كيفية الحد من الأخطار النووية في جنوب آسيا

تبدو احتمالات نزع السلاح النووي في جنوب آسيا ضعيفة على المدى القريب. وفي ظل ترجيح فرضية أن الأسلحة النووية في شبه القارة لن يمكن التخلص منها قريبا، فما هي التدابير المتاحة للهند وباكستان والدول الخارجية والمنظمات الدولية التي يمكن أن تحد من مخاطر نشوء تراشق نووي في جنوب آسيا؟

Round 1

مشاركة الولايات المتحدة ضرورية للحد من أسلحة جنوب آسيا

حوّل ظهور السلاح النووي في جنوب آسيا الصراع الهندي-الباكستاني من شأن إقليمي إلى قضية عالمية. فحدوث تراشق بمائة سلاح نووي بين الدولتين قد يفضي إلى مقتل 20 مليون شخص خلال أسبوع، وقد يؤدي أيضاً إلى خفض درجات الحرارة العالمية بمقدار 1.3 درجة سلسيوس، ما يُعرض نحو ملياري شخص إضافي لخطر المجاعة.

لطالما تحدث العلماء الواقعيون عن أن منع استخدام الأسلحة النووية في الحرب الهندية الباكستانية يتطلب من الدولتين تحقيق الردع النووي المستقر. لكن تبين فيما يبدو أن إدراك هذا الهدف أمر بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلا، حيث خلفت التغييرات التي طرأت مؤخراً على العقيدتين النوويتين للهند وباكستان وعلى الاستراتيجيات التقليدية مزيداً من التقلب وعدم الاستقرار في  العلاقات النووية بين الدولتين. فعقيدة البداية الباردة التي يتبعها الجيش الهندي، على سبيل المثال، تتضمن تنفيذ هجمات تقليدية خاطفة – وقد أُطلقت هذه العقيدة رداً على هجوم إرهابي لمنظمة جهادية تتخذ من باكستان مقراً لها، ولا تهدف إلى استفزاز باكستان لاستخدام السلاح النووي لأول مرة. لكن باكستان تقول أنها سترد على أي هجوم قائم على عقيدة البداية الباردة بأسلحة نووية منخفضة القدرة.  

ومن المعروف أن الهند تحتفظ بـ"وضع الردع المعلق" – أي أنه خلال وقت السلام تكون الرؤوس النووية الحربية غير مقترنة بأنظمة التوصيل، كما أن الرؤوس الحربية ذاتها لا تكون مركبة بالكامل. وحسبما ذكرت ديبالينا غوشال الباحثة بمجموعة دلهي للسياسات، فإن الردع المعلق يسهم في تعزيز الاستقرار الاستراتيجي في العلاقات الهندية-الباكستانية. لكن فيبين نارانج المتخصص في العلوم السياسية بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، يرى أن الاعتقاد بأن الهند تحتفظ بأسلحتها النووية في حالة مفككة "خرافة إلى حد كبير الآن… ومن المحتمل أن تُنشر كل أنظمة الصواريخ النووية التي تمتلكها الهند في النهاية لتكون في حالة "معلبة" شبه جاهزة، وهذا بعيد كل البعد عن التصور السائد بأن الهند تختفظ بقوتها النووية في حالة معلقة نسبياً." في المقابل، تبدو أسلحة باكستان النووية جاهزة للاستخدام في أي وقت. ووفقاً للتقارير، فقد فٌوضت سلطة استخدام الأسلحة النووية خلال الأزمات الحربية مع الهند إلى قادة باكستان الميدانيين منذ عام 2000. لكن فات الوقت تماماً لاستخدام ردع معلق حقيقي الآن في جنوب آسيا، كما أن الردع النووي المستقر ربما يكون مستحيلاً في شبه القارة.          

وتتركز بدائل الردع المستقر في أمرين هما: تقليل المخاطر النووية والحد من الأسلحة النووية. وللأسف فإن سجل الدولتين فيما يتعلق بتنفيذ إجراءات بناء الثقة وتقليل المخاطر سيئ – وأي نظام قوي للحد من الأسلحة النووية سيواجه عوائق عدة من بينها العقبة الكؤود فيما يبدو المتمثلة في عدم الثقة المتعمقة بين الجانبين. في فبراير من عام 1999، شكل إعلان لاهور انفراجة مهمة في العلاقات الهندية الباكستانية، لكن "الحرب المصغرة" التي نشبت على إثر أزمة كارجيل في وقت لاحق من العام ذاته وأدت "روح لاهور". فهل يمكن إحياء هذه الثقة في عهد رئيسي الوزراء مودي وشريف؟ يمكن تحقيق هذا فقط إذا استطاع قادة الدولتين التغلب على المصالح الشخصية الضخمة في الداخل التي تدعم الإبقاء الدائم على الوضع الراهن.

في عام 2004، دشنت الهند وباكستان عملية سلام عرفت بـ"الحوار الشامل". ركزت هذه العملية على ثماني سلال من القضايا، من بينها كشمير، والإرهاب، وتهريب المخدارت، وإجراءات بناء الثقة، والتعاون الاقتصادي. وقد انهار الحوار الشامل بعد الهجوم الإرهابي على مومباي في 2008، وفشلت الدولتان في إحيائه عام 2015. ومن حينها والهند وباكستان "تفكران بما لا ينبغي التفكير فيه"، استعارةً لعبارة الاستراتيجي هيرمان كان. وأعني بهذه العبارة هنا أن كلتي الدولتين انخرطتا في معارك جدالية عقائدية حول "هيمنة التصعيد". وهذا التنافس العقائدي يغذي بشكل كبير احتمالية نشوء صراع نووي بين الهند وباكستان.

إن خطر استخدام أسلحة نووية في الحرب الهندية-الباكستانية القادمة هو خطر واقعي جداً، لكن بوسع الدولتين اتخاذ خطوات جادة وواضحة للتراجع عن حافة أرمجدون. يمكنهما إنشاء خط ساخن دائم بين رئيسي الوزراء ومديري عموم العمليات الحربية في البلدين. يمكنهما بدء حوار جاد حول عقائدهما النووية. يمكنهما إنشاء مراكز لتقليل المخاطر النووية يديرها مسؤولون من الجانبين. يمكنهما الاتفاق على أن تبلغ كل دولة منهما الأخرى عند تحريك الصواريخ داخل أراضي أي منهما لأغراض التدريب. كما يمكنهما التوقيع على اتفاق للمراقبة الجوية المشتركة على غرار معاهدة السماوات المفتوحة التي توصل إليها حلف النيتو ودول حلف وارسو في نهاية الحرب الباردة.

لكن إمكانية تراجع قطبي جنوب آسيا المتنافسين نهائياً عن حافة أرمجدون يتوقف على فرص التطبيع المستدام للعلاقات الثنائية. (حتى بدون تسوية رسمية لنزاع كشمير)، حيث يبدو التطبيع اليوم احتمالاً بعيداً نسبياً نظراً لاستمرار عدم الثقة بين الجانبين. كذلك تفتقد القيادة الهندية فيما يبدو الإرادة السياسية لتنفيذ "قفزة ثقة" ثانية (وهي عبارة ارتبطت برحلة رئيس الوزراء الهندي السابق أتال بيهاري فاجبايي إلى لاهور عام 1999) بإحياء الحوار الشامل مع باكستان.  لذا فمن المهم والضروري أن يحاول المجتمع الدولي – وعلى رأسه الولايات المتحدة – تخفيف التوترات ووضع نظام للحد من الأسلحة النووية في شبه القارة.     

توجد حالياً ثلاثة عوائق تقف في طريق تأسيس نظام جاد وواضح للحد من الأسلحة النووية. هذه العوائق هي: عدم وجود دبلوماسية أميريكية استباقية، و"إتقان الرياء" في شبه القارة (بمعنى أن كلاً من الهند وباكستان تقدمان مقترحات رغم يقينهما بأن الجانب الآخر لن يقبلها)، إضافة إلى المعارضة الداخلية لحل المشكلة النووية في كلتي الدولتين. في الهند، يمكن التغلب على المعارضة الداخلية فقط بالاستعانة بـ"جورباتشوف هندي"، أما في باكستان فالتغلب على المعارضة الداخلية ممكن فقط حال فقدان الجيش سيطرته على برنامج الأسلحة النووية.

لكن الهند وباكستان لا تعيشان على كوكب مختلف بمعزل عن الآخرين. فهما تخضعان للقيود الضابطة الخارجية، كما تجلى من خلال انصياعها للأمر الدولي بوقف التجارب النووية، والتزامهما حتى الآن بقاعدة "عدم الاستخدام" (حتى مع هشاشة الحظر النووي في جنوب آسيا). وإذا أمكن تقوية الحظر النووي على المستوى العالمي، سيكون من الممكن إجبار الهند وباكستان على التعامل معه بصورة أكثر جدية. ولكي أكون أكثر تحديداً، أقول بأنه لو تخلت الولايات المتحدة (كمتعهد رئيسي بإرساء القواعد والمعايير) عن مبدأ الاستخدام الأول للأسلحة النووية، وتبنت سياسة استباقية جديدة تهدف إلى تعزيز جهود الحد من الأسلحة النووية في جنوب آسيا، ستقل احتمالات التراشق النووي في جنوب آسيا.

ينبغي على الولايات المتحدة أن تراجع بشكل كامل نهجها في التعامل مع المواجهة النووية في جنوب آسيا. كما ينبغي عليها أن تتخلي عن سياستها الحالية المنحازة للهند، وأن تتبنى بدلاً من ذلك نهجاً متوازناً في التعامل مع العلاقات الهندية الباكستانية. ويُتصور أن يتضمن هذا النهج تحسين العلاقات مع باكستان – رغم أنه سيكون من الخطأ عرض صفقة نووية على باكستان تجعلها دولة نووية مقبولة ومعترف بها. بل ينبغي على واشنطن أن تعيد تفعيل قاعدة منع الانتشار النووي في جنوب آسيا بتجديد التفاوض حول اتفاقها النووي مع الهند، وفرض قيود على برنامج الهند للأسلحة النووية الذي فشلت إدارة بوش في التفاوض بشأنه.

كما ينبغي على الولايات المتحدة أن تمارس ضغوطاً دبلوماسية على كلتي الدولتين لبدء مفاوضات جادة بشأن الحد من الأسلحة النووية. وأقل ما يمكن تحقيقه في هذا الصدد أن تلتزم الهند وباكستان رسمياً بمعاهدة الحظر الشامل على التجارب النووية (بعد تصديق مجلس الشيوخ الأميركي على المعاهدة). في الوقت ذاته، يمكن أن تلعب المبادرة الإنسانية (وهو تحرك يسعى في الأساس للتوصل لمعاهدة تحظر الأسلحة النووية) دوراً كبيراً في إعادة قضية الحد من الأسلحة النووية إلى الساحة السياسية الداخلية في الهند وباكستان. وبوسع المنظمات غير الحكومية المناهضة للأسلحة النووية، سواء المحلية أو الدولية، بذل جهود مماثلة.  

إن المشكلة النووية القائمة بين الهند وباكستان لا تلائمها الحلول السريعة – لكن قد يكون الوقت المتبقى لعلاجها آخذ في النفاد. ولقد حان الوقت الآن لتدخل أميركي قوي وفعال قادر على مساعدة قطبي جنوب آسيا المتنافسين في إيجاد نظام قوي للحد من الأسلحة النووية، وقادر على إنقاذ الملايين من أرمجدون نووية.   

آن للهند وباكستان أن تسويا أزماتهما

عاشت الهند وباكستان قرابة عقدين تحت شبح الحرب النووية الدائم. ففي عام 1999، أي بعد عام واحد من إعلان امتلاكهما أسلحة نووية، تورطت الدولتان في أزمة كارجيل، والتي كانت عبارة عن نزاع تقليدي بدا خلاله احتمال حدوث تراشق نووي حقيقياً ومحدقا. ومنذ كارجيل، يتجدد تهديد التصعيد النووي مع كل أزمة. وبالتالي باتت شبه القارة في حاجة ملحة لنظامٍ لإدارة الأزمات يكون قادراً على منع التصعيد السريع من النزاع التقليدي إلى الحرب النووية. وليس مقبولاً أن نكتفي بالأمل في عدم نشوء أزمات جديدة. فالدولتان بينهما ماضٍ مضطرب، ولو أخذنا في الاعتبار نزاعهما المطول بشأن كشمير والإرهاب المتوغل في المنطقة عبر الحدود، فإن تعليق الآمال على عدم حدوث أزمات هو في الأساس ضرب من الحلم بالمستحيل.     

يتشكل سلوك كل دولة من الدولتين تجاه الأخرى – إلى حد ما – بإجراءات بناء الثقة التي تأسست عبر السنين، سواء قبل أو بعد عصر التسلح النووي. لكن هذه الإجراءات لا تمنع الأزمات، ولا حتى تساعد في إدارتها عند نشوبها بأي شكل من الأشكال. وبما أن احتمال نشوب الأزمات من حين لآخر أمر شبه مؤكد، فإن التركيز الأساسي للجهود الهادفة إلى الاستقرار النووي في جنوب آسيا ينبغي أن يكون منصباً على تطوير آلية لمنع التصعيد السريع من النزاع التقليدي إلى النزاع النووي عند وقوع أزمات بالفعل.

كفى أيها العم سام. منذ تسلحهما نووياً في عام 1998، شكلت كل من باكستان والهند ترساناتهما النووية بما يوافق احتياجاتهما وخططهما الاستراتيجية، وطورت كل دولة بنيتها الأساسية النووية، وواصلت تحديث أصولها النووية ونظم التوصيل النووي لديها. كما أُغرمت كل دولة منهما بفكرة الحرب النووية المحدودة. ووسط كل هذا، أدركت كل منهما مدى صعوبة منع التصعيد خلال أي أزمة.
كان يُطلب من الولايات المتحدة فعلياً كلما نشأت أزمة ذات أبعاد نووية أن تتوسط للتهدئة وممارسة إدارة الأزمة. فقد عهدت الهند وباكستان في واقع الأمر إلى الولايات المتحدة بالسيطرة على أي تصعيد. وأضحت واشنطن في نهاية الأمر بمثابة الرسول المعتاد لتسوية أزمات جنوب آسيا، رغم أنه لا سيطرة لها على القوى المحركة للردع الهندي-الباكستاني. وبسبب ركون الدولتين الصريح والمباشر إلى وساطة طرف ثالث، أضحت دولتا جنوب آسيا تعتمدان على التدليل الاستراتيجي الذي تقدمه قوة من خارج الإقليم.     

تواجه إسلام آباد ونيودلهي – سواء قبل الأزمات أو أثنائها – حاجة شديدة لقنوات تواصل وحوار مفتوحة. لكن الهياكل القليلة المتاحة اليوم هشة ومزعزعة ومعرضة للانهيار – وليس أدل على ذلك من عملية "الحوار الشامل" التي انطلقت عام 2004 لكنها انهارت في 2008 بعد هجمات مومباي.

في الوقت ذاته، فإن استمرار انخراط الولايات المتحدة في أزمات جنوب آسيا المستقبلية أمر ليس مؤكدا. وفي الحقيقة يستشعر بعض مراقبي القوى المحركة للتصعيد الإقليمي قلقاً كبيراً من الخطورة الشديدة المحتملة المترتبة على الانسلاخ الأمريكي – فلم يسبق للهند وباكستان أن عالجتا القوى المحركة لأزمة ما بمفردهما، فما الضمان لاستطاعتهما ذلك؟ وأنا حقيقة أتفهم هذا القلق، لكن في الوقت ذاته لن تستطيع الهند وباكستان أبداً أن تتعلما احتواء المخاطر النووية إذا استمرت واشنطن في إبداء قلقها من التصعيد نيابة عن الدولتين. بل ينبغي على الولايات المتحدة أن تشجع الجانبين بشكل فعال ونشط على تطوير آليات مشتركة لإدارة الأزمة، حتى تستطيع إسلام آباد ونيودلهي الوصول لبعضها، بدلاً من واشنطن، عندما تتطلب الأزمة القادمة تهدئة التصعيد.       

المسؤولية المشتركة.  في عام 1998، وهو العام الذي شهد دخول شبه القارة العصر النووي، اقترحت باكستان على الهند الانضمام إليها في اتفاقية سُميت بنظام ضبط النفس الاستراتيجي. وقد اشتمل هذا النظام على ثلاثة عناصر مهمة ومتشابكة هي: ضبط النفس نووياً، وموازنة القوى التقليدية، وحل النزاعات. مرت سنوات ولم يتم تعديل النظام ليشمل إدارة الأزمات الثنائية كعنصر أساسي ضمن تدابيره الواسعة الهادفة إلى تقليل المخاطر النووية. وللأسف عارضت الهند النظام ورفضت عناصره الثلاثة رفضاً قاطعاً – متحججةً في ذلك بأن قدرات نيودلهي العسكرية ووضع قواتها تُوجهها تقديرات أكبر للتهديدات تتعدى باكستان.        
 
وهذه حجة غريبة، لأن نشر الهند تشكيلات مدرعة على طول الحدود مع باكستان هو بالتأكيد إجراء موجه تحديداً إلى باكستان. وكذلك الأمر بالنسبة لعقيدة البداية الباردة الهجومية التي تتبناها نيودلهي، وهي مصمَمة لشن عمل عسكري سريع ضد باكستان لا يتجاوز عتبة إسلام آباد النووية. وربما أدركت الهند الآن مدى صعوبة تنفيذ عقيدة البداية الباردة فيما يتعلق بالعمليات الحربية. لكن هذا جاء بعد فوات الأوان: فقد استفزت هذه العقيدة إسلام آباد بالفعل ما جعلها تطور أسلحة نووية ميدانية.   

 وكان ينبغي على الهند أن تتقبل بروح سمحة أي اقتراح تقدمه باكستان، سواء نظام ضبط النفس النووي، أو بعض التدابير الهادفة إلى تطوير آليات لمنع وإدارة الأزمة. لكن من وقت أن سلكت الهند الطريق النووي، وهي تظهر كثيراً من التكبر والتعالي. فهي أحياناً تعامل باكستان وكأنها صنف من "الداليت (الحثالة) النووية" (والداليت هي الطبقة الأدنى في الهند وهي طبقة منبوذة) – فهي لا تستحق الاحترام والمعاملة بالمثل على المائدة النووية. إلا أن مسؤولية تعديل القوى المحركة الاستراتيجية في جنوب آسيا تقع على عاتق الهند وباكستان على السواء. فالدولتان معاً مسؤلتان عن الاستقرار الإقليمي. وطالما أخفق الجانبان في الاعتراف بأن تقديرات التهديد لديهما متبادلة ومتماثلة، ستظل فرص إرساء "استقرار استراتيجي مضمون من الطرفين" ضعيفة.

لن تستطيع الهند وباكستان تجاهل أو محو الجغرافيا. والسبيل الوحيد نحو الاستقرار الاستراتيجي – وهي مسؤولية مشتركة على أي حال – لن يكون إلا من خلال الحوار والتعاون.

نقطة أخيرة. تبدو احتمالات نزع السلاح النووي في جنوب آسيا على المدى القريب ضعيفة. ولن تكون احتمالات المدى البعيد أفضل حالاً حتى يتم الإسراع بعملية نزع السلاح النووي العالمي بداية من القمة، بمعنى أنه يجب على الدول النووية المعترف بها أن تبدأ بالوفاء بتعهداتها بشأن الاتفاق الذي يشكل أساس معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. ورغم أن الهند وباكستان لايزال بإمكانهما تحقيق الاستقرار النووي في شبه القارة من خلال العمل الجاد والرغبة في التعاون، فلن تستطيعا تحقيق نزع السلاح النووي العالمي بمفردهما. فتلك مهمة يجب أن تبدأ من جانب القوى النووية الكبرى.

ثلاث خطوات محددة نحو الاستقرار النووي في جنوب آسيا

تعمل الهند وباكستان دائماً على زيادة مخزوناتهما من المواد الانشطارية. وبينما تمتلك باكستان أسلحة نووية ميدانية تهدد بنشرها ضد الهند، تقترب نيودلهي من إكمال نشر مثلث نووي. ويمثل الفاعلون من غير الدول في جنوب آسيا تهديداً مستمراً بإمكانية وصولهم إلى أسلحة أو مواد نووية، ناهيك عن تكرار إطلاق نيران المدفعية على طول الحدود الهندية الباكستانية.   

لكل هذه الأسباب، يتطلب الوضع النووي في جنوب آسيا اهتماما. لكن مع استبعاد إمكانية أن تهديء كل من إسلام آباد ونيودلهي من وتيرة تطويرهما لأسلحة نووية في ظل العداوة والارتياب المترسخين بين الجانبين، هل يمكن أن يسهم أي تحرك او إجراء في الحد من المخاطر النووية المحيطة بالإقليم؟ الإجابة نعم ــ حيث تبرز هنا مبادرات ذات مسارات ثلاثة تمتاز بإمكانيات تعزيز الاستقرار النووي في جنوب آسيا. الأولي: يمكن لنيودلهي وإسلام آباد أن تشرعا في تعاون ثنائي في مجال الأمن النووي. الثانية: يمكن للجانبين – بمساعدة دولية – السعي لتحسين الأمن النووي السيبراني في الإقليم. كذلك تستطيع الهند وباكستان، بطريقة أو بأخرى، أن تلتزما بمعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية.    

تحسين الأمن النووي. من الأمور المثيرة للقلق باستمرار في جنوب آسيا إمكانية وصول الجماعات الإرهابية إلى المواد النووية، سواء بغرض استخدام هذه المواد في هجمات أو استخدامها كأوراق مساومة ضد نيودلهي أو إسلام آباد.
 
وفقا لمبادرة التهديد النووي ومؤشر الأمن النووي المنبثق عنها، تعتبر كلٌ من الهند وباكستان مقصرتين في حماية المواد النووية. لكن الشهور الأخيرة الماضية شهدت بعض الخطوات المبشرة. فقبل قمة الأمن النووي الرابعة والأخيرة، والتي انطلقت في مارس، صدقت إسلام آباد على تعديل 2005 الخاص باتفاقية الحماية المادية للمواد النووية. وفي القمة ذاتها، قدمت نيودلهي تعهدات بشأن التهريب النووي وقضايا أخرى ذات صلة. وفي يونيو الماضي، أعلنت الهند التزامها بمبادرة مهمة تُعرف بالبيان المشترك حول تقوية تنفيذ الأمن النووي.  

لكن لا تزال كل من الهند وباكستان تواجهان مخاطر بشأن أمن المواد النووية داخل أراضيهما. وقد يكون من المفيد للجانبين في هذا الخصوص التوصل لآليات تعاونية ثنائية لمعالجة هذه التحديات – إلا أن مثل هذا التعاون ضئيل للغاية اليوم. فالدولتان بحاجة لإطار عمل للتعاون في مجال الأمن النووي يشجعهما على تبادل أفضل الأساليب المطبقة والخبرات والمعلومات المخابراتية، إضافة إلى إجراء تدريبات مشتركة لإنفاذ القانون.   

ومما يدعو للتفاؤل وجود إطار عمل قائم بالفعل لإجراءات بناء الثقة يمكن قولبته في شكل آلية ثنائية لتحسين الأمن النووي. لكن لسوء الحظ، تتسبب الهجمات الإرهابية على الأراضي الهندية عادةً في توقف جهود بناء الثقة في شبه القارة. فلقد أفضت هجمات مومباي عام 2008 إلى تعليق إجراءات بناء الثقة النووية لسنوات عدة، كما أدى الهجوم على قاعدة باثانكوت هذا العام إلى جمود في المباحثات الثنائية حول عدد من القضايا. لذا بات من الضروري للهند أن تفصل استراتيجياً بين الأمن النووي والإرهاب، وإلا لن يمكن على الأرجح تحقيق تقدم ثابت على مسار الأمن النووي.

تعزيز الأمن السيبراني. تواجه شبه القارة حاجة ملحة لزيادة قدراتها في مجال الأمن السيبراني. فضعف البينة التحتية للأمن السيبراني يجعل المنشآت النووية عرضة للخطر – لا توجد لدى الهند أو باكستان تدابيرالأمن السيبراني القوية التي تتطلبها منشآتهما النووية. ورغم توصل الهند إلى سياسية للأمن السيبراني الوطني عام 2013، فقد عرضت هذه السياسة مجرد رؤية واسعة للأمن السيبراني دون وضع تلك الخطط المفصلة التي تتطلبها تهديدات الأمن السيبراني. أما باكستان فقد مررت قانوناً للأمن السيبراني في أغسطس، لكنه يركز على منع انتشار الأيديولوجية المتطرفة ومحاصرتها أكثر من حماية المواقع النووية.    

لا يمكن إنكار صعوبة تصور قيام تعاون بين باكستان والهند في مجال الأمن السيبراني في ظل الهجمات السيبرانية المتكررة المتدقفة عبر الحدود. كما أن أياً من الدولتين ليست لديها الموارد الاقتصادية الكافية لبذل تلك الاستثمارات الضخمة التي تتطلبها البنى التحيتة القوية للأمن السيبراني.  فاستباق سيناريوهات التهديدات الأخيرة يتطلب تحديثات مستمرة، ومن ثم فإن الأمن السيبراني أمر مكلف للغاية. ومع ذلك يمكن تحسين الأمن السيبراني في شبه القارة إذا ساعد المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، في ضمان تأمين المنشآت النووية في جنوب آسيا من هجمات على طراز ستكسنت " "Stuxnet ، على سبيل المثال، قد يشنها قراصنة أو مجموعات إرهابية. ولقد وقعت الهند والولايات المتحدة الشهر الماضي فقط اتفاقية تهدف إلى تعزيز التعاون بين الدولتين فيما يتعلق بأفضل الأساليب المطبقة في مجال الأمن السيبراني وكشف التهديدت السيبرانية.  وهذه الاتفاقية تمثل أول إطار من نوعه تضعه إحدى الدولتين (الهند وباكستان) في هذا المجال، ويمكن أن يسهم المزيد من مبادرات مشابهة في كل من الهند أو الصين في إحراز تقدم كبير نحو تحسين الأمن النووي السيبراني في جنوب آسيا.

رفض التجارب النووية. منذ مايو 1998، وهو الوقت الذي شهد أحد عشر تفجيراً نووياً هزت شبه القارة، لم تُجر الهند أو باكستان أي تجربة نووية. في المقابل، نجد أن أياً من الدولتين لم توقع على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية.    

في أغسطس الماضي، قدمت باكستان مقترحاً للهند عرضت فيه إرساء معاهدة ثنائية لحظر التجارب النووية لإضفاء الطابع الرسمي على التعليق الاختياري القائم بالفعل من جهة الدولتين للاختبارات النووي. ولا شك أن هذا كان تحركاً استراتيجياً، لكنه أيضاً كان يستوجب الترحيب. وحتى الآن لم تبد الهند إلا اهتماماً قليلاً بالاقتراح – رغم أن السعي إلى تحقيقه قد يساعد نيودلهي في محاولتها للفوز بعضوية مجموعة الموردين النوويين. فطموحات نيودلهي باقتناص عضوية أنظمة رئيسة مسيطرة على الصادرات النووية يستوجب منها أن تتبنى نهجاً جديداً في التعامل مع قضية التجارب النووية.    

ومن الأساليب التي يمكن أن تتبعها نيودلهي في هذا الصدد "محاكاة النموذج الفرنسي". فبموجب هذا السيناريو، يمكن لنيودلهي أن تتصرف تجاه معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية كما تصرفت باريس من قبل تجاه معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية – بمعنى أن ترفض رسمياً التصديق على المعاهدة، لكن تتصرف في الوقت ذاته كدولة موقعة. فمن شأن هذا النهج أن يسفر عن فوائد عدة، أولاها أنه سيضفي الطابع الرسمي على التزام نيودلهي القائم بعدم تجربة أسلحة نووية، وسيساعد على تبديد الصورة السائدة في الأذهان عن الهند "كدولة نووية منبوذة". وقد يساعد هذا نيودلهي في تحقيق هدفها طويل الأمد بالحصول على عضوية المجموعات المسيطرة على الصادرات النووية، بما في ذلك ترتيب فاسينار، ومجموعة أستراليا، ومجموعة الموردين الدوليين. ثاني هذه الفوائد التي قد تنتج عن هذا النهج أنه لن يخلق ضغوطاً داخل الهند لإجراء تجارب نووية إضافية. فالموافقة على التصديق على معاهدة الحظر الشامل للأسلحة النووية قدتخلق مثل هذه الضغوط، لاسيما في ظل ادعاءات بأن تجربة تفجير قنبلة نووية حرارية التي أجرتها الهند عام 1998 لم تحقق النجاح الكامل. ثالثاً، سيكون الالتزام باتفاقية الحظر الشامل للتجارب النووية دون التوقيع عليها متوافقاُ مع المقترح الباكستاني بفرض حظر ثنائي على التجارب النووية.

إن شبه القارة الهندية يهيمن عليها متنافسون نوويون بينهم نزاعات حدودية وتاريخ من الحروب. لذا فإن آفاق وفرص تحقيق الأمن في الإقليم قد تبدو غير مبشرة. لكن التاريخ يزودنا بأسباب للأمل. فمنذ تفجيرات هيروشيما وناجازاكي التي وقعت قبل أكثر من 70 عاما، لم تستخدم الأسلحة النووية في أوقات الحروب. وعندما دخلت الصين والاتحاد السوفيتي – وهما دولتان نوويتان – في نزاع تقليدي على طول نهر آسوري عام 1969، لم تتصاعد النزاعات إلى درجة التراشق النووي. فإذا كانت روسيا والصين، رغم حدودهما المشتركة الطويلة وعلاقاتهما المتوترة أحياناً، تستطيعان التعايش دون اللجوء إلى الأسلحة النووية، فلا نستبعد أن تحذو الهند وباكستان حذوهما. لكن في الوقت ذاته لا يمكن أن نلغي احتمالية الحرب النووية في منطقة مشحونة بالنزاعات بين ولاياتها. ويمتلك قادة نيودلهي وإسلام آباد أدوات تحت تصرفهم تمكنهم من المساعدة في إبقاء الصواريخ النووية بعيدة عن الأجواء. إن الأمن النووي والأمن السيبراني وحظر التجارب النووية هي عناصر قادرة على رسم السبيل إلى مستقبل أكثر استقراراً لجنوب آسيا.

Round 2

جنوب آسيا: ما وراء إدارة الأزمة

بدلاً من "كفى أيها العم سام" – وهو العنوان الفرعي الذي صاغته رابيا أختر للتعبير عن رأيها في مقالها الأول – أرى أن المشكلة في جنوب آسيا تكمن في عبارة معاكسة مفادها "أنت مقصر أيها العم سام".

تبدو أختر قلقة من عجز الهند وباكستان عن "الوصول إلى مرحلة النضج" وإنهاء اعتمادهما على إدارة الولايات المتحدة للأزمات النووية. وأنا أشاركها هذا القلق، لكن إن لم تجبر واشنطن كلاً من نيودلهي وإسلام آباد على وقف سباق تسلحهما النووي والتعاطي بجدية مع مسألة الحد من الأسلحة، فستواصل دولتا جنوب آسيا اللعب بالنار النووية. إن إفساح المجال للتجاذب الثنائي المحض، دون أي ضغط من جانب الولايات المتحدة، يعني طريقاً مسدوداً – انظروا مثلاً إلى عجز الدولتين عن احتواء الأزمة الحالية بشأن الهجوم على قاعدة يوري.  

إن ما تحتاجه الهند وباكستان هو مزيد من الانخراط الأميركي (بالتوازي مع جهود من أطراف متعددة لتقليل الأخطار النووية، سواء على المستوى العالمي أو في جنوب آسيا). ويجب أن يكون هدف واشنطن الأكبر في المنطقة نزع السلاح النووي. وقد يكون الحد من الأسلحة النووية خطوة أولى في ذلك الاتجاه.
 
 تزعم أختر أن تأثير الولايات المتحدة على طرفي الصراع في جنوب آسيا " أقل وضوحاً… مما يعتقده زميلاي في المائدة المستديرة حسبما يبدو". لكن في الحقيقة لا تزال باكستان تعتمد على المساعدات الأميركية الاقتصادية والعسكرية. وتستطيع الولايات المتحدة أن تستخدم نفوذها للتأثير على الهند –  والذي أصبح ممكناً بموجب الاتفاق النووي بين البلدين – لحثها على التنصل من عقيدة البداية الباردة التي يتبناها جيشها. في الوقت ذاته، تستطيع واشنطن ممارسة ضغوط أقوى على الجيش الباكستاني لإقرار وتفعيل عدم شرعية وضع كل الجماعات الإرهابية الجهادية المعادية للهند التي تعمل فوق الأراضي الباكستانية. حينها يمكن أن تخفف الهند ضغوطها العسكرية على باكستان، الأمر الذي سيمنح الباكستانيين شعوراً بمزيد من الأمن. عندئذٍ يمكن أن توافق إسلام آباد – تحت ضغط أميركي – على عدم نشر أسلحة نووية تكتيكية، مما قد يمهد للحصول على تعهد مماثل من الهنود. وقد يصل الأمر إلى "مبادرة تدريجية ومتبادلة لتخفيف التوتر" من النوع الذي حدده الاقتصادي وناشط السلام البريطاني كينيث بولدنج. وربما يفضي هذا في النهاية إلى تقليل مخاطرة التراشق النووي في جنوب آسيا بدرجة كبيرة.

ليس محكوماً على الهند وباكستان بأن تعيشا دائماً في حالة تشبه أزمة الصواريخ الكوبية. وأرى أن هناك ضوءًا في نهاية النفق، وهو ينبعث جزئياً من البيئات المحيطة الاجتماعية والمعيارية الدولية التي تؤثر على اختيارات الهند وباكستان النووية. ويمثل الضغط المعياري الدولي تحت قيادة الولايات المتحدة المفتاح لحل المشكلة النووية في شبه القارة. نعم، سيبلغ الخصمان المتنافسان في جنوب آسيا "مرحلة النضج" إن عاجلاً أو آجلا، لكن حقيقة "النضج" في الواقع تعني قبول القيود المعيارية على السلوك النووي.
 
لادليل؟ شككت أختر فيما ذكرته في الجولة الأولى بشأن  جاهزية أسلحة باكستان النووية في الظاهر للاستخدام في أي وقت، حيث ردت في الجولة الثانية بأنه "لا دليل" على صحة استنتاجي. لكن غالبية المحللين يتفقون على أنه منذ عامي 2001-2002، طورت كلاً من باكستان والهند عقيدتهما النووية باتجاه امتلاك أسلحة نووية جاهزة للاستخدام. ومنذ وقت مبكر، وتحديداً منذ عام 2001، تعتقد الولايات المتحدة أن باكستان تستطيع "على الأرجح تركيب بعض الأسلحة بسرعة معقولة". ووفقاً لبعض التقارير، فقد أكد الجنرال خالد كيداوي، الرئيس السابق لقسم التخطيط الاستراتيجي الباكستاني، هذا التقدير خلال مقابلتين مع مجموعة الخبراء الإيطاليين بمنظمة "ذا لاندو نتوورك-سنترو فولتا" في عامي 2002 و 2008. في المقابلة الثانية تحديداً، ذكر كيداوي بحسب التقارير أن أسلحة باكستان النووية "ستكون جاهزة عند الحاجة في أسرع وقت… المسألة ليست مسألة مسافة وإنما مسألة توقيت. والفصل مرتبط بالوقت أكثر من المساحة". وعلى حد قول سباستيان ميراجليا، وهو زميل باحث بالمعهد النرويجي لدراسات الدفاع، فإن نظام القيادة والتحكم في باكستان يتسم بالاندفاع – بمعنى أنه يخضع لسيطرة مركزية محكمة من هيئة القيادة القومية – خلال وقت السلم فقط، ولا يشتمل إلا على القليل جداً من ضوابط الحماية ضد الاستخدام النووي غير المصرح به خلال الأزمات العسكرية مع الهند.  في الوقت ذاته، كشف فيبن نارانج، الأستاذ بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، عن أن الصاروخ النووي الباكستاني "نصر" سيتم نشره في نهاية الأمر في حالة "معلبة" شبه جاهزة، وأن تدابير التحكم الإيجابي للنشر السريع للأسلحة النووية التي وضعها الجيش الباكستاني "قد تشمل التفويض المسبق للمستخدمين النهائيين في سلسلة القيادة بصلاحيات التحرك وإطلاق الأسلحة النووية وفق السيناريو المحتمل لانقطاع الاتصال وسط أي أزمة."

 بعد ذلك انتقلت أختر إلى نطاق أكبر لتدعي أني أحلل الصراع النووي الهندي-الباكستاني من "منظور الحرب الباردة". لكنني في الحقيقة أيدت في كتاب لي صدر مؤخراً بعنوان الدبلوماسية النووية الهندية الباكستانية النظرية التي قدمها بول كابور، الأستاذ بجامعة ستانفورد، والتي تنص على أن جنوب آسيا النووية لا تشبه أوروبا الحرب الباردة.  ولا شك أنه يمكن للهند وباكستان أن تتعلما من التجربة الأميركية-السوفيتية فيما يتعلق بعقد اتفاقيات للحد من الأسلحة النووية، لكن الحرب الباردة ليست النموذج الوحيد المتاح لتجربة الحد من الأسلحة النووية في جنوب آسيا. ولقد ذكرت بالفعل في كتابي أن الهند وباكستان يمكنهما التعلم من التجربة الأرجنتينية-البرازيلية في بناء الثقة النووية.
 

دبلوماسية جنوب آسيا يجب أن تقوم على الثقة

في أي أزمة بين الهند وباكستان، تكون الدبلوماسية الضحية الأولى. في الثامن عشر من سبتمبر الفائت، عندما هاجم مسلحون مقراً لقيادة لواء عسكري تابع للجيش الهندي في قطاع أوري من الجزء الذي تحتله الهند في كشمير، سارعت نيودلهي إلى إصدار إدعاءات متعجلة بمسؤولية باكستان عن الحادث.  وعلى جانبي الحدود بين الدولتين، اشتعل الحديث عن تلقين الطرف الآخر درسا. وأخذت وسائل الإعلام في كلتي الدولتين تؤجج النيران، وسرعان ما دارت حرب ادعاءات أفضت إلى تزايد التوترات على الجانبين. ومن قبح الواقع في جنوب آسيا أن أي أزمة متصاعدة في المنطقة قد تؤدي للحرب النووية.      

ولكي يسود العقل، يجب أن تُمنح الدبلوماسية فرصة عادلة – لكن لكي تؤدي الدبلوماسية دورها، لا بد من وجود الثقة. ولن توجد الثقة ما دامت الهند تلقي باللائمة على باكستان كلما استهدفها هجوم، وتدرس إجراءات انتقامية عقابية ضد إسلام آباد. بينما تتوقع نيودلهي في كل مرة أن ترضخ إسلام آباد وتتقبل عقوبتها بهدوء.   

وبدلاً من الخوض في هذا النوع من الصخب والترهيب، يجب أن يعمل كلا الطرفين على ضمان أن تظل قنوات الاتصال مفتوحة. ولقد طالب زميلي في المائدة المستديرة، ماريو كارانزا، بالفعل خلال الجولة الأولى بضرورة إنشاء خطوط ساخنة دائمة بين باكستان ونيودلهي. وعلى أية حال، توجد بالفعل ثلاثة من هذه الخطوط – نظرياً، إلا أن اثنين منها عُلقا نتيجةً للأزمات السابقة.   

لكن لا بد من تبادل المكالمات الهاتفية بين نيولهي وإسلام آباد، سواء عبر الخطوط الساخنة أوغيرها، في أثناء أي أزمة – وليس بين أي من تلك المدينتين وواشنطن. إذ أن التأثير الأميركي على شبه القارة أقل وضوحاً في أي حدث مما يعتقده زميلاي في المائدة المستديرة حسبما يبدو. وفي الحقيقة، لا أعتقد أن واشنطن لها أي تاثير يذكر على إسلام آباد. وكلما أسرعت نيودلهي إلى إدراك هذه الحقيقة، وكلما أسرع الطرفان إلى إدارة الأزمة داخليا بدلاً من تعهيدها إلى شركاء خارجيين، كان هذا أفضل للحوار الثنائي. إن استمرار الانخراط الأميركي الذي يؤيده زميلاي في المائدة المستديرة لن يؤدي إلا إلى دوام المعضلات الاستراتيجية والمذهبية التي تتسم بها العلاقات بين الهند وباكستان.      

ليست الحرب البادرة. لا بد أن أختلف مع توصيف كارانزا لوضع باكستان النووي. فقد كتب أن أسلحة باكستان "فيما يبدو جاهزة للاستخدام في أي وقت". كما ذكر أن هناك تقارير تشير إلى أن باكستان "فوضت للقادة الميدانيين الباكستانيين سلطة استخدام الأسلحة النووية خلال الأزمات العسكرية مع الهند". لكن ما من دليل يوحي بوجود مثل هذه السياسات. فلا توجد لدى باكستان استراتيجية الإطلاق عند التحذير فيما يتعلق بأسلحتها النووية. كما أن هيئة القيادة الوطنية تمارس سيطرة وتحكماً مركزيين في الأسلحة النووية، مهما كان مداها ومهما كانت قدرتها. أما الهند –  كما لاحظ كارانزا وهو محق في ذلك – فقد انتقلت إلى تعليب الأنظمة ذات المدى البعيد مثل نظام صواريخ أجني 5 العابر للقارات (وهذا يعني تزايد تحميل الصواريخ بالرؤوس النووية في الجانب الهندي).       

في الختام، أقول إن تفحص الحالة الهندية-الباكستانية من خلال منظور كمنظور الحرب الباردة، كما يفعل كارانزا في الأساس، يعني تمويه وإخفاء بعض التعقيدات الكامنة في الوضع بشبه القارة. وما قد نجح مع أطراف الحرب الباردة لن يجدي دائماً مع الهند وباكستان – كما سبق وأوضحت مع مؤلف آخر شارك معي في دراسة عنوانها: التعلم النووي في جنوب آسيا: مستويات التحليل. وهناك نجاحات يُحتفى بها على أنها نتاج للحرب الباردة، وتلك حقيقة، مثل مراكز تقليل المخاطر النووية، والحظر النووي، ومعاهدات الحد من الأسلحة التي تم التوصل إليها عبر التفاوض. لكن مثل هذه النجاحات لن تقلل بالضرورة الخطر القائم بين الهند وباكستان. فبالنسبة لجنوب آسيا، يجب أن يكون الهدف الاستقرار المضمون من الجانبين، ولن يتم تحقيق الكثير إذا لم تستطع الحكومتان إظهار الثقة الكافية لمعالجة التهديدات المشتركة المحيطة بالاستقرار الاستراتيجي.  

اختلفت الأزمة وبقيت الحاجة لواشنطن

نشبت أزمة جديدة بجنوب آسيا في الثامن عشر من سبتمبر الماضي عندما هاجم مسلحون موقعاً للجيش الهندي في الجزء الواقع تحت السيطرة الهندية من إقليم كشمير وقتلوا 18 جندياً. وعلى الفور، أعربت نيودلهي عن تشككها في تورط إسلام آباد في الهجوم، لتندلع حرب كلامية بين الجانبين. درست الهند خياراتها الاستراتيجية، وأعلن وزير الدفاع الباكستاني أن إسلام آباد لن تتردد في استخدام أسلحة نووية تكتيكية إذا هُدد أمنها. ولم تكن مفاجأة أن يسعى الجانبان لإشراك الولايات المتحدة في الأزمة، حيث طلبت نيودلهي معاقبة إسلام آباد اقتصادياً لدعمها الإرهاب، فيما طالبت إسلام آباد بوقف انتهاكات حقوق الإنسان في الجزء الواقع تحت السيطرة الهندية من إقليم كشمير.

اندلعت الأزمة الجديدة بعدما بدأ نشر مناقشات هذه المائدة المستديرة. ورغم ذلك، كانت مسألة المدى الملائم لإشراك الولايات المتحدة في أزمات جنوب آسيا إحدى القضايا المثارة في الجولة الأولى من مناقشات المائدة. فقد ذهبت رابيا أختر إلى أن الهند وباكستان يجب أن تتعلما حل الأزمات بمفرديهما – بدلاً من الاعتماد على "التدليل الاستراتيجي المقدم من قوة من خارج الإقليم". أما ماريو كارانزا فكتب أن انخراط الولايات المتحدة في جنوب آسيا مهم وضروري، بل وطالب في الحقيقة بدور أميركي أكبر. وأنا أميل للانحياز إلى رأي كارانزا. ففي منطقة تتعقد فيها العلاقات بين خصمين نووين، إحداهما دولة مفككة، بسبب فاعلين عنيفين من غير الدولة، يتطلب استقرارها أن تواصل الولايات المتحدة انخراطها.
 
ليس مجرد التفاعل فقط. تتشابه الأزمة الحالية في شبه القارة مع الأزمات السابقة من أوجه كثيرة. بيد أن هناك اختلافين رئيسيين يميزانها عن سابقاتها.
 
الأول: أن الأزمة الحالية تقع في وقتٍ تغير فيه واشنطن أولوياتها في آسيا. وتبدو في الأفق احتمالية توقف واشنطن عن دعم باكستان كحليف في "حربها على الإرهاب". فهناك مشروع قانون يناقشه الكونجرس الأميركي الآن قد يفضي إلى تسمية باكستان دولة راعية للإرهاب. كما أعلن البنتاجون في أوائل أغسطس الماضي أنه سيعلق مساعدات عسكرية لباكستان بقيمة 300 مليون دولار بسبب فشل إسلام آباد في مواجهة المسلحين الذين ينفذون عمليات في أفغانستان. كانت واشنطن في الماضي تقدم الدعم لإسلام آباد بشكل عام، رغم ريبتها من الحكومات الباكستانية، لأنها كانت تحتاج مساعدة باكستان كحليف، سواء في الحرب الباردة أو خلال "الحرب على الإرهاب". والآن تبدو واشنطن عازمة على الخروج عن هذا المسار وتأسيس محور استراتيجي جديد في آسيا – تنضم فيه الولايات المتحدة إلى الهند، واليابان، وكوريا الجنوبية في مواجهة روسيا، والصين، وباكستان، وكوريا الشمالية.   

الاختلاف الثاني هو تزايد احتمالية الاستخدام الفعلي للأسلحة النووية في جنوب آسيا على ما يبدو، إذ تعول باكستان بشدة على "نظرية الرجل المجنون"، وهو التكنيك الذي كان يستخدمه ريتشارد نيكسون لإرهاب أي خصم وإجباره على الخضوع من خلال تعمد الظهور بمظهر اللاعقلاني. وقد وجدت إسلام آباد نظرية الرجل المجنون مفيدة من جهتين، الأولي: درء أي احتمال لهجوم عسكري تقليدي تشنه الهند – تصريحات وزير الدفاع الباكستاني الأخيرة بشأن استخدام أسلحة نووية تكتيكية لم تكن الأولى من جهة إسلام آباد – والثانية: حصول باكستان على امتيازات من الولايات المتحدة. لكن في الوقت ذاته لا يمكن أن ننكر أن نفقات باكستان الكبيرة على الدفاع تغذي الوضع المتوتر. كما أن نيودلهي لم تعد "قوة متفاعلة"، حسبما صنفها خبراء كثيرون قبل ذلك. وفي السنوات الأخيرة، زادت الهند من دعمها للجماعات الساعية للاستقلال في إقليم بلوشستان الباكستاني –  أملاً في توجيه ضربة لإسلام آباد، لتشبه في ذلك إلى حد كبير ما تفعله باكستان مع الهند في محاولاتها لتوجيه ضربة لها من خلال دعم الجماعات الانفصالية في كشمير الهندية.  
    
لكن رغم تحقيق فوائد كثيرة من عقيدة البداية الباردة العسكرية التي تتبناها بالهند، لم تثبت نيودلهي بعد قدرتها العملية على تنفيذ ذلك النوع من الهجوم الذي تصوره البداية الباردة. وعند وقوع أي حدث، تقدر نيودلهي وضعها الدولي كـ"قوة مسؤولة" لدرجة كبيرة تجعلها حريصة على عدم تبديد تلك السمعة بعمل عسكري أحادي الجانب ضد إسلام آباد. على النقيض، فإن الدولة الباكستانية المتصدعة والمعزولة دبلوماسياً يمكن أن تبدأ حرباً نووية بسهولة كبيرة.

في الجولة الأولى فصلت الأسباب التي تبين تزعزع الوضع النووي في جنوب آسيا بدرجة كبيرة – كزيادة مخزون المواد الانشطارية، وضعف الأمن النووي، وغيرها من الأسباب. وقد اقترحت أن يلتزم الجانبان، بطريقة أو بأخرى، بمعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية كإجراء لتقليل التوترات  في الإقليم. إلا أنه نظراً للوضع الاستراتيجي في شبه القارة، ناهيك عن الأزمة الحالية، يبدو حظر التجارب النووية على الطرفين أمر مستبعد. وربما أمكن استبداله باتفاقية لحظر الاستخدام الأول على الجانبين. ويمكن أن تسهم اتفاقية كهذه ،حال تطبيقها، في وضع نهاية للحالة الراهنة التي يشكل فيها أي هجوم من أي جهة داخل أي من الدولتين مقدمة لمخاطرة تراشق نووي. لكن اتفاقية كهذه لن تتبلور دون مجهود من المجتمع الدولي، وفي مقدمته الولايات المتحدة بالطبع.   

Round 3

الواقع والخيال في جنوب آسيا النووية

تتحمل الهند وباكستان في الأساس مسؤولية حل أزماتهما، لكن تسليح شبه القارة نوويًا أفضى إلى تدويل نزاعاتهما. فلم تعد التوترات في جنوب آسيا شأنًا مقصورًا على الإقليم، نظرًا للعواقب الإنسانية الكارثية المحتملة التي قد يواجهها العالم بأسره حال حدوث تراشق نووي في جنوب آسيا.

أشرت في مقالي بالجولة الثانية من المائدة المستديرة إلى ضرورة أن يكون "نزع السلاح النووي في المنطقة" هدف واشنطن الأكبر كجزء من جهود أطراف متعددة "لتقليل الأخطار النووية سواءٌ على المستوى الدولي أو في جنوب آسيا". وتدعي زميلتي في المائدة المستديرة رابيا أختر أن هذا القول أشبه بـ "العيش في أرض الخيال"، لكني لا أجد في طرحي هذا أي وجه من أوجه الخيال. فمنذ خطاب باراك أوباما الذي ألقاه في براغ عام 2009، بات "السلام والأمن في عالم خالٍ من الأسلحة النووية" سياسة أميركية رسمية. كذلك تبنت الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن في العام ذاته هدف إيجاد عالم خالٍ من الأسلحة النووية.      

تحاول أختر تفنيد أفكاري "الخيالية" بقولها إن " الاختيارات قد حُددت بالفعل" – وتعني هنا بشكل أساسي أن الهند وباكستان قد قررتا البحث عن الأمن في الأسلحة النووية، مع البقاء خارج نظام عدم الانتشار النووي. لكن مثل هذه الخيارات ليست نهائية أو غير قابلة للرجوع عنها. ولا شك أن الهند وباكستان ليستا على وفاق مع الغالبية العظمى من الدول، التي أعلنت رفضها للأسلحة النووية، وأن خصميّ جنوب آسيا هما من يتصرفان وكأنهما يعيشان في "أرض خيال" – وهي أرض خيال "واقعية" خادعة وخطيرة. 

ورغم اعتراف الولايات المتحدة الأميركية بالهند وباكستان كدولتين نوويتين فعليًا، فإن غالبية المجتمع الدولي لم يعترف بهما. في عام 1998 مثلًا، أقر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بالإجماع القرار 1172، الذي طالب الهند وباكستان "بالوقف الفوري لبرامج تطوير الأسلحة النووية القائمة في الدولتين". وتدفع الهند بالفعل ثمنًا لتجاهلها نظام عدم الانتشار النووي، بعد أن رُفض طلبها لعضوية مجموعة الموردين النوويين في يونيو/حزيران الماضي لأسباب كان أبرزها "إصرار بعض أعضاء المجموعة على تصديق الهند على معاهدة عدم الانتشار النووي كدولة غير نووية قبل قبولها عضوًا في الموردين النوويين".

ذهبت أختر أيضًا – ومعها جاييتا ساركار –  المشاركة الثالثة في هذه المائدة المستديرة – إلى أن قدرة واشنطن على التأثير على دبوماسية الهند وباكستان النووية محدودة.  وقد يكون هذا صحيحًا فقط إذا واصلت الإدارة الأميركية القادمة سياسة أوباما التي تراعي الحساسيات الهندية. فبوسع واشنطن أن تعظم نفوذها إذا تبنت "مقاربة متوازنة في التعاطي مع العلاقات الهندية-الباكستانية" وحسنت علاقاتها مع باكستان. وربما تدعي أختر أن "واشنطن لم يكن لها أبدًا تأثير كبير على الهند"، لكن الحلفاء دائمًا يعطون الشريك الأقوى أفضلية على الشريك الأدنى. وهو ما ينطبق على الشركة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والهند.      

وينحصر الخيار الذي يواجه الفاعلِين الرئيسيين في دراما جنوب آسيا النووية في أمرين: إما الاستمرار على نفس النهج، أو التغيير وتجربة شيء مختلف تماما. وفي الواقع، لم يُجد المنهج القديم نفعًا بالنسبة لباكستان، كما يمكن القول بأنه يكن ناجحًا بالنسبة للهند أو الولايات المتحدة أيضًا. لذا ينبغي على الولايات المتحدة أن تتحرك في جنوب آسيا من تركيز مقصور على محاربة الإرهاب والجغرافيا السياسية إلى تركيز على حل الصراع والحد من الأسلحة النووية. كما ينبغي أن تتبنى السياسة الجريئة التي أطلقها أوباما في مقابلة صحفية مع مجلة تايم عام 2008 – وهي "التعاون مع باكستان والهند لمحاولة حل أزمة كشمير بطريقة جادة". (تخلت إدارة أوباما نفسها عن هذا النوع من النهج الاستباقي تحت ضغط من اللوبي الهندي في واشنطن). ورغم ادعاء أختر بأنني لم أُظهر "دقة تاريخية" عندما أشرت إلى ضرورة أن تحث واشنطن الهند وباكستان بقوة على التعاطي بجدية مع قضية الحد من الأسلحة النووية،  فقد كانت هناك سابقة تاريخية لتعامل أمريكي جريء مع الصراع الهندي-الباكستاني في عام 1963، حينما رعت إدارة كينيدي ست جولات من المفاوضات بشأن النزاع على كشمير.    

لن يمكن التخلص من الأسلحة النووية في شبه القارة بين عشية وضحاها. لكن يمكن تقليل الأخطار النووية في جنوب آسيا إذا تبادل الجانبان المعلومات بشأن عقائدهما النووية، وتعاونا لتحسين الأمن النووي والسيبراني، وأقاما مراكز لتقليل المخاطر النووية. كما ينبغي على نيودلهي وإسلام آباد الشروع في إجراءات ضرورية وملحة للحد من الأسلحة النووية، مثل إبرام اتفاقية ثنائية لحظر الاستخدام الأول، وحظر التجارب النووية من الجانبين –  مع فصل هذه الإجراءات عن مسألة التوصل لحل نهائي للنزاع على كشمير. ولدى باكستان حوافز قوية للمبادرة إلى الشروع في هذه الخطوات.  فلو استمرت اللعبة النووية المجنونة الحالية لأجل غير مسمى، ستكون خسائر إسلام آباد اكبر من خسائر نيودلهي من ناحيتي الأمن والموارد الاقتصادية المهدرة. لكن من مصلحة الجانبين في نهاية الأمر إحياء "روح إعلان لاهور" المعلن عام 1999 – مع تأسيس جبهة موحدة لمواجهة كل أشكال الإرهاب في المنطقة.

الهند وباكستان: بعيداً جداً عن كانساس

لم تعد الولايات المتحدة تتمتع بنفس التأثير الذي كان لها على باكستان في الماضي. ولم يكن لواشنطن قط تأثير كبير على الهند. لذا فإن فكرة زميلي في المائدة المستديرة ماريو كارانزا بشأن قدرة واشنطن على "إجبار" نيودلهي وإسلام آباد على "وقف سباقهما للتسلح النووي والتعاطي بجدية مع قضية الحد من الأسلحة النووية" – حتى في ظل قيام الولايات المتحدة ذاتها بتحديث ترسانتها النووية – تفتقر إلى الصرامة والدقة التاريخية.
    
إن الحجة التي سقتُها ضد التدخل الأميركي المفرط في جنوب آسيا تحت عنوان "كفى أيها العم سام" لا تعني أنني أميل إلى إقصاء الولايات المتحدة تماماً من المعادلة الهندية-الباكستانية. بل ربما لاتزال هناك عقود قبل أن يتلاشى دور واشنطن كقوة خارجية في جنوب آسيا.  إنني فقط أشير إلى أن التدخلات الأميركية المبكرة في أزمات جنوب آسيا تشجع الجانبين على استكشاف خيارات الحرب المحدودة (حتى مع ترحيب الهند وباكستان تاريخياً بمثل هذه التدخلات).

يقول كارانزا إنه يجب على واشنطن أن تجعل "نزع السلاح النووي هدفها الأكبر في المنطقة". وربما وافقته الرأي لو كنا نعيش في أرض الخيال، لكننا لسنا كذلك. فالاختيارات  قد حُددت، وهو ما انعكس بالفعل في قرارات نيودلهي وإسلام آباد بالوقوف خارج نظام عدم الانتشار النووي – وهي في جوهرها قرارات بعدم قبول النفاق المنظم. تنعكس هذه الاختيارات أيضاً في تغيير باكستان لنماذج تحالفها، في ظل تقارب الصين وروسيا مع إسلام آباد.  أما الهند، فقد رفضت من جانبها وضع كل بيضها الاستراتيجي في سلة الولايات المتحدة، رغم إنجاز الاتفاق النووي بين الدولتين ودعم  واشنطن القوي لعضوية الهند في مجموعة الموردين النوويين. لقد ولى ذلك العهد التي كانت فيه القيادة الأميركية "المفتاح" لحل مشكلات شبه القارة، بحسب  تعبير كارانزا. وصدقت دوروثي حينما قالت في فيلم ذا ويزارد أوف أوز: إننا لم نعد في كانساس. ولن نكون مجدداً.        

ليست هشة ولا معزولة. أكتب مقالي هذا مباشرةً عقب الهجوم الانتحاري المروع على مركز لتدريب الشرطة في كويتا، الواقعة في إقليم بلوشستان الباكستاني، والذي راح ضحيته أكثر من 60 طالباً بكلية الشرطة. لذا فإني أتفهم سبب مقولة زميلتي جاييتا ساركار بأن "دولة باكستان الهشة قد تنهار". وربما يتعجب المتابع للأوضاع عن بُعد كيف لاتزال باكستان قائمة حتى اليوم.

لكن من المهم أيضاً أن نلاحظ قدرة باكستان على التعافي بسرعة من الإرهاب. من المهم أن نعطي باكستان حقها بعد عملية ضرب الغضب العسكرية التي قضت على مخابيء الإرهابيين في شمال وزيرستان. إن باكستان دولة مرنة، والدول المرنة ليست هشة. وهذا يستوجب الاعتراف.

تُرجع ساركار "هشاشة" باكستان إلى عزلتها المزعومة. وقد رُوج في الهند لرواية العزلة الباكستانية منذ هجوم يوري المسلح على موقع عسكري هندي في 18 سبتمبر. لكنه إدعاء يفتقر إلى الدقة. فقد استشهدت ساركار، على سبيل المثال، بمؤتمر رابطة جنوب آسيا للتعاون الإقليمي الذي كان مقرراً في باكستان في نوفمبر، حيث أُرجئ المؤتمر نظراً لانسحاب بعض الدول. لكن هذا دليل ضعيف للغاية على عزلة باكستان – حيث تُلغَى القمة تلقائياً حتى لو انسحبت دولة واحدة. في الوقت ذاته، نجد أدلة كثيرة تفندادعاء العزلة الباكستانية. فهناك مثلاً الممر الصيني-الباكستاني الذي يستعد لجذب استثمارات بقيمة 150 مليار دولار – ولا تقتصر هذه الاستثمارات على الصين "صديقة" باكستان، فإيران هي الأخرى مهتمة بالاستثمار في هذا الممر، وقد تجد ترحيباً من بكين وإسلام آباد. كما نفذت القوات الروسية والباكستانية في سبتمبر الماضي أول تدريبات عسكرية مشتركة بينهما في تاريخهما. كذلك اعترف فريق من صندوق النقد الدولي، عقب زيارته إسلام آباد مؤخرا، أن باكستان نهضت من أزمتها الاقتصادية، وفي طريقها لبدء الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة. فهل هذه عزلة؟ فكّري مرة أخرى.

ربطت ساركار أيضاً خطر "انهيار" باكستان باحتمالية الانتشار النووي. وقفد فقدت مثل هذه الحجة قوتها منذ زمن طويل. فليس هناك أسهل من استحضار اسم عبد القدير خان – و"تسليط الضوء عليه بشكل مبالغ فيه" – عند الترويج لقضية باكستان والانتشار النووي. لكن لماذا يكون من الصعب جداً الإشادة بباكستان على الخطوات التي اتخذتها لمنع ظهور شبكة عبد القدير خان النووية 2.0 ؟

ليس أمام باكستان إلا طريق واحد لتسلكه – المضي قدما. وللهند أن تتمنى لباكستان النجاح والرخاء، أو الفشل والفوضي. ليست هناك خيارات أخرى. ولن يفيد حوار سياسي مُجمد أياً من البلدين.  

أتفق مع ساركار على حاجة الهند وباكستان لإجراء حوار ثنائي بهدف تحقيق الاستقرار النووي – لكن الاستقرار النووي في جنوب آسيا ليس شيئاً واحدا، إنه مزيج من الاستقرار السياسي، واستقرار الردع، واستقرار الأزمة. وطالما أن البيئة السياسية ذاتها في البلدين غير مستقرة، فلن يمكن تحقيق استقرار الردع أو استقرار الأزمة.

خلاصة القول أنه يجب على الهند وباكستان أن تتحاورا، مهما كان الثمن.

التوترات النووية في جنوب آسيا: عودة إلى القضايا الجوهرية

على مدار الشهر الماضي، وبينما كانت مناقشات هذه المائدة المستديرة قد انطلقت، بدت جنوب آسيا أحياناً على شفا الحرب. في الثامن عشر من سبتمبر، قتل مسلحون 18 جندياً هندياً في الهجوم على قاعدة يوري بالجزء الواقع تحت السيطرة الهندية من كشمير. بعدها بدأ التجاذب بين نيودلهي وإسلام آباد بشأن ما إذا كانت الهند ردت على الهجوم بضربات جراحية على الأراضي الباكستانية (حيث أكدت الهند ذلك، بينما أنكرت باكستان). بل إن الجانبين تنازعا أحياناً حول التعريف الدقيق لـ"الضربات الجراحية".

في هذه الأثناء، انشغل شريكاي في المائدة المستديرة بفحص العلاقات الهندية-الباكستانية من منظور أحادي في الأساس – وهو التدخل الأميركي في المنطقة.

لاشك أنه عندما تتفجر توترات بين خصمين مسلحين نووياً في منطقة معرضة لاشتعال الصراعات، فمن الطبيعي أن يكون هناك دور إقليمي لقوة عظمى. لكن زميليّ رابيا أختر وماريو كارانزا صوّرا دور واشنطن في جنوب آسيا بعبارات ومواقف متباينة بشكل صارخ: طالبت أختر الولايات المتحدة بالانسحاب، بينما حث كارانزا واشنطن على التصرف كوالد مفرط في الاهتمام لخصمي جنوب آسيا. ولايبدو أن أياً من أختر أو وكارانزا يضع في حسبانه تغير الواقع الجيوسياسي – فالولايات المتحدة بعد أن أصابها الإحباط من أداء إسلام آباد المتقلب فيما يتعلق بمحاربة الإرهاب، زاد تقاربها مع نيودلهي بصورة ملحوظة. ولقد ذكرت في مقالي الثاني أن واشنطن تبدو الآن مستعدة لـ "تأسيس محور استراتيجي جديد في آسيا – تنضم فيه الولايات المتحدة إلى الهند، واليابان، وكوريا الجنوبية في مواجهة روسيا، والصين، وباكستان، وكوريا الشمالية". إنني مازلت مصراً على هذا التقدير، بل أود أن أضيف أنه بينما تواجه واشنطن مخاطر كثيرة في أفغانستان، وفي الحرب على إرهاب الإسلاميين بصورة قد تضطرها للانسحاب من جنوب آسيا في أي لحظة، فإن لدى الولايات المتحدة أيضاً التزامات كثيرة في مناطق كشمال شرق آسيا، والشرق الأوسط، والقرن الأفريقي بصورة تدعوها لزيادة تدخلها في جنوب آسيا بقدر أكبر من المستويات الحالية. لذا قد يكون من الأنفع البحث في الخطوات العملية التي يمكن أن تمنع التصعيد المتعمد أو غير المتعمد للصراعات الثنائية وتحويلها من تقليدية إلى نووية، بدلاً من التركيز على دور واشنطن في منطقة جنوب آسيا.        

وبنظرة مختلفة للأشياء من زاوية مغايرة، قد يتساءل المرء عن كيفية  منع باكستان من الانهيار. للأسف يبدو واقعياً اليوم أن الدولة الباكستانية الهشة عرضة للانهيار، الأمر الذي سيؤدي إلى صعود تيار الإسلاميين الإرهابيين، وبالتالي زعزعة استقرار المنطقة.  يبدو هذا الخطر الآن على وجه الخصوص شديداً بسبب العزلة الإقليمية التي تعاني منها باكستان – فقد أوقفت واشنطن الدعم الذي اعتادت أن تقدمه لإسلام آباد، كما أُرجئت قمة للتعاون الإقليمي كان مقرراً عقدها في باكستان في نوفمبر إلى أجل غير مسمى، بعد أن اختار عدد من دول جنوب آسيا مقاطعتها، إضافة إلى تنامي التوترات بين الجيش الباكستاني وقيادته المدنية.

كما أن انهيار باكستان قد يفضي إلى مفاقمة مخاطر الانتشار النووي – وهنا نتساءل: هل يمكن أن تصبح باكستان كدولة فاشلة مزوداً رئيساً بالأسلحة النووية أو المواد المشعة للأنظمة غير المستقرة؟ يبدو السجل الباكستاني فيما يتعلق بالانتشار النووي معيباً، وأوضح مثال على ذلك شبكة عبد القدير خان. ومن مباعث القلق الكبيرة في هذا الصدد تلك الروابط الوثيقة تقليدياً بين إسلام آباد والمملكة العربية السعودية – إضافة إلى علاقة الرياض المتشعبة مع واشنطن، واهتمامها المعروف بامتلاك أسلحة نووية. كما أن التقارير الأخيرة بشأن احتمالية مساعدة إسلام آباد لكوريا الشمالية في برنامجها النووي تدق مزيداً من نواقيس الخطر. إن تحاشي أي انهيار محتمل لباكستان أهم بكثير من التركيز على تحديد مستوى التدخل الأميركي في جنوب آسيا بدقة.

في مقالي الأول، حددتُ خطوات ثلاث جوهرية يمكن للهند وباكستان معاً أن تتخذاها للسعي نحو تحقيق الاستقرار الإقليمي في المنطقة. شملت تلك الخطوات التعاون في مجال الأمن النووي، وتحسين بيئة الأمن السيبراني في المنطقة، والتعهد المشترك بعدم إجراء تجارب نووية إضافية. أدرك أنه سيكون من الصعب تبني خطوات كهذه في ظل التواترات القائمة بين البلدين، لكنها ليست مستبعدة بالكامل. فرغم انتقاد باكستان للهند مؤخراً لعدم ردها على مقترح إسلام آباد بفرض حظر علي التجارب النووية في البلدين – وهي مبادرة رفضها الإعلام الهندي عموماً ووصفها بالهزلية – لم تظهر نيودلهي اهتماماً بمقترح حظر التجارب النووية، بينما تصر هي الأخرى على توقيع اتفاقية ثنائية لمنع الاستخدام الأول للأسلحة النووية كشرط مسبق. وقد تكون مثل هذه الاتفاقية في الحقيقة مرتكزاً للمضي قدماً نحو تحقيق الاستقرار بشبه القارة.

علاوة على ذلك، فإن التقارير غير المؤكدة بشأن انتهاء نيودلهي من تطوير ثلاثية نووية جاهزة للعمل يحتم على الهند أن تتصرف كقوة نووية مسؤولة. وهذا يعني اتخاذ خطوات معينة وذات مصداقية، سواء ثنائية او أحادية الجانب، مثل إرساء نظام لحظر التجارب، وفرض إجراءات أقوى لحماية الأمن النووي، وتعزيز الأمن السيبراني للمؤسسة النووية الهندية. وقد تكون مثل هذه الخطوات متسقة مع طموحات الهند طويلة الأمد الرامية إلى دخول أنظمة مراقبة الصادرات النووية متعددة الأطراف – دون التوقيع على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.    



Topics: Nuclear Weapons

 

Share: