عدم البدء بالاستخدام من جانب الولايات المتحدة: وجهة نظر مستقاة من آسيا

لا ينفك باراك أوباما عن التفكير مليا في تطبيق سياسة عدم البدء بالاستخدام على الترسانة النووية الأمريكية. ويرى مؤيدوا التحول لتلك السياسة أنها سوف تحد من تصاعد حدة الأزمات النووية المحتملة، كما أنها سوف تقدم نموذجا يحتذى للدول الأخرى المسلحة نوويا، فضلا عن اعتبارها خطوة هادفة نحو نزع السلاح. وعلى الجانب الآخر، يرى المعارضون أن عدم البدء بالاستخدام من شأنه أن يحد من قوة الردع النووي (ومن ثم توفير بيئة خصبة للقتال) وزعزعة استقرار حلفاء أمريكا (التشجيع على الانتشار النووي). وفي ضوء الأخذ في الاعتبار كلتا وجهتي النظر، يطرح هذا التساؤل نفسه، كيف للسياسة الأمريكية بعدم البدء باستخدام السلاح النووي أن تؤثر على الأمن في شرق آسيا وجنوب شرقها؟ وهل ترجح كفة مزايا التحول لتلك السياسة على أي ضرر محتمل من تطبيقها؟

Round 1

سياسية عدم البدء بالاستخدام: الأفضل للحفاظ على الغموض

يعد قرار باراك أوباما بالشروع في وضع سياسة لعدم البدء بالاستخدام قرارًا صائبًا فيما يتعلق بالسياسات الدولية على الأقل. حيث سيسهم هذا التحول السياسي إلى حدٍّ ما في التوفيق بين مساعي أوباما بشأن النزع النهائي للسلاح النووي وبين الترسانة النووية الهائلة التي لا زالت بحوزة واشنطن. كما ستخلق تلك السياسة شعورًا بالتناغم مع إعلان أوباما في عام 2009 عن أن الولايات المتحدة سوف " تعمل على أن يسود السلام والأمن العالم من دون سلاحٍ نووي" ومع الاهتمامات  الخاصة له فيما يتعلق بالأمن النووي، وهي الاهتمامات التي ظهرت جليةً أثناء سلسلة انعقاد قمم الأمن النووية التي استهلها أوباما.

تعتبر التصريحات المتعلقة بأمور منها الإعلان عن سياسة عدم البدء بالاستخدام مؤشرًا جيدًا حول التوجهات السياسية للحكومات بشكل عام وللإدارات على وجه الخصوص. كما أن مثل هذا النوع من التصريحات من شأنه أن يساعد الدول على فهم أفضل للمواقف والسياسات الدفاعية لبعضهم البعض. كما أنها تفيد باعتبارها إجراءات لبناء الثقة والتي بإمكانها أن تعزز-من وجهة نظر المناصرين لها على الأقل- من السلام والاستقرار العالمي وتحد من التوتر ونقص الثقة بين القوى المتنافسة. ولا زال إعلان الولايات المتحدة عن سياسة عدم البدء بالاستخدام لم يتجاوز مجرد كونه إعلانا وحسب. والسؤال، هل ستتخذ الولايات المتحدة أية إجراءات جوهرية تهدف إلى الحفاظ على السلام النووي؟ أشك في الأمر.

الأعداء والحلفاء. يرى البعض أن المقصد الوحيد من السلاح النووي هو درء الضربة الأولى الموجهة من طرف دولة أخرى حائزة للسلاح النووي. ويعتقد هؤلاء أن قدرة الردع بالسلاح النووي تكمن في القدرة على إطلاق ضربة ثانية وليس الضربة الأولى. ومن جانبي أرى أن القدرة على رد الضربة والاستعداد لتوجيه الضربة الأولى كلاهما وسيلتان لدرء الهجمات النووية. ويتفق هذا مع ما كتبه آرثر هيرمان من معهد هيدسون موضحا أنه إذا ما أدرك الأعداء أن دولة ما يمكنها "أن تفعل ما تريد بمنتهى السهولة"، فإنه من المحتمل بالطبع أن يستحث هذا الأمر الأعداء على إطلاق الضربة الأولى واستهداف الأصول النووية في عملية الهجوم. وإذا كان هذا هو الحال، فإن الإعلان عن سياسة عدم البدء بالاستخدام من شأنه أن يقوض عملية الردع النووي.

وعلاوة على ذلك، فإن الهجوم النووي الاستباقي ليس الوسيلة الوحيدة للعدوان التي يجب ردعها، ولنأخذ المطالب الإقليمية للصين في بحر الصين الجنوبي مثالًا على ذلك. فقد تمثلت سياسة واشنطن المعلن عنها في ألا تميل لطرفٍ دون الآخر في الصراع الدائر حول الإقليم في بحر الصين الجنوبي، إلا أن بكين نظرت إلى الولايات المتحدة وكأنها تمسك بالعصا لدول جنوب شرق آسيا خاصة الفلبين وفيتنام. وهنا لاح هذا التساؤل في الأفق، هل ستبقى الولايات المتحدة البادئة دوما باستخدام السلاح النووي في صراعها مع الصين بشأن بحر الصين الجنوبي؟ ربما لا، إلا ان سياسة عدم البدء بالاستخدام سوف تزيل جميع الشكوك لدى بكين. وسوف يترتب على ذلك احتمال مواصلة الصين السعي وراء مطالبها الإقليمية بل ولربما بشكل أكثر عداءً عن ذي قبل، وهذا على الرغم من حكم محكمة التحكيم الدائمة الصادر في يوليو والذي يقضي بأن "خط النقاط التسع" "خط ترسيم الحدود" الذي ارتكزت عليه بكين في مطالبها الكثيرة في بحر الصين الجنوبي ليس له أساس في القانون الدولي.

ومن المحتمل أيضا أن تتسبب سياسة عدم البدء بالاستخدام في إحداث مزيد من العدائية في بيونغ يانغ. ورغم إعلان كوريا الشمالية الدائم عن أن التهديدات النووية الأمريكية تعد واحدة من الأسباب الرئيسية الكامنة وراء مواصلتها السعى نحو امتلاك السلاح النووي واستخدامه، إلا أنه من السذاحة أن نعتقد أن بيونغ يانغ سوف تتخلى عن السلاح النووي لمجرد تبني واشنطن لسياسة عدم البدء بالاستخدام. وعلاوة على ذلك، فإنه من السهل علينا أن نتصورمدى تشجيع سياسة عدم البدء بالاستخدام لكوريا الشمالية على مواصلة برنامجها النووي بل ومواصلته بشكل أكثر عداءً عن ذي قبل. وعليه يصبح من الواضح تماما أن الإعلان عن سياسة عدم البدء بالاستخدام يبعث بالرسالة الخطأ للمعتدي المحتمل. أما عن النهج الأكثر عملية على الإطلاق فلن يكون إلا بأن تكتنف الدول الحائزة للسلاح النووي نفسها ببعض الغموض عما إذا كانت ستسلك مسلك الولايات المتحدة في تنبي سياسة عدم البدء بالاستخدام أم لا؟ وعن أسباب تبنيها لتلك السياسة إن حدث؟  

ومن الممكن أيضا أن يتسبب الإعلان عن سياسة عدم البدء بالاستخدام في تقليص مصداقية المظلة النووية التي تشمل بها الولايات المتحدة شركاءها وقد يتسبب هذا في دفع الحلفاء إلى إنتاج سلاح نووي يكون ملكيةً خاصةً لهم. فاليابان تمتلك التكنولوجيا والمواد الانشطارية التي تمكنها من انتاج السلاح النووي بكل سهولة ويسر حال اتخاذها قرارًا بذلك. وتعد كوريا الجنوبية كذلك قادرة بكل وضوح على تطوير السلاح النووي في ظل القاعدة التكنولوجية القوية التي تمتلكها والقطاع الضخم للطاقة النووية المدنية المتوفر لديها. وإذا ما قُدِّر لتلك السيناريوهات أن تصبح واقعًا بمعنى أنه إذا ما بدأ الشك يساور الحلفاء فيما يخص الضمانات الأمنية الأمريكية، فإن سياسة عدم البدء بالاستخدام سوف تسهم حينها في انتشار السلاح النووي كما ستقوض الجهود المبذولة للتخلص منه نهائيٍّا.

وكما أشرت سالفًا، هناك مخاوف تعتري بعض حلفاء أمريكا في جنوب شرق آسيا بشأن المطالب الإقليمية للصين في بحر الصين الجنوبي. غير أنه من المحتمل أن ترحب رابطة دول جنوب شرق آسيا بسياسة عدم البدء بالاستخدام باعتبارها خطوة نحو اعتبار منطقة جنوب شرق آسيا منطقة خالية حقا من السلاح النووي، وهي الرؤية التي وضعتها معاهدة بانكوك 1995. ولم يحدث للأسف حتى الآن أن حققت المعاهدة رؤيتها كاملة، ويرجع سبب ذلك إلى عدم اتفاق الدول الخمس المعروفة بحيازتها للسلاح النووي على البروتوكول المتعلق بتلك المسألة. وحتى يتم التوصل إلى البروتوكول، لن تخرج فكرة اعتبار منطقة جنوب شرق آسيا منطقة خالية من السلاح النووي عن إطار الصفحات التي سُطرَت عليها.

سياسة عدم البدء بالاستخدم لن تزيد الصين الا شجاعة

كيف ستكون نظرتنا إلى الرئيس باراك أوباما عندما تنتهي فترة ولايته الثانية في غضون أربعة أشهر؟ والمقصود بالطبع نظرتنا له باعتباره أول رئيس إفريقي أمريكي. بيد أن الأمر لن يقتصر على ذلك، بل سيدخل ضمن حكمنا عليه ما خلفه من إنجازات هامة  منها مراقبة عملية التعافي الإقتصادي وتوسيع نطاق الرعاية الصحية، إضافة إلى جهوده المبذولة للحد من تغير المناخ وجعله آسيا محور ارتكاز له في السياسة الخارجية. وبعيدا عن جميع ما ذكر، تفيد التقارير بوجود مبادرة أخرى كبيرة يقوم البيت الأبيض بالنظر فيها في الوقت الحالي، ألا وهي الإعلان عن سياسة عدم البدء باستخدام السلاح النووي.

لقد احتلت قضية نزع السلاح النووي مركز الصدارة خلال فترة رئاسة أوباما. فقد ألقى أوباما في شهر إبريل من العام 2009 خطاب براغ الملهم ولم يكن قد مر حينها على توليه السلطة ثلاثة أشهر، وقد تعهد أوباما في خطابه هذا باستهلال حقبة جديدة لنزع السلاح النووي وأعلن "التزام أمريكا بالعمل على أن يسود السلام والأمن العالم دون سلاح نووي." وقد حصل أوباما بعد مرور ستة أشهر على خطاب براغ هذا على جائزة نوبل للسلام وقد ذهبت الجائزة له نظرًا لرؤيته المثالية لعالم خال من السلاح النووي من ناحية بجانب تعهده بالعمل على جعل العالم خاليا من السلاح النووي من ناحية أخرى.

وقد بذل أوباما منذ ذلك الحين جهودا ملموسة في مجال نزع السلاح النووي ومنع انتشاره. فقد أشرف على المفاوضات مع روسيا بخصوص معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية وحصل على تأكيدٍ بالمعاهدة في مجلس الشيوخ الأمريكي. وكان أوباما أول من استهل عملية سير قمة الأمن النووي.وأدخل الولايات المتحدة وقوى أخرى في مفاوضات جادة لم ينجح المجتمع حتى الآن في وقف برنامج السلاح النووي لكوريا الشمالية رُغم فرض عقوبات صارمة على بيونغ يانغ.

هل يستشعر أوباما وجود وازع أحلاقي يحثه على تبني قضية نزع السلاح النووي نظرًا لأن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي استخدمت السلاح النووي وقت الحرب؟ ربما، فقد صار اوباما في شهر مايو أول رئيس أمريكي يزور هيروشيما أثناء فترة ولايته منذ أن دمرت قنبلة ذرية المدينة في 1945. وقد يتساءل النقاد عن قرار الرئيس ترومان بإلقاء القنيلة على مدينة هيروشيما، أما ما لا يمكن طرح التساؤلات حوله فهو أن ترومان سلك هذا المسلك لكونه السبيل الوحيد لإنقاذ حياة الشعب الأمريكي والانتصار في الحرب. وعلى أية حال، فإنه رُغم عدم استخدام الولايات المتحدة للسلاح النووي منذ 1945، فإنها لا زالت تعتمد عليه في درء الاعتداء والدفاع عن الحلفاء وفي الحفاظ على المصالح الاستراتيجية.    

كتب الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور في مذكراته تفويض من أجل التغيير 1953-1956 أن انضمام الصين لهدنة وقف الحرب الكورية ترجع بعض أسبابه إلى تلميحات واشنطن باحتمال استخدامها للسلاح النووي ضد الأهداف العسكرية في الصين. وبالمثل، وفي أثناء أزمة مضيق تايوان في فترة الخمسينيات، حذر أيزنهاور ووزير خارجيته جون فوستر دالاس على الملأ بكين من أن الولايات المتحدة قد تستخدم أسلحة نووية تكتيكية كي تحبط الغزو الصيني لتايوان.  

استدعى الرئيس جورج دبليو بوش في مذكراته (لحظات الحسم) مساعية عديمة الجدوى لكسب تعاون رئيس الصين جيانغ زيمين في جهوده لوقف برنامج السلاح النووي لكوريا الشمالية. وفي فبراير من العام 2003، حذر بوش جيانغ من أنه "إذا لم نتمكن من حل المشكلة دبلوماسيا، سوف أضطر للنظر في مسألة الهجوم العسكري على كوريا الشمالية." حمل جيانغ وكيم جونغ إل زعيم كوريا الشمالية تهديدات بوش باستخدام القوة على محمل الجد. وقد حدث بعد مرور ستة أشهر على تهديدات بوش أن عُقِدت في بكين الدورة الأولى من المحادثات سداسية الأطراف حول برنامج السلاح النووي لبونغ يانغ.

تعد هذه أمثلة على إظهار الولايات المتحدة إصرارها على استخدام قوتها العسكرية الضارية التي قد تضم فيما بينها السلاح النووي من أجل الدفاع عن مصالحها وحلفائها. ورغم هذا فإن تعهد الولايات المتحدة بعدم البدء باستخدام السلاح النووي سوف يفقد واشنطن جزءا مهما من قوتها، إذ أنه سوف يتسبب في تقليل الخيارات الاستراتيجية كما سيضعف مصداقية واشنطن فيما يخص وعودها بالدفاع عن الحلفاء (سوف يمثل هذا الأمر مصدر قلق لكوريا الجنوبية على وجه التحديد) ويقلل من قدرتها على ردع الاعتداء. وخلاصة القول، أن التعهد بعدم البدء باستخدام السلاح النووي سوف يكون سقطة استراتيجية كبيرة.

وكي تتضح لنا الحقائق، فقد أعلنت الصين عن سياسةٍ لعدم البدء بالاستخدام وطالبت القوى النووية الأخرى بتقديم التزامٍ مماثل بعدم البدء بالاستخدام، إلا أن سياسة بكين الخاصة بعدم البدء بالاستخدام قد تكون موضع إعادة نظر. وفي عام 2005 احتل الجنرال تشو تشينغ بجامعة الدفاع الوطني الصينية عناوين الصحف العالمية عندما حذر من مغبة تدخل الولايات المتحدة في الصراع العسكري حول تايوان، حيث ستشرع الصين حينها في إطلاق هجمات نووية على المدن الأمريكية ومما قال "نحن على استعداد للتضحية بجمبع المدن الواقعة شرق زيان" و "ولا شك أنه على الشعب الأمريكي أن يؤهل نفسه لدمار المئات من المدن الأمريكية" وقال تشو عندما أثار مراسلا صحفيا مسألة سياسة الصين بعدم البدء بالاستخدام "قد تتغير السياسة" وأكد على أنها تُطبق على أية حال فيما يتعلق بالنزاع بين الصين وبين دول غير حائزة للسلاح النووي. وقد أثارت التهديدات الصارخة لتشو بالبدء باستخدام السلاح النووي ضد المدن الأمريكية حفيظة المسئولين الأمريكيين.

لا مناص من الاعتراف بأن الصين قوة قائمة على أرض الواقع، بل وتسعى أيضا إلى تغيير النظام العالمي، حيث تنافس الولايات المتحدة في السيادة السياسية والعسكرية في منطقة آسيا والمحيط الهادي، كما أنها تتحدى الباكس أمريكانا التي ظهرت بعد الحرب العالمي الثانية. وكانت الصين قد أخذت على عاتقها لعدة سنوات مسألة تحديث وتوسيع نطاق قواتها العسكرية التقليدية والنووية واستخدمت إمكاناتها الهائلة في إجبار جيرانها من الدول الصغيرة على تسوية نزاعاتهم على أساس شروط تضعها بكين. وزاد الأمر عن ذلك عندما قامت الصين ببناء قدراتها في مكافحة الوصول والحرمان من الدخول آملة بذلك أن تنجح في ردع وتأخير ودحر الغزو الأمريكي.

من غير الحكمة على الإطلاق أن يعلن الرئيس أوباما عن سياسة لعدم البدء باستخدام السلاح النووي. وسوف يفسر شي جين بينغ زعيم الصين هذا الإعلان على أنه إشارة إلى تراجع القوة العسكرية للولايات المتحدة، الأمر الذي سيمثل حافزًا له على مواصلة حلم الصين في أن تحل محل الولايات المتحدة باعتبارها قوة عالمية عظمى.

لا عوائق كبرى أمام سياسة عدم البدء بالاستخدام

تمحورت مشاورات الرئيس أوباما حول إمكانية الإعلان عن سياسة عدم البدء بالاستخدام فيما يتعلق بالسلاح النووي الأمريكي من عدمه على استقطاب آراء مجموعة من الاختصاصيين في المجاليْن السياسي والأمني. ويرى المعارضون للتحول لسياسة عدم البدء بالاستخدام أن تلك السياسة سوف تُرهب حلفاء أمريكا (خاصة كوريا الجنوبية واليابان)، إضافة إلى كونها علامة على الضعف (في نظر روسيا والصين وكوريا الشمالية على الأقل)، فضلًا عن إضعافها لقدرة واشنطن على دحر الأعداء المحتملين. ويرى المؤيدون لتلك السياسة أنها سوف تسهم في التنبؤ بالوضع النووي لواشنطن، بمعنى إحراز المصداقية بشأن جهود الولايات المتحدة في جعل العالم أكثر أماناً مع عدم التأثير في الوقت ذاته على ثقة الحلفاء في قوة الردع الأمريكي. والآن وفي أعقاب الاختبار النووي الخامس لكوريا الشمالية وهو الاختبار  الذي يعد الأقوى على الإطلاق لبيونغ يانغ حتى الآن، تبدوا الفرص معتمة عما إذا كان سيشرع أوباما في تطبيق سياسة عدم البدء بالاستخدام من عدمه. كما لا زالت التداعيات المحتملة لتطبيق سياسة عدم البدء بالاستخدام في شرق آسيا وجنوب شرقها جديرة بالفحص والتمحيص.

ويجدر بنا القول بدايةً أن التداعيات الأمنية لسياسة عدم البدء بالاستخدام ستكون أكثر وقعًا في شرق آسيا منه عن جنوب شرقها، إذ أن أثر تطبيق تلك السياسة في شرق آسيا سوف يجلب تصورات ومواقف وردود أفعال لروسيا والصين وكوريا الشمالية وهي الدول الثلاث المسلحة نوويًا إضافة إلى اليابان وكوريا الجنوبية وهما دولتان قادرتان تكنولوجيًّا على إنتاج السلاح النووي.

يزيد احتمال ترحيب روسيا والصين بالسياسة الأمريكية لعدم البدء بالاستخدام وكلتاهما تمثلان قوة نووية كبرى في المنطقة ، إذ أن تلك السياسة ستخدم مصالحهما بصورةٍ لا بأس بها (أو لن تتسبب على الأقل في جلب ضرر لهما). إلا أنه على الرغم مما دار جدل بشأنه بين البعض، لن تفسر موسكو وبكين التحول السياسي الأمريكي على أنه علامة على الضعف، حيث أن كلتاهما تدرك تماما مدى الدمار الذي تستطيع أن توقعه العسكرية الأمريكية على الأعداء دون البدء باستخدام السلاح النووي. كما لن تقلل روسيا ولا الصين من شأن القوة العسكرية الأمريكية لمجرد تطبيق سياسة عدم البدء بالاستخدام، ولهذا لن يكون هناك ما يدعوا أي منهما إلى التصرف بشكل أكثر حزمًا ولا إلى التقليل من مصالح الولايات المتحدة في شرق آسيا. وموجز القول أنه لن ينتج عن سياسة عدم البدء بالاستخدام مزيد من التوتر أو التهديدات الأمنية بين الولايات المتحدة وروسيا والصين. 

وعلى الجانب الآخر، قد تكون كوريا الشمالية مبعث مشاكل، إذ أنه عندما تجري بيونغ يانغ اختبارات نووية متواترة ضاربةً بقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وبالعقوبات الدولية عرض الحائط، فإن هذا يعني أنها تقول بكل وضوح أنها لا تلقي بالًا للاهتمامات الأمنية لجيرانها. وإذا ما أعلنت واشنطن الآن عن أنها لن تقوم على الإطلاق بتوجيه الضربة النووية الأولى، فقد تجد بيونغ يانغ حينها ما يشجعها على مواصلة التقدم أكثر من ذي قبل بالبرنامج النووي لها. ويتمثل الخطر الأعظم في تلك الحالة في تأثير كرة الثلج، بمعنى أن الطموح النووي المتزايد لبيونغ يانغ سوف يزيد من انعدام الشعور بالأمن بين جيران كوريا الشمالية، الأمر الذي يتسبب في اتخاذهم إجراءات مضادة والتي قد يكون من بينها الاعتماد بصورة أكبر على الولايات المتحدة في توفير الحماية لهم. ومن المرجح أن يكون هذا مدعاة لحدوث مزيد من التوتر في علاقات تلك الدول بكوريا الشمالية بل ولربما في علاقاتهم مع الصين وروسيا، الأمر الذي سيترتب عليه تخصيصهم المزيد من الموارد لقواتهم العسكرية. ومما يدعوا للأسف أن بيونغ يانغ تعتبر مخاوف كوريا الجنوبية واليابان أمرًا مرغوبّا فيه، حيث ترى أنه يمنح الشمال مزيدًا من القوة وقت المفاوضات. ولهذا وبقدر ما تُحدثه سياسة عدم البدء بالاستخدام من جانب الولايات المتحدة من شعور بانعدام الأمن في سيول وطوكيو، ستظل كوريا الشمالية المستفيد الأكبر، بل وقد تصير بيونغ يانغ لاعبًا أساسيًّا في أمن شرق آسيا.

يبدوا أن اليابان وكوريا الجنوبية هما الدولتان الواقعتان في شرق آسيا الواقع عليهما الضرر الأكبر من جراء سياسة الولايات المتحدة لعدم البدء بالاستخدام، حيث يرتكز الأمن بهما إلى حد كبيرعلى الحماية العسكرية الأمريكية، وهي الحماية التي يدخل ضمنها المظلة النووية التي توفر الردع ضد كوريا الشمالية أولا والصين وروسيا ثانيا. ورغم ذلك فإن فكرة امتلاك طوكيو وسيول لقوات عسكرية ضعيفة فكرة خاطئة بداهةً، بل على النقيض منها، فإن القوات العسكرية لطوكيو وسيول تأتي بين أفضل القوات مؤونة وتقدمًا في آسيا. ويمكن لكل من اليابان وكوريا الجنوبية وقت نشوب نزاع مسلح تقليدي أو اندلاع حرب أن تبليان بلاءً حسنا في مواجهة أي عدو محتمل في شرق آسيا بل ولربما يكون نقص السلاح النووي لدى اليابان وكوريا الجنوبية هو السبب الوحيد الذي يحول دون اعتبارهما من بين أكثر الدول قوة على مستوى العالم سياسيا واقتصاديا وعسكريا كذلك. ويتضح من هذا أن الردع النووي من جانب واشنطن والذي تشمل به اليابان وكوريا الجنوبية يكفيهما مؤؤنة القلق بشأن التهديدات النووية ويظل بإمكانهما في الوقت ذاته التعامل مع أية تهديدات أخرى دون الحاجة إلى مظلة حماية من دول أخرى.

ما زالتا طوكيو وسول تعتبران سياسة الولايات المتحدة لعدم البدء بالاستخدام جديرة بالاهتمام في ظل جوارهما بكوريا الشمالية وهي الدولة الطموحة المسلحة نووريا، إلا أنه لن يكون هناك سببا شرعيا لأي منهما يستدعي تطويرهما لسلاح نووي خاص بهما،  بمعنى أنه طالما أن مظلة الردع الأمريكية باقية، فلن تزيد سياسة عدم البدء بالاستخدام من فرص الهجوم النووي لكوريا الشمالية. ويزيد على هذا أن المخاوف الأمنية لطوكيو وسيول تزداد إذا ما أحدثت سياسة أمريكا لعدم البدء بالاستخدام خللا بالتوازن النووي بالمنطقة وإذا ما تسببت في ظهور سلوك عدواني بين القوى النووية بالمنطقة مع بعضها البعض. ومع هذا فإن ما يلوح بالأفق لا يكفي للتنبؤ بالنتائج.

وماذا بشأن الجنوب! إذا ما شرع أوباما في تطبيق سياسة عدم البدء بالاستخدام، فلن يكون لتلك السياسة تأثيرًا كبيرًا على الإطلاق في جنوب شرق آسيا. حيث  أقيمت تلك المنطقة باعتبارها منطقة خالية من السلاح النووي منذ 1995. وتلتزم دول المنطقة بالمعاهدات الدولية الأساسية لمنع الانتشار، كما دعمت تلك الدول عملية سير قمة الأمن النووي (رغم غياب بعضهم عن حضور القمة).

ليس ثمة أية قضايا أمنية خطيرة في إطار العلاقات الثنائية لدول جنوب شرق آسيا مع الولايات المتحدة والصين وكوريا الشمالية وكوريا الجنوبية واليابان باستثناء على ما أعتقد القضية المثارة مع الصين بشأن بحر الصين الجنوبي. ولم يحدث مطلقا أن أعلنت أي من الدول الست استهدافها لدولة بجنوب شرق آسيا بالسلاح النووي، كما لا تشكل أي دولة منهم في الوقت الحالي تهديدًا نوويًا لجنوب شرق آسيا. ولا تتمتع أي دولة بجنوب شرق آسيا بمظلة الردع الأمريكي ولا حتى الفلبين وتايوان وهما الحليفان الأكبر لواشنطن في المنطقة من خارج منظمة حلف الشمال الأطلسي.

دعونا نصيغها بكل بساطة، لن تُحدث السياسة الأمريكية لعدم البدء بالاستخدام أية مشاكل أمنية في المنطقة وسترحب دول جنوب شرق آسيا بهذا التحول السياسي. ومع ذلك، سوف تشجع دول جنوب شرق آسيا واشنطن على الموافقة على بروتوكول معاهدة بانكوك ما يعني تعهدها باعتبار منطقة جنوب شرق آسيا منطقة خالية من السلاح النووي.

سوف ترجح كفة المزايا الأمنية للسياسة الأمريكية لعدم البدء بالاستخدام على كفة الآثار الأمنية السلبية لها في دول شرق آسيا وجنوب شرقها. ومن المحتمل ألا يشرع أوباما في تطبيق سياسة عدم البدء باستخدام السلاح النووي وإن كنا نأمل أن يشرع في تطبيقها.

Round 2

ليس هذا أوان الإعلان عن السياسة الأمريكية لعدم البدء بالاستخدام

ليس بإمكان أحد حتى ولو كان يميل إلى جانب تطبيق سياسة الولايات المتحدة لعدم البدء باستخدام السلاح النووي أن ينكر ما لتلك السياسة من تداعيات أمنية سلبية في آسيا. ولهذا فقد أدرك زميل المائدة المستديرة تا مينه توان في تلك الجولة أن مثل هذا التحول قد يشجع كيم جونغ أون على الضغط ببرنامج كوريا الشمالية للسلاح النووي بشكل أكثر حدة عن ذي قبل، كما سيشجعه على ممارسة المزيد من الأعمال الاستفزازية، وهذا رُغم تطلعات توان إلى أن يشرع باراك أوباما في تطبيق سياسة عدم البدء باستخدام السلاح النووي.

ولكن ماذا إذا شجعت سياسة عدم البدء بالاستخدام كيم –بعيدًا عن الخوف من الانتقام النووي- على إعداد العدة لشن هجوم تقليدي ضد كوريا الجنوبية؟ وهذا هو تحديدًا السيناريو الذي دفع بعض خبراء أمريكا الأمنيين إلى التعبير عن آمالهم في ألا تتبنى إدارة أوباما سياسة "الغرض الوحيد" فيما يتعلق بالترسانة النووية لواشنطن. وقد اقتربت إدارة أوباما بالفعل اقترابًا وثيقًا من التخلي عن  استخدام السلاح النووي وذلك بالتزامن مع قيامها بمراجعة الوضع النووي في 2010، عدا ما يحدث كرد فعل لهجوم نووي يشنه عدو ما. ومن غير الحكمة أن نستمر في الحديث بذات المنهج بعد أن وصلنا لتلك النقطة.

سوف تضطر اليابان وكوريا الجنوبية إلى اتخاذ اجراءات مضادة إذا ما ظهرت أية دلائل تشير إلى احتمالية تراجع الولايات المتحدة عن ضماناتها النووية، ومن المحتمل أن تتخطى تلك الإجراءات المضادة حدود تعزيز الاعتماد على الحماية الأمريكية التي تناولها توان بالنقاش في الجولة الأولى. وقد تتطور الأمور بصورة قد تصل إلى خوض طوكيو وسيول غمار إنتاج وحيازة السلاح النووي، وهذا أسوأ الاحتمالات الذي تحاول واشنطن جاهدة منع وقوعه بجانب احتمالين آخريْن للانتشار النووي.

أدرك توان أن اليابان وكوريا الجنوبية "في ظل جوارهما بكوريا الشمالية، الدولة الطموحة والمسلحة نوويا" ستكون لديهما الأسباب التي تدعوهما إلى اعتبار سياسة الولايات المتحدة لعدم البدء بالاستخدام جديرة بالاهتمام، إلا أنه أكد لاحقا أن لن يكون لدى طوكيو وسيول "سببا شرعيا.. يستدعي تطويرهما لسلاح نووي خاص بهما، طالما كانت مظلة الردع الأمريكي باقية." وفي هذا بعض المبالغة، فقد يكون توان مؤمنا بالمنهج القائل في مجمله بأن السياسة الأمريكية لعدم البدء بالاستخدام سوف تفيد الأمن والسلم الإقليمي، غير أنه أخطأ تقدير مدى الفزع الذي قد تستقبل به اليابان وكوريا الجنوبية سياسة عدم البدء بالاستخدام.

وقد تجاهل توان تجاهلًا ملحوظًا كذلك مشكلة الأمن الآسيوي الكبيرة التي ستتسبب سياسة عدم البدء بالاستخدام في تفاقمها، وهي سعي الصين إلى فرض سيادتها على الجزء الأكبر من بحر الصين الجنوبي. فقد عززت مشاريع بكين في استصلاح الأراضي وعسكرة الشعاب المرجانية والمياه الضحلة في جزر سبراتلي وباراسيل من قدرة الصين العسكرية في المياه المتنازَع عليها، كما أنها كانت بمثابة بوق إنذار لكل من الولايات المتحدة واليابان وغالبية دول جنوب شرق آسيا بما فيها الفلبين وفيتنام وسنغافورة. وقد أصدرت المحكمة الدائمة للتحكيم في لاهاي في يولية حكمًا يدين قانونًا سعي الصين إلى فرض سيطرتها، كما  يدين مشروعات استصلاح الأراضي التي تقوم بها، إلا أن بكين رفضت الحكم  ولا زالت تصر على خطتها في استعراض قوتها بطول بحر الصين الجنوبي وذلك بالاستصلاح (وبناء مهبط للطائرات في) سكاربورو المرجانية التي تبعد بمسافة 140 مترا فقط عن مانيلا.

وقد حذر آشتون كارتر وزير الدفاع الأمريكي بكين صراحة من مغبة اتخاذ إجراءات مضادة إذا ما أصرت على الاستمرار في اتخاذ مثل تلك الإجراءات. وقد اتخذت الولايات المتحدة في الأشهر القليلة الماضية  تدابير شديدة الوَقْع  منها إرسال مجموعات قتالية من حاملات الطائرات –دفاعا عن مبدأ حرية حرية الملاحة- قرب الجزر الاصطناعية التي تسيطر عليها الصين. وقد أصبح طموح الصين وسلوكها العدائي المتنامي في بحري الصين الجنوبي والشرقي السبب الرئيس وراء ازدياد حدة التوتر بين الصين والولايات المتحدة (وكذا بين حلفاء واشنطن الإقليميين). ولا يمكن لأي زعيم أمريكي يتحلى بالحكمة أن يتحمل في ظل هذا الوضع الجيوستراتيجي ترف الشروع في تطبيق سياسة عدم البدء باستخدام السلاح النووي.

سياسة عدم البدء بالاستخدام، العالمية أو لا شىء أبدا

يأمل صديقي العزيز تا مينه توان أن يشرع باراك أوباما في تفعيل سياسة عدم البدء باستخدام السلاح النووي. ومن جانبي، لا آمل أن يحدث هذا، بل أدعوا بشدة في حقيقة الأمر إلى ألا تبرح الولايات المتحدة أبدا الاستخدام الأول للسلاح النووي.

ولكي يُرسِّخ توان لبعض التداعيات السلبية التي قد تصحب سياسة الولايات المتحدة لعدم البدء بالاستخدام، كتب توان أن رد فعل بيونغ يانغ تجاه سياسة عدم البدء بالاستخدام قد يتمثل في "الضغط (واستمرار الضغظ) ببرنامج السلاح النووي لها بصورة أكثر حدة عن ذي قبل"، الأمر الذي يؤدي إلى وقوع "الخطر الأكبر" وإلى تصاعد حدة التوتر بين دول منها كوريا الجنوبية واليابان والصين وروسيا. وعلى الجانب الآخر، ما هي مزايا سياسة عدم البدء بالاستخدام؟ يرى توان أن واشنطن سوف تعلن عن نفسها باعتبارها "قوة يفرضها الوضع الراهن فيما يتعلق بالشئون النووية الآسيوية". ورغم ذلك فلم يلق توان الضوء إلا على عدد قليل من المزايا. أما بالنسبة لي فيبدوا جليا أن العواقب الوخيمة المحتملة لسياسة عدم البدء بالاستخدام ترجح كفتها على الاحتمالات الإيجابية. والسؤال، لماذا إذن نأمل في تطبيق تلك السياسة؟

أعتقد أن تشجيع توان لسياسة عدم البدء باستخدام السلاح النووي ما هو إلا انعكاس لقيم توان وميوله، خاصة اعتقاده الجازم بحتمية توقف استخدام السلاح النووي. ومن جانبي، أشارك توان هذا الرأي ولكنَّ مخاطر استخدام السلاح النووي لن تقل بصورة ملحوظة إذا ما شرعت دولة واحدة في تطبيق سياسة عدم البدء بالاستخدام. من الممكن أن تُحدِث مثل تلك السياسات آثارا كبيرة إذا ما أعلنت جميع الدول الحائزة للسلاح النووي – سواء كان معترف بحيازتها للسلاح النووي رسميا أم لا- عن تطبيق سياسات مماثلة لسياسة عدم البدء بالاستخدام. وهذا يعني أنه طالما كانت هناك دولة ما حائزة للسلاح النووي على استعداد للبدء باستخدامه ، يظل هناك احتمالا قائما باستخدام دول أخرى في وقت ما لأسلحتها في ضربات انتقامية.

وفي إطار النظام الدولي الحالي، يستحيل تطبيق أي تصريحات دولية تتعلق بعدم البدء بالاستخدام على أرض الواقع. ما الذي يجبر أي دولة تقوم بتطوير سلاحها النووي وتقوم نظير ذلك بتخصيص موارد هائلة  لبرنامج السلاح مقدمة إياه على أوليات أخرى ذات أهمية بالإعلان عن أنها لن تبدأ أبدًا باستخدام السلاح النووي أيا كانت الظروف؟ قد يسلك عدد قليل من الدول هذا المسلك كالصين على سبيل المثال، وإن كانت الصين نفسها قد أظهرت بعض البوادر في الأعوام القليلة الماضية تدلل على احتمالية تغييرها لسياستها، وعلى أية حال، فإنه من غير المحتمل أبدًا أن يأخذ العالم سياسة بكين بعدم البدء بالاستخدام على محمل الجد. (وعلى الجانب الآخر، فإته بإمكان الولايات المتحدة باعتبارها دولة ذات مصداقية كبيرة أن تقوض الأمن الدولي حال تبنيها لسياسة عدم البدء بالاستخدام.) ويظل المعنى المقصود: من الصعب أن نتصور تنازل جميع الدول الحائزة للسلاح النووي عن البدء باستخدام السلاح النووي.

ولا شك أن الدول المالكة للسلاح النووي ستظل تحتفظ ببعض المزايا التي لا يعرفها غيرها ما دام السلاح النووي باقيا في العالم. وكما أوضح باريس تشانغ في الجولة الأولى فإن واشنطن تستخدم التهديد بالقوة النووية أوغيرها ليس فقط بقصد الحفاظ على المصالح الأمريكية، ولكن أيضا بهدف حفظ السلام وإقامته، وإنه لمن السذاجة أن تتنازل الولايات المتحدة عن تلك الميْزة. ولا أتفق مع تشانغ في قوله أن الصين ستفسر إعلان الولايات المتحدة عن سياسة عدم البدء بالاستخدام على أنه إشارة إلى تراجع القوة العسكرية للولايات المتحدة، وإن كنت أتفق معه في الكثير مما قاله من أنه من غير الحكمة أن يعلن الرئيس أوباما عن شروعه في تطبيق سياسة لعدم البدء باستخدام السلاح النووي.

لا أرى نفسي ممن يؤمنون بمبدأ الواقعية الصارمة، ولكن فيما يتعلق بتلك القضية، يفرض علينا الواقع القول بأنه ليس على الولايات المتحدة مطلقًا أن تعلن عن سياسة لعدم البدء بالاستخدام في ظل توقعنا استمرار حيازتها لترسانة نووية.

سياسة عدم البدء بالاستخدام، لا داعي للهلع

ظهرت مباشرة في أعقاب إعلان باراك أوباما عن سياسة الولايات المتحدة لعدم البدء بالاستخدام تساؤلات حول ضمانات واشنطن الأمنية في آسيا. وشرعت طوكيو وسيول في النظر في أمر تطوير روادعهم النووية وتحمست بكين على مواصلة مطالبها الإقليمية بصورة أكثر عدائية، وينطبق الحال ذاته على بيونغ يانغ وبرنامج السلاح النووي لها.

وضع زميلي بالمائدة المستديرة ريماند خوسيه جي كويلوب هذا السيناريو وسار على نهجه في الجولة الأولى من نقاشات المائدة المستديرة. كما حذا باريس تشانغ حذو كويلوب نوعا ما، ومن جانبي أرى أنه لا يوجد على الإطلاق ما يدعوا إلى الخوف من مثل هذا السيناريو.

بداية، تلتزم جميع الدول بالتعهدات الدولية كما ترتكز الحسابات الأمنية الاستراتيجية لقادة العالم على معيار محدد من الثقة يقضي باحترام باقي الدول لتعهداتها. وحيثما يتعلق الأمر بواشنطن، فإن هذه الثقة تكون في محلها تماما فماضي الولايات المتحدة يشهد لها بالتزامها بتعهداتها على مدى العقود الخالية. وقد كان كونها كذلك أحد أسباب اعتبار واشنطن واسطة العقد في الشئون الدولية منذ اندلاع الحرب العالمية الثانية. وإنه لمن الصعوبة بمكان أن نجد ما يدعونا للحكم على الولايات المتحدة بأنها حليف غير أهل للثقة.

وفي ضوء ما سبق، ما الذي سيسكن في مخيلة حلفاء واشنطن بشأن كونها أهلا للثقة حال إعلان أوباما عن ساسة عدم البدء بالاستخدام؟ هل ستساورهم الشكوك بشأن مظلة الردع النووي الأمريكية إذا لم يعد ضمن قائمة الردع هذه إمكانية البدء بتوجيه الضربة النووية؟ أجزم بأن دولا ككوريا الجنوبية واليابان ليستا بهذا القدر من السذاجة الذي يجعلهما يعتمدان في أمنهما على توجيه الولايات المتحدة الضربة الأولى. فما يهمها في المقام الأول هو احترام واشنطن لمعاهداتها الأمنية الثنائية ومتعددة الأطراف، بجانب استعدادها للتدخل المباشر إذا لزم الأمر. لن تؤثر سياسة عدم البدء بالاستخدام بأي حال من الأحوال على تعهدات واشنطن بحماية حلفائها الجاري بينها وبينهم عهود ومواثيق، كما لن تؤثر على مظلة واشنطن النووية  ولا على قوتها التقليدية أو اضطلاعها بالوضع الدولي.

واستكمالا لما سبق، لن تشجع سياسة عدم البدء بالاستخدام بكين على التصرف بصورة أكثر عدائية عن ذي قبل. إذ أنه على الرغم من الغموض الذي لا زال يكتنف حتى الوقت الراهن موضوع البدء بالاستخدام في النظام النووي الأمريكي، فإن الصين تتصرف بالفعل بكل ثقة في شمال شرق آسيا وبحر الصين الجنوبي. ومن الواضح أن بكين لا تعتبر إمكانية توجيه الولايات المتحدة الضربة الأولى رادعا لتصرفاتها الحالية. وعليه فلماذا نعتبر إذن أن تطبيق سياسة عدم البدء بالاستخدام سوف يتسبب في زيادة عدائية تصرفات الصين؟ لن تجني بكين شيئا من وراء استعراض نفسها باعتبارها تمثل تهديدًا كبيرًأ للولايات المتحدة ولحلفائها الآسيويين ولأمن شرق آسيا. وليس ثمة ما يدعونا للاعتقاد بأن بكين سوف تُؤْثِر رد الفعل العدائي في ردها على الإعلان عن سياسة عدم البدء بالاستخدام.

سوف تتشابه إلى حد ما حسابات بوينغ يانغ مع حسابات بكين. إذ لم تعول الأعمال الاستفزازية لكوريا الشمالية على مدى تلك الأعوام كثيرا على سياسة الردع النووي الأمريكي. بل لقد أثبتت سياسة الردع الأمريكي فشلها بنفس القدر الذي منعت به كوريا الشمالية من تطوير سلاحها النووي ومن إجراء اختبارات نووية عليه. دعونا نعيد الصياغة بشكل مختلف، لا يشعر قادة كوريا الشمالية بالخوف من الردع النووي الأمريكي. فإذا ما قرر زعماء الشمال التصرف بصورة أكثر عدائية فلديهم دون شك الوسائل التي تخول لهم ذلك، أما مجرد رد الفعل العدائي على اعلان الولايات المتحدة عن سياسة عدم البدء بالاستخدام فهو أمر لن يجلب أي نفع على الإطلاق لشعب كوريا الشمالية.

وعلى النقيض، قد يكشف الإعلان عن سياسة عدم البدء بالاستخدام لبيونغ يانغ عن عدم اعتزام الولايات المتحدة الإطاحة بنظام كوريا الشمالية (وهو أمر ذا أهمية قصوى لزعماء الشمال). وحتى إذا لم يثق زعماء كوريا الشمالية تمام الثقة بسياسة الولايات المتحدة لعدم البدء بالاستخدام، فسوف يقل على الأقل الضغط عليهم من أجل رفع مستوى الاستعداد النووي لديهم. وقد ينطبق القول ذاته على زعماء بكين كذلك.

وجملة القول، لن يستفيد أحد المبارزين في شرق آسيا وجنوب شرقها من محاولة استغلال سياسة الولايات المتحدة بعدم البدء بالاستخدام. بل على العكس من ذلك، سوف تستقيم أفهام الدول لتدرك أن تلك السياسة نافعة في حد ذاتها إذ ستعني إعلان واشنطن نفسها قوة يفرضها الوضع الراهن فيما يتعلق بالشئون النووية الآسيوية، وهذا يعني أن تنعم المنطقة بأكملها بمزيد من الأمن. ما من سبب وجيه يستدعي قيام أي أحد بشرق آسيا أو جنوب شرقها بإشعال الفتن النائمة بالمنطقة.

Round 3

سياسة عدم البدء بالاستخدام لا يشوبها شائبة، فلماذا إذن الجدل واختلاق المشكلات بشأنها

هل استطاع باراك أوباما إحراز تقدم ملموس فيما يخص وعوده التي أعلن عنها في براغ في عام 2009 بأن "يسعى إلى تحقيق سلام وأمن العالم من دون سلاح نووي؟"، سؤال يطرح نفسه في الوقت الذي تدق فيه عقارب الزمن معلنةً قرب انتهاء ولاية أوباما واستعداد دونالد ترامب في الوقت ذاته لتولي مقاليد الحكم.ولاشك أن جهود باراك أوباما بشأن نزع السلاح جديرة بالاعتبار، ففى عام 2010 قلصت وثيقة مراجعة وزارة الدفاع للوضع النووي من دور السلاح النووي في الاستراتيجية الأمنية الوطنية للولايات المتحدة وأوقفت عمليات تطوير رؤوس نووية جديدة وأحكمت القبضة بشأن حالات الطوارئ التي ما برحت واشنطن الاحتجاج بها لاستخدام السلاح النووي أو التهديد باستخدامه. وقد انتشرت لبعض الوقت بعض الأقاويل بأن أوباما سيدفع العجلة للأمام أكثر خاصة ما يتعلق بالاعلان عن سياسة لعدم البدء باستخدام السلاح النووي. ويبدو هذا غير محتمل الوقوع الآن، ولكن ماذا لو اتخذ أوباما تلك الخطوة أو ماذا لو اتخذها أي رئيس آخر قادم في المستقبل القريب، هل "ستعد" تلك السياسة كما يرى زميلي بالمائدة المستديرة تا مينه توان "إجراءً جاداًّ لبناء الثقة وخطوة نحو عالمٍ أكثر سلاما" ؟

ويخالف هذا الاعتقاد هوى حلفاء أمريكا كاليابان وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة وفرنسا فكافتهم أخبر إدارة باراك أوباما أن سياسة عدم البدء بالاستخدام تضر بأمن بلدانهم. فقد شعر كبار الساسة في سيول بعدم الارتياح إزاء سياسة عدم البدء بالاستخدام، بينما طرح آخرون فكرةً محتواها أن تُطوِّر كوريا الجنوبية رادعها النووي.وفي الوقت ذاته وأثناء اجتماع مجلس الأمن القومي الأمريكي في شهر يولية، أفادت التقارير تحذير آشتون كارتر وزير الدفاع وجون كيري وزير الخارجية من ان الإعلان عن سياسة لعدم البدء بالاستخدام من شأنه أن يثير مخاوف حلفاء الولايات المتحدة ويقلل من مصداقية واشنطن، كما أنه يبعث برسالة إلى الخارج مفادها ضعف أمريكا.

ذكرتُ في الجولة الأولى أن الرئيس دوايت أيزنهاور اعتمد على التهديد بالسلاح النووي كي يكبح جماح غزو الصين الشيوعية لتايوان. وقد ساعد هذا التهديد في تفعيل وقف إطلاق النار في مضيق تايوان والذي كان قد بدأ منذ فترة الخمسينات، ورغم ذلك لم يفارق بكين حلم الهيمنة على تايوان الذي تسعى إلى أن يُتوَّج بضم تايوان إليها. ففي العقود القليلة الماضية قامت الصين فعليا بتحديث قواتها العسكرية التقليدية والنووية وتوسيع نطاقها، كما عززت في السنوات الأخيرة إمكاناتها العسكرية في بحر الصين الجنوبي تعزيزا كبيرا كي تتحدى تفوق الولايات المتحدة في منطقة آسيا والمحيط الهادي. وطورت الصين بجانب ذلك قدرات منع الولوج/المنطقة المحرمة والتي قد توقع أضراراً جسيمة بالقوات الأمريكية. وتهدف تلك القدرات في جزء منها إلى ردع التدخل الأمريكي في الهجوم الصيني على تايوان.

ودعا بعض الخبراء في واشنطن إلى سياسة المواءمة مع الصين بمعني "الالتقاء في منتصف الطريق" أو غض الطرف حتى عن تايوان. ويحتج هؤلاء الخبراء في رؤيتهم تلك بتقدم الصين الهائل في قوتها الاقتصادية والعسكرية، ما يعني أن الدفاع عن تايوان ستفوق كلفته تحمل الولايات المتحدة. وعلى الجانب الآخر، فإنه من المحتمل أن يضعف اعتماد الولايات المتحدة لسياسة عدم البدء بالاستخدام الثقة لدى تايبيه فيما يخص مساعدة واشنطن لها وقت الحاجة، ولن تكون سياسة عدم البدء بالاستخدام إلا مؤشرا مضللا بأنه لم يعد لدى الولايات المتحدة نية دعم الصين. وقد يشجع هذا الضعف الأمريكي الملموس القيادة الصينية المتشددة على الدخول في مغامرات عسكرية في تايوان. وسأسرد مشهدا غير معروف في التاريخ غير أنه ذا صلة بحديثنا وكاشفا له وهو أنه عندما غزت قوات كوريا الشمالية الجنوب في يونيو 1950، لم يتوقع جوزيف ستالين ولا كيم إل سونغ تدخل الولايات المتحدة وسبب ذلك أنه في غضون ما يقل عن ستة أشهر قبل هذا التاريخ، وصف وزير الخارجية الأمريكي دين آتشيسون الحد الدفاعي الأمريكي في إقليم غرب الهادي موضحا أنه يستبعد كوريا استبعاداً لا مراء فيه.

وفي مارس من هذا العام كرر أوباما ما أشار إليه في حديثه في براغ قائلا أن "تحقيق أمن وسلام العالم من دون سلاح نووي لن يحدث سريعا وقد أفارق الحياة قبل أن يتحقق." ثم واصل حدديثه قائلا أنه "لا يمكن لدولة بمفردها ان تصل إلى تصور (لنزع السلاح)، وأنه لا بد أن يكون عمل العالم أجمع"، وكان هذا لأن أوباما يدرك إدراكاً تاماً أن سياسة مهمةً وذات تأثير بعيد المدى كسياسة عدم البدء بالاستخدام تتطلب دعماً كبيراً من الحزبين الديموقراطي والجمهوري، ورغم ذلك فقد أخفق أوباما في تحقيق اتفاق تام على سياسة عدم البدء بالاستخدام بل وصل الإخفاق إلى حد عدم قدرته على الحصول على إجماع آراء حزبه أو إدارته.   

وكما يقول الأمريكيون "لم ينكسر بعد كي تسعى لإصلاحه"، فإن سياسة الغموض النووي الأمريكية تنعم بالسلامة حتى الآن ولا تحتاج إلى من يصلح شأنها.

السلاح النووي وقواعد المصلحة الشخصية

لا أنكر ما أشرت إليه في تلك الجولة من أنه على واشنطن ألا تنصرف عن فكرة الإعلان عن سياسة الاستخدام الأول للسلاح النووي، غير أن جوهر حديثي لا يدور –كما أشار زميلي تا مينه توان- حول فكرة أن الدول الأخرى لن تستجيب لإعلان الولايات المتحدة عن سياسة عدم البدء بالاستخدام بالإعلان عن سياسات خاصة بهم. ولا شك أنه حتى إذا ما قررت جميع الدول المسلحة نوويا عدا الولايات المتحدة الانصراف عن سياسة الاستخدام الأول من تلقاء أنفسهم، سأظل أؤكد على أن سياسة عدم البدء بالاستخدام لم تضف جديدًا لواشنطن، فالتخلي عن الإعلان عن سياسة عدم البدء بالاستخدام سيفقد الترسانة النووية الأمريكية أهميتها، وكما أوضحت في الجولة الأولى أن النهج العملي لن يكون إلا بأن "تكتنف الدول الحائزة للسلاح النووي نفسها ببعض الغموض عما إذا كانت ستسلك مسلك الولايات المتحدة في تنبي سياسة عدم البدء بالاستخدام من عدمه" وهنا يكمن محور حديثي.

لم يخطئ تا حين أوضح أن اتفاقات الحد من التسلح كمعاهدة منع الانتشار النووي ومعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية قد تم التفاوض حولها بحضور الدول المسلحة نوويا إلا أنه جانب الصواب حين ذكر أن الدول المسلحة نوويا شاركت في المفاوضات بسبب "النداءات الدولية للحد من المخاطر النووية." في حين أن جوهر الحقيقة يكمن في قيام الدول المسلحة نوويا بذلك من أجل تعزيز أمنها، فالتعزيز الأمني كان الضرورة الأولى الملحة التي دفعت تلك الدول إلى تطوير السلاح النووي. دعونا نصيغها بصورة أكثر وضوحا ونقول أن الدول تحدد أولوياتها بناءً على مصالحها الشخصية. وفي ضوء تلك الصياغة ندرك أنه عندما تصيغ الدول القوية اتفاقات دولية وتُلزِم بها نفسها، فإن هذا يعني أنها ما قامت بذلك إلا لما به من نفع عائد عليها.

لنأخذ معاهدة منع الانتشار النووي مثالا. لا شك أن لدى الدول غير المسلحة نوويا أسبابها التي تدفعها إلى المشاركة في المعاهدة، غير أن الدول الحائزة للسلاح النووي ما أبرمت تلك المعاهدة إلا لمنع الدول الأخرى من تطوير سلاحٍ نووي وليس بغرض إفادة الدول غير الحائزة للسلاح النووي، حيث تُقصر المعاهدة –حال سريانها- حيازة السلاح النووي على الدول المالكة له بالفعل؛ ميزة يعوزها الإنصاف؛ مصلحة شخصية، أليس كذلك؟

يوضح لنا مفهوم المصلحة الشخصية السبب الكامن وراء عدم تقليص الدول الحائزة للسلاح النووي من أسلحتها، رغم أن النزع العام للسلاح النووي يعد أحد ركائز المعاهدة. ولنكن على علم أن تلك الدول قد حَدَّت من ترساناتها النووية في بعض الأحيان، ولكنها لم تحد من مخزونها إلا عندما وافقت دول أخرى على القيام بذات الأمر وعندما أدركت ما لهذا التخفيض المشترك من نفع عائد عليها. علينا ألا نجافي الحقائق، فالحد من السلاح النووي لم يحدث أبدا في ظل ظروف كتلك التي ذكرها تا مينه فيما يتعلق بالإعلان عن سياسة عدم البدء بالاستخدام، بمعنى قيام دولة ما بالحد من سلاحها النووي على اعتبار أن باقي الدول ستحذوا حذوها!

لا ينبغي الإعلان عن سياسةٍ لعدم البدء بالاستخدام إلا عندما توافق الدول الأخرى على الإعلان عن السياسة ذاتها كذلك (وكما أشرت سالفا، أنصح الولايات المتحدة بعدم تبني تلك السياسة حتى ولو وافقت الدول الأخرى على تبنيها). فمن السذاجة دون شك أن تتبني الولايات المتحدة سياسة عدم البدء بالاستخدام وتتوقع من باقي الدول أن تحذو حذوها. وليس لدى واشنطن ما يجعلها تتوقع التزام الدول الأخرى المسلحة نوويا بنفس الالتزامات التي فرضتها هي على نفسها، ما لم توافق قبلها جميع الدول الأعضاء بالنادي النووي على سياسة عدم البدء بالاستخدام. وليس من الحنكة أيضا أن نقول –على غرار ما كتب تا مينه- أن الولايات المتحدة ستقدم بإعلانها عن سياسة عدم البدء بالاستخدام "نموذجًا يُحتذَى للدول الأخرى الحائزة للسلاح النووي". لن يجد النموذج الجيد من يقتفي أثره!

جانب الصواب تا مينه أيضا عندما أشار إلى أن إعلان الولايات المتحدة عن سياسة عدم البدء بالاستخدام سوف "يزيد من هيبة الولايات المتحده". كيف إذن؟ تأتي الهيبة من امتلاك السلاح النووي في المقام الأول، ولا شك أن رغبة الولايات المتحدة في التمتع بتلك الهيبة هي أحد العوامل التي دفعت الدول إلى تطوير هذا السلاح.

ومما ذكر تا مينه أن النظام الدولي "يعتمد على احترام الالتزامات الوطنية والقانون الدولي وتنفيذهما". وبالطبع تحترم الولايات المتحدة الالتزامات الوطنية والقانون الدولي  لكونهما أمرين لا مناص عنهما لتحقيق السلام والاستقرار العالمي. لا مناص عنه ولكنه غير كافٍ، وهذا ما تتذرع به الدول بالضبط. فكلما زاد التسليح ضراوة، زاد النفوذ من وراء امتلاكه.

سياسة عدم البدء بالاستخدام: أولى الخطوات نحو تحقيق السلام

لم تعلن غالبية الدول الحائزة للسلاح النووي عن سياسات لعدم البدء بالاستخدام، وبات أمر تطبيق سياسةٍ عالميةٍ لعدم البدء بالاستخدام محالًا، والسؤال لماذا على واشنطن أن تنصرف عن الإعلان عن سياسة الاستخدام الأول للسلاح النووي؟

كان هذا المحور الرئيس الذي دارت حوله الجولة الثانية من نقاش زميل المائدة المستديرة ريماند خوسيه جي كويلوب, وسوف أرد على ما استعرضه بطرح سؤال من جانبي، إذا ما حدث واستمرت الدول الحائزة للسلاح النووي في ظل الحقبة النووية في تطوير سلاح نووي من أجل الحفاظ على أمنها، واستمرت من أجل تحقيق هذا الغرض في تجاهل النداءات الدولية التي تدعوا إلى الحد من المخاطر النووية، كيف يمكن التفاوض بشأن صكوك منها معاهدة منع الانتشار النووي ومعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية (لم تدخل حيز التطبيق بعد) ومحادثات ستارت 1 وستارت 2 (محادثات الحد من الأسلحة الاستراتيجية)؟ وبدون تلك المعاهدات، لن يتحقق على الإطلاق الحد من المخزون النووي الذي شهده العالم على مدى الثلاثين عامًا الماضية.

وحيث يتعلق الأمربالحديث عن التكنولوجيا التي تصل قدرتها التدميرية إلى نفس قدرة السلاح النووي، فحينئذ يجب اتخاذ الخطوة الأولى. ما قامت الدول التي وقعت على معاهدةٍ مثل معاهدة منع الانتشار النووي بهذا إلا لاعتقادها أن الدول الأخرى ستحذوا الحذو ذاته دفاعا منها عن السلام العالمي. وكان لهذا الاتجاه اعتباره على مر السنين.

ولنتيقن تمامًا من أن دول ككوريا الشمالية واسرائيل وباكستان قد رفضت الانضمام (أو انسحبت من) إلى بعض من أهم المعاهدات، ولكن ماذا إذا انسحبت واشنطن وبكين وموسكو من التزاماتهم النووية الدولية على أساس أن هذا العدد القليل من تلك الدول يصر على عدم الالتزام بمعاهدة منع الانتشار النووي؟ هل على واشنطن وبكين وموسكو الانتظار حتى تصير المعاهدة عالمية قبل أن تضع أي قيود على أنشطتها النووية، وماذا لو حدث ذلك، ماذا ستكون العواقب؟ لقد لعبت تلك القوى في واقع الأمر دورًا رئيسًا في تقدم عمليات منع الانتشار ووضع قيود على الترسانات النووية. ولن يحدث أبدا توقيع أية اتفاقات نووية جوهرية إذا ما تبنت تلك الدول سياسة الانتظار والترقب وحسب.

وفي ضوء ما سبقت الإشارة إليه، لماذا يجب على واشنطن أن تنتظر دولًا أخرى حائزة النووي حتى تعلن عن تبنيها لسياسات عدم البدء بالاستخدام كي تعلن هي عن تلك السياسة؟ لن يكون لإعلان قوة عظمى كالولايات المتحدة عن سياسة عدم البدء بالاستخدام وقعًا سوى زيادة هيبة الولايات المتحدة كما أنها ستقدم بإعلانها هذا نموذجا يُحتذَى للدول الأخرى الحائزة للسلاح النووي. 

وفي الوقت ذاته، يرى باريس تشانغ أن طوكيو وسيول "قد تبدآن في خوض غمار إنتاج وحيازة السلاح النووي" إذا ما انصرفت الولايات المتحدة عن سياسة الاستخدام الأول للسلاح النووي، إلا أن النظام الأمني الدولي بما فيه النظام الأمني بشرق وجنوب شرق آسيا لا يعتمد على "استعداد" الدول الحائزة للسلاح النووي لتوجيه الضربة الأولى، بل إنه لا يعتمد حتى على استخدام السلاح النووي. فعلى النقيض من ذلك، يعتمد النظام الأمني الدولي على احترام الالتزامات الوطنية والقانون الدولي وتنفيذهما. ويُضاف على ما سبق أن سياسة الردع النووي الموسعة لواشنطن تعني بداهةً أن الولايات المتحدة على استعداد لاستخدام السلاح النووي لحماية حلفائها إذا لزم الأمر. وقد تتضمن مظلة الردع الموسعة في بعض الأحيان البدء باستخدام السلاح النووي ولكنها لا تضمن أبدا الاستخدام الأول. لا يدخل الاستخدام الأول للسلاح النووي ضمن مظلة الرد الموسعة ولا أعتقد أن حلفاء الولايات المتحدة ومنهم اليابان وكوريا الجنوبية تصران على أن يدخل الاستخدام الأول ضمن مظلة الردع. ولن تتأثر التزامات واشنطن الأمنية تجاه حلفائها على الإطلاق بسياسة الاستخدام الأول من عدمه، ولا يمكن لأحد في دوائر صنع السياسات باليابان أو كوريا الجنوبية أن يتصور أن سياسة الولايات المتحدة لعدم البدء بالاستخدام -وفقا لمقولة تشانغ- ستكون   "مؤشرا على احتمالية تراجع الولايات المتحدة عن ضماناتها النووية". لا ينبغي الخلط بين الردع الموسع و واحتمالية الاستمرار في سياسة الاستخدام الأول، فالخلط بين الأمرين يؤدي إلى نتائج مضللة. وفي السياق ذاته، لا أري أي ارتباط ملموس بين سياسة عدم البدء بالاستخدام وبين النزاعات الإقليمية بآسيا، وبين -كما صاغها تشانغ- "سلوك" الصين "العدائي المتنامي في بحري الصين الجنوبي والشرقي"

لن يتسبب إعلان الولايات المتحدة عن سياسة لعدم البدء بالاستخدام في وضع نهايةٍ للتهديدات الخطيرة التي يفرضها السلاح النووي، إلا أنها تعد بلا شك خطوة جادة نحو بناء الثقة ونحو عالم أكثر سِلْما.



Topics: Nuclear Weapons

 

Share: