخي الحذر في التوصل لمثل هذه الاستنتاجات. تشير الأدلة المتاحة علنا بأن المسألة ليست أمرا محسوما. في الواقع، لقد أثار كلا الطرفين قضايا امتثال متعلقة بهذه المعاهدة. وإذا كانت الولايات المتحدة وروسيا تؤمنان بأن المعاهدة لا تزال مهمة، فينبغي أن يعيدا اجتماع اللجنة الخاصة بالتحقق، والتي أنشئت خصيصا لتسوية قضايا الامتثال. إن الاستمرار في توجيه الاتهامات العلنية لن ينقذ المعاهدة.

وأخيرا، فيما يتعلق بالوضع في أوكرانيا وما حولها، فإن هذه الأزمة تمثل بالتأكيد حجر عثرة كبير في التعاون المنفعي المتبادل بين الولايات المتحدة وروسيا. لكن كرونيج يأخذ وجهة نظر بسيطة للغاية (وغير صحيحة) عندما كتب أن "روسيا قامت بشكل عنيف باحتلال شبه جزيرة القرم وغزو منطقة دونباس شرق أوكرانيا". إن القضايا المحيطة بالأزمة تمتد إلى ما هو أبعد من نطاق هذه المائدة المستديرة. ومع ذلك، هناك نقطة واحدة تستحق النظر: الوضع في أوكرانيا اليوم هو نتيجة مأساوية لقرارات اتخذت منذ فترة طويلة— وبخاصة، إنشاء خطوط تقسيم مصطنعة لم تكن موجودة من قبل.

إن الأمر متروك للشعب الأمريكي لاتخاذ القرار بشأن الحجم المستقبلي لترسانته النووية وكم التحديث الذي سوف تتطلبه. لكن من المهم أن نضع في الاعتبار أن مثل هذه القرارات سيكون لها آثار عميقة على بقية العالم. هذه القرارات قد تؤدي إلى، على حد تعبير كرونيج، "تخفيض في حالات التوتر بين جميع الدول"، والذي من شأنه أن يفضي إلى مزيد من التخفيضات النووية. أو أنها قد تصبح مصدرا لمزيد من التوتر وعدم الثقة.



Topics: Nuclear Weapons

 

Share: