ما الدور المنوط بالصين في النظام النووي؟

إذا ما استمرت القوة الاقتصادية والعسكرية للصين في التنامي كما كان عليه الحال في الأعوام الأخيرة، فإنه من المتوقع أن تلعب بكين دوراً أكثر فعالية في مواجهة التحديات الجيوبوليتكية، بما فيها تحديات نزع السلاح النووي ومنع انتشاره. هل يتلاءم الدور الذي تلعبه الصين حاليا في الساحة النووية مع ظروفها المحلية، وكيف يجدر ببكين مواجهة نزع السلاح ومنع انتشاره في ظل ازدياد قوتها وأمنها؟

تابعونا على الفيس بوك:

Bulletin of the Atomic Scientists: اللغة العربية

تابعونا على تويتر:

@Bulletin_Arabic

Round 1

بكل رعونة تُعَوِّل الصين على نزع السلاح

قد ترفع القدرات الاقتصادية والعسكرية المتنامية للصين مستوى التوقعات في الولايات المتحدة، إلا أن الحزب الشيوعي الصيني لا يحمل ذات النظرة بل يعتبر قدرته على مواجهة التحديات الجيوبوليتيكية بما فيها نزع السلاح النووي متواضعة للغاية.

حدود النمو. تعد الحكومة الصينية مسئولة عن حياة ما يقرب من خمس سكان العالم. ووفقا لإحصاءات البنك الدولي، تحتل الصين المركز الحادي والسبعين بين جميع الدول في إجمالي الناتج المحلي للفرد. ويرى قادة الصين أن العدد الهائل للسكان يقيد تقييدًا ملحوظًا القدرات الاقتصادية للدولة، كما يتمنى قادة الصين أن لو كان شركاؤهم في الولايات المتحدة أكثر تفهما لهذا الأمر.

دفعت المعوقات الديموغرافية التي تحول دون تحقيق تطلعات الصين الاقتصادية طويلة المدى الحزب الشيوعي الصيني إلى تثبيت النفقات العسكرية عند ما يقرب من 2% من إجمالي الناتج المحلي وهي النسبة التي حافظت عليها الصين منذ عام 1988. وقد سمحت المعدلات المرتفعة نسبيا للنمو الاقتصادي السنوي بحدوث زيادة سنوية مماثلة في معدلات الإنفاق العسكري، إلا أنه نظرا لحالة النضج التي يمر بها الاقتصاد الصيني وبالتالي تراجع معدل النمو فإنه من المحتمل أن تتعرض النفقات العسكرية لنفس الموقف.

ضرورة وليس رفاهة. يدرك قادة الصين أن مشاركتهم في المفاوضات الدولية للحد من السلاح النووي لا يتوقف على وصول الصين إلى مستوى معين من التقدم الإقتصادي أو العسكري، فهم يدركون أن التقدم الاقتصادي والعسكري مطلوبا بموجب بنود معاهدة منع الانتشار النووي، فقد كان لزامًا على الصين كي تتمكن من الانضمام إلى معاهدة منع الانتشار النووي في عام 1992 أن "تجري المفاوضات بحسن نية" بشأن "معاهدة للنزع العام والتام للسلاح النووي"، وهو الالتزام الذي شاركتها فيه الدول الأخرى الأربع (الولايات المتحدة وروسيا والمملكة المتحدة وفرنسا) المسموح لها مؤقتا بحيازة سلاح نووي.

لا تفي الصين بكل المقاييس بهذا الالتزام، كما لا تفي به كافة الدول الحائزة للسلاح النووي. فقد كانت المفاوضات الناجحة بشأن معاهدة الحظر الشامل للاختبارات النووية والتي فُتِح باب التوقيع عليها في 1996آخر الخطوات الجوهرية التي تم اتخاذها بشأن نزع السلاح الذي تعهدت به الدول الحائزة للسلاح النووي. ولا زالت الصين ترفض التصديق على المعاهدة. ويرى الخبراء الصينيين في مجال الحد من السلاح النووي أن حكومتهم تنتظر تصديق الولايات المتحدة أولا على المعاهدة (وقعت الولايات المتحدة على المعاهدة، إلا أن مجلس الشيوخ لم يصدق عليها بعد)، ما يعني أن قادة الصين قليلي الطموح فيما يتعلق بأداء دور رائد في مواجهة تحدي نزع السلاح النووي.

وهذا ما يدعوا للأسف، حيث تُبقِي الصين لديها على ترسانة نووية صغيرة نوعا ما تحتفظ بها خارج حالة التأهب. ولا زالت القيادة تلزم نفسها بسياسة عدم البدء بالاستخدام التي أعلنت عنها الصين عقب إجرائها الاختبار النووي الأول لها. وتخول تلك السياسات للصين المطالبة بدور القيادة في عمليات الحد الدولي من السلاح النووي.   

القيادة أو الخسارة. قد لا يكون قادة الصين على دراية بأن طريقتهم السلبية في التعامل مع نزع السلاح النووي تعد عائقا دبلوماسيا متزايدا، حيث تساور الشكوك المحللين الدفاعيين وصناع السياسة في واشنطن وطوكيو وعواصم أخرى محلية بشأن عدم استعداد الصين للقيام بدور أكثر فعالية في محادثات نزع السلاح النووي متعددة الأطراف، وذلك نظرا لأنها تعد لبناء ترسانتها النووية ووضع قواتها النووية على درجة تأهب عالية أو تغيير سياستها لعدم البدء بالاستخدام. وترفض الحكومة الصينية رفضًا حثيثًا طرح النقاش بشأن حجم قواتها النووية وهيكلها أو عملياتها، الأمر الذي يدعم تلك الشكوك. ويزعم المحللون الصينيون المعنيون بالحد من السلاح النووي أن صمت الصين يعد سياسة خلَّاقة، نظرًا لأن الغموض الذي تستحضره الصين بسبب صمتها يسمح لبكين بدرء أي هجوم نووي دون زيادة حجم قواتها النووية أو رفع درجة تأهبها. قد يكون هذا حقيقة ملموسة، ولكن أيا كانت تلك الميزة التي تحصل عليها الصين من تأكيد الشكوك بشأن قدراتها النووية، فإن هذا يأتي على حساب المخاوف الدولية المتزايدة بشأن نوايا بكين.

وعلى الرغم من أن التزام الصين بالمشاركة في جهود نزع السلاح بحسن نية لا يرتبط بمستوى تقدمها، إلا أن هناك صلة بين إمكانات الصين الاقتصادية والعسكرية المتنامية وبين زيادة المخاوف الدولية بشأن طموح قادة الصين. كما تزداد الصراعات الإقليمية بين الصين وجيرانها استعارًا كلما استخدمت بكين نفوذها الاقتصادي وقوتها العسكرية وقت الضغط بالمطالبات السيادية. ويصل الأمر في نهاية المطاف إلى شعور الدول غير الحائزة للسلاح النووي بالوقوع تحت تهديد قدرات الصين النووية.  

ويفوق ما سبق أهميةً أن مخاوف الدول غير الحائزة للسلاح النووي المجاورة للصين تعد عاملا بارزا في مشاورات واشنطن بشأن قواتها النووية الخاصة. يعارض مسئولو الدفاع الأمريكيين الاقتراحات الخاصة بالإعلان عن سياسة عدم البدء بالاستخدام أو وقف حالة التأهب أو تقليل القوات النووية الأمريكية، ويرجع أحد أسباب رفضهم إلى الخوف من أن تقلل تلك التغييرات من مصداقية ضمانات واشنطن تجاه حلفائها الآسيويين، فقد تسببت نقص الشفافية من جانب الصين فيما يتعلق بحجم قواتها النووية وهيكلها وعملياتها رُغم حسن نيتها في زيادة الأمر صعوبة على أنصار الولايات المتحدة للحد من السلاح النووي كي يتغلبو على المعارضة الرسمية.

لقد تغيرت الأزمان. لقد قرر ماو تسي تونغ وتشو إن لاي وغيرهما من مؤسسي جمهورية الصين الشعبية تطوير السلاح النووي في وقت رأى فيه هؤلاء العالم في اوج صراع ثوري قد يفضي إلى حرب عالمية. ولم يعد الحزب الشيوعي الصيني  ينظر إلى الوضع الدولي بتلك الطريقة، فقد رسم التقرير المنبثق عن الاجتماع الثامن عشر للحزب في 2012 صورة لعالمٍ يزداد فيه تعدد الأقطاب والترابط والاستقرار والذي قد لا تكون الصين فيه بحاجة إلى سلاح نووي.     

وفي مثل هذا العالم يعد السلاح النووي للصين عائقا في بعض الأحيان، ففي الوقت الذي تدعوا فيه القيادة في بكين إلى توزيع أكثر إنصافا للسلطة الوطنية وإحداث تأثير في هذا العالم الجديد متعدد الأقطاب، يفسر العديد من المحللين والمسئولين الأمريكيين الجهود الصينية لتحقيق هذا التوازن بأنها محاولة ماكرة لإبعاد الولايات المتحدة عن القيادة العالمية. ويرى هؤلاء المحللين أن دفاع الصين عن المطالب السيادية  يبشر بطموحات قومية عدائية، كما يحذر هؤلاء من اعتبار الصين حيازة السلاح النووي بمثابة شرط لا غنى عنه للقيادة العالمية.

توصية. إذا كانت الصين تنظر حقا إلى العالم في ضوء الشروط التي أوضحها الحزب في اجتماعه، فإنه بإمكان بكين أن تتخذ العديد من الخطوات التي تمكنها من الترسيخ لظهور مثل هذا العالم. ومن الخطوات التي يمكنها اتخاذها القيام بدور أكثر فعالية في المفاوضات الدولية للحد من التسلح النووي، كما يمكنها اتخاذ خطوة أخرى أكثر إثارة وهي اتخاذ قرار فردي بنزع السلاح.

إن استعداد الصين لنزع السلاح النووي سوف يُضعِف من جدل المشككين الدائر بشأن اعتبار الصين معتديًا يسعى إلى الهيمنة الإقليمية والعالمية، كما أنه سيدعم دعمًا كبيرًا الهيبة الدولية للصين وسيعيد الاتزان للعلاقات الدولية كما سيعيد صياغة المفاهيم الدولية للمطالبات السيادية للصين. يمكن للصين غير المسلحة نوويا أن تضغط بصورة أكثر فعالية على الدول الأخرى الحائزة للسلاح النووي كي تحذوا حذوها، كما أن الصين من دون السلاح النووي سوف تحصل في نهاية الأمرعلى ضمان بعدم البدء بالاستخدام من جانب واشنطن، وهو الضمان الذي نادت به في المحادثات الثنائية بشأن الاستقرار الاستراتيجي.

ويمكن القول أن تنازل الصين عن سلاحها النووي سيحقق لها مكاسبًا تفوق ما تحققه من حيازتها له أو تطويره أو وضعه في حالة تأهب. وطالما يسعى قادة الصين إلى إعادة التوازن في العلاقات الدولية بما وصفوه بأنه عصر جديد من ترابط الأقطاب المتعددة يسوده التعاون، فعليهم إدراك أن الحد من السلاح النووي للصين يعد خيارًا استراتيجيًّا يستحق النظر فيه مليًّا وأخذه على محمل الجد.

سبل مواجهة الصين للخلل النووي العالمي

تزايدت أهمية بكين في إدارة النظام النووي العالمي، وهي أهمية جاءت كنتيجة طبيعية لتزايد ثروة الصين ونفوذها، إلا أن هذا التحول جاء في وقتٍ بات فيه النظام النووي نفسه يواجه تحديات خطيرة، حيث لم يفلح مؤتمر نزع السلاح على مدى عقدين من الزمان في إجراء أية مفاوضات جادة متعددة الأطراف بشأن الحد من السلاح النووي وزادت مخاطر التهديد باستفحال عمليات الانتشار النووي وأصبح دور السلاح النووي أكثر مركزية فيما يتعلق باستراتيجيات الأمن الوطني لبعض القوى المسلحة نووياً.

تمارس الصين دوراً هاماً في تعزيز النظام النووي بإقناعها لدول أخرى -خاصة كوريا الشمالية وباكستان- لتحقيق مزيد من التعاون، إلا أن هذا سوف يتطلب من بكين الانصراف عن منهجها الحالي والتحول إلى منهج تعددية الأطراف الذي يتسم بالدفاعية والابتعاد عن القومية بعض الشئ. إذ ينبغي على بكين بدلاً من ذلك أن تتبنى منهجاً أكثر شمولية يهدف إلى الارتقاء بالمصالح العالمية العامة بنفس الطريقة التي تُؤمَّن بها مصالح الصين القومية.

إدراك الواقع. ليست الصين المسئول الوحيد عن المشكلات التي تطوق النظام النووي حاليا، ولا زالت بكين على ما يبدوا غير مدركة على نحو تام للعواقب الواقعة على أمنها من وراء نظام ضعيف لمنع الانتشار. وتستفيد كافة القوى العظمى من ضمان عدم انتشار السلاح النووي، فمنع الانتشار يصب في مصلحتهم الشخصية، بيد أنه يخدم في الوقت ذاته المصلحة العامة. وقد كان هذا الإدراك للواقع هو ما حدا بالاتحاد السوفيتي إلى الدعم الفاعل لتأسيس النظام العالمي لمنع الانتشار والتعاون مع الولايات المتحدة لدعم هذا النظام. وعلى ما يبدوا أن نفس هذا الادراك للواقع لم يبزغ فجزه حتى الآن لدى القيادة الصينية.

ولا جدال على الإطلاق في أن كافة الدول تسعى إلى تعزيز مصالحها الشخصية ولا شك أن تعددية الأطراف أحد سبل تعزيز تلك المصالح. وتنعم القوى العظمى بقدرة تفوق بكثير الدول الأخرى ما يجعلها أقدر على دعم مصالحها الشخصية، إلا أن تلك القوى تدرك إدراكاً عاماً أنه بإمكانها تحقيق أهدافها على نحو أكثر فعالية ببذل جهود متعددة الأطراف لرأب الصدع بين مصالحها الشخصية والمصلحة العامة. وتظل المصلحة العامة تحظى بالدعم الكبير إذا ما أُعطِيت مصالح الدول الأخرى بعض الاهتمام كذلك، حتى عندما تستخدم "المصلحة العامة" لصالح القوى العظمي، وهذا ما شجع الولايات المتحدة على أن تسلك طريق تعددية الأطراف من أجل منع الانتشار النووي وذلك في ضوء معاهدة منع الانتشار النووي. ولقد ميزت المعاهدة تمييزاً سافراً في توزيعها للمزايا، إلا أن واشنطن تمكنت رغم ذلك من إقناع الدول الأخرى بأن التهديد الناجم عن الانتشار النووي العشوائي يفوق في اهميته الطبيعة غير المنصفة للمعاهدة. وعلينا أن نعلم يقيناً أن الولايات المتحدة قد اختارت طريقاً طويلاً لتحقيق أهدافها، إلا أن طريق تعددية الأطراف قد يكون الطريق الأسهل على المدى البعيد.

ويعد هذا المنطق هو المسار الذي على الصين السير في فلكه. لقد زاد نفوذ الصين حقاً إلا أنه لم يكتمل بعد بالشكل الذي يجعل بكين تدرك تمام الإدراك أهمية القيادة التنظيمية. فما زالت الصين تتعامل مع النظام النووي العالمي بنظرة قومية تتسم بضيق الأفق وتسيطر عليها السمة الدفاعية، بمعنى أن الصين تستخدم النفوذ للدفاع عن مصالحها الشخصية أكثر من خدمتها لمصالح كافة أعضاء المجتمع الدولي في الوقت الذي تخدم فيه مصالحها الخاصة كذلك. وطالما كانت سياسات الصين متمسكة بالنظرة الضيقة للمصلحة الشخصية، ستظل نظرات الشك تطارد بكين في النظام النووي العالمي ولن تستطيع الصين ممارسة نفوذها على نحو مطلق.

خطوات على أرض الواقع. تستطيع الصين أن تتجنب وقوع مثل تلك النتيجة بقيامها بدور أكثر فعالية علي ثلاثة أصعدة، أولها العمل على دعم النظام المتداعي لمنع الانتشار، وثانيها الوصول إلى تسوية سلمية بمؤتمر نزع السلاح، وثالثها الاضطلاع التام في عمليات البحث عن طرق للتعامل مع المخاطر الجديدة للأمن الدولي والتي يأتي من بينها تلك المخاطر الناجمة عن التهديدات الفضائية والالكترونية.

أما عن البداية المثلى لبكين فتأتي بسحبها درعها الواقي من كوريا الشمالية؛ تلك الدولة التي يهدد جموحها نظام منع الانتشار كما يهدد في الوقت ذاته أمن الصين على المدى الطويل. وقد حدث قبل ذلك أن ارتكبت الصين خطأ بمساعدة باكستان وهي الدولة التي تقوم بعمليات انتشار وتحوز سلاحاً نووياً. وقد كان عاقبة قيام الصين بذلك أن استأنفت الهند برنامج السلاح النووي الذي كان قد طويت صفحته، وكان وقع هذا سلبياً إلى حد كبير على الصين.     

تُكرر الصين خطأها هذا عندما تساعد كوريا الشمالية على التقليل من قيمة الجهود الدولية للقضاء على برنامج السلاح النووي لها. ورغم أن جُل غضب بيونغ يانغ كان ينصب على كوريا الجنوبية واليابان، إلا أنهما لم يستجيبا حتى الآن لبناء ترسانه نووية لأي منهما، وهو ما يزيد الأمر سوءاً فقد توودت الدولتان –بدلا من بناء ترسانة نووية- إلى الولايات المتحدة بصورة توثق عُرى التحالف معها وهو ما يثير حفيظة بكين. وإذا كان على الولايات المتحدة أن تصبر على تأخر سير عجلة تقدمها مقابل وفائها بالتزاماتها الأمنية في المنطقة، فقد تجد سيول وطوكيو ما يحفزهما على تطوير وسائل بديلة لضمان أمنهما والتي قد يدخل ضمنها السلاح النووي.   

قد يكون أوان إقحام كوريا الشمالية في حظيرة منع الانتشار ولي وفات، إلا أنه لا زال بإمكان الصين التخفيف من حدة المخاوف في المنطقة بدعمها الجهود الدولية الرامية إلى التقليل من حدة سلوك بيونغ يانغ. فإذا دعمت الصين الإجماع الدولي بشأن كوريا الشمالية بدلا من حمايتها بيونغ يانغ، فإنها تعزز بذلك نظام منع الانتشار وأمن الصين على حد سواء.  

تستطيع الصين كذلك أن تقدم الكثير كي تدعم عملية الوصول إلى تسوية سلمية وإلى اتفاق كامل بمؤتمر نزع السلاح، ويمكنها بصفة خاصة أن تحاول إقناع باكستان بعدم عرقلة سير المفاوضات، ولن يعرقل المؤتمر -في المقام الأول- سوى عدم الاتفاق حول ما إذا كان ينبغي تطبيق معاهدة وقف إنتاج المواد الانشطارية على الانتاج المستقبلي فقط للمواد الانشطارية أم ضم المخزون الحالي إليها. ويبدوا أن الصين تميل إلى الخيار الأول، إلا أن بكين –على أية حال- في وضع يمكنها من الوصول إلى نقطة تلاقي تجمع الأطراف المتنازعة إذا ما رغبت في ذلك بالفعل. وبالطبع لن يكون هذا دافعاً فقط لمعاهدة وقف إنتاج المواد الانشطارية ولكنه سيفتح أيضاً آفاقاً أرحب للمؤتمر المحتضِر.

وخلاصة القول أنه بإمكان الصين بث الروح مرة أخرى في المفاوضات المتوقفة بشأن التهديدات اللائحة بالأفق ومنها التهديدات الفضائية والالكترونية خاصة الفضائية منها، إذ بإمكان الصين باعتبارها قوة فضائية ناشئة أن تتفهم مخاوف الدول النامية المعنية باتفاقات الحد من الأسلحة والتي قد تحول دون استخدامهم للفضاء الخارجي إضافة إلى مخاوف تلك الدول من أن تصبح تلك الاتفاقات خطراً إضافياً في الوقت الذي يشتعل فيه السباق الفضائي. ولم تخضع التحركات السابقة للصين للتدقيق، فلأسباب عدة اتسم اختبارها لمكافحة الأقمار الصناعية بالرعونة.

يمنح الخلل الحالي في المجال النووي الصين فرصة كي ترتدي حلة القيادة التنظيمية متعددة الأطراف خاصة وأنها تدعم أمن الصين نفسها. غير أن اقتناص تلك الفرصة سوف يتطلب من بكين استيعاب حقيقة واضحة ألا وهي، لا يمكن للصين أن تنعم بمزيد من الأمن إن لم تسمح للدول الأخرى بالتنعم به على نفس القدر كذلك. 

الصين، الدولة النووية المؤثرة التي تتزايد مسئوليتها تباعا

لقد تسبب النمو الاقتصادي الهائل للصين على مدى العقود الثلاث الماضية –إضافة إلى وضعها الدولي الآخذ في التنامي- في رفع مستوى التوقعات بشأن مساهمات بكين في الأجندة الدولية والإقليمية لنزع السلاح النووي ومنع انتشاره. وقد تسببت تلك التوقعات الكبيرة في وقت ما في عدم الرضا من ملف الصين الحالي لنزع السلاح ومنع انتشاره. وحدث بالفعل أن تعرضت الصين لانتقادات عدة في الصحافة العالمية بشأن تعاون بكين النووي مع باكستان (مجلة الدبلوماسي) وعمليات قيام أفراد صينيين ببيع مواد محظورة لإيران سرًّا (نيوزويك) ورفض بكين فرض عقوبة على الأعمال الاستفزازية النووية لكوريا الشمالية (نيويورك تايمز). ويرى من يوجهون اللوم للصين أنها دولة تعمل باستمرار في نشر السلاح النووي وأنها الدولة المنتفعة  دون مقابل من (بل وحجر العثرة في) الجهود الدولية لمنع الانتشار.

وتبدوا تلك الانتقادات للوهلة الأولى مضللة وغير موضوعية. فمكمن الحقيقة يستقر في أنه منذ أواخر فترة الثمانينات، تعرضت الصين لتحول هائل في سياسة منع الانتشار وآلية تنفيذه. ولنعلم يقينا أن الصين ظلت لعقود خالية غير متيقنة من فوائد منع الانتشار. أما في وقتنا الحالي فإن بكين تعد لاعبًا فاعلا في غالبية المعاهدات والأنظمة الأساسية لمنع الامنتشار. ولربما تكون قد أخفقت بكين كثيرا في الحصول على عضوية في نظام مراقبة تكنولوجيا الصواريخ، ولكنها التزمت رغم ذلك بإراشادات النظام وبقوائم مراقبته. وقد أفصحت الصين عن اهتمامها المتزايد بعمليات منع الانتشار عندما قامت في عام 1997 بتعليق نقل المفاعلات النووية وتكنولوجيا الصواريخ إلى إيران. كما تحققت من الكيانات والأفراد الصينيين المشكوك في قيامهم بالمساعدة في برامج نووية لدى دول أخرى. ويضاف إلى ماسبق قيام بكين بوضع آليات قانونية وإدارية جديدة تهدف من خلالها إلى إحكام الرقابة على الصادرات وفرض عقوبات على أي عمليات تصدير لبضائع محظورة، وكان المقصد من تلك الآليات سد الثغرات التي سمحت للأفراد الصينيين وللشركات الخاصة الصينية الاضطلاع بأنشطة تجارية غير مشروعة.

وتعد الصين كذلك مشاركًا فاعلًا في الجهود متعددة الأطراف وذلك كي تتماشى مع تحديات انتشار السلاح النووي. وقد اضطلعت الصين بدور رائد في المحادثات سداسية الأطراف بشأن البرنامج النووي لكوريا الشمالية. ولعبت بكين دورا استثنائيا بناءً في المفاوضات الماراثونية التي انبثق عنها اتفاق ايران النووي. وقد صدقت الصين على قرارات الولايات المتحدة بشأن البرنامجين النووين لكل من ايران وكوريا الشمالية. ولكنها انتقدت مسألة توسيع نطاق معاهدة منع الانتشار النووي على نحو غير محدد وعقد مفاوضات بشأن إبرام معاهدة الحظر الشامل للاختبارات النووية.

ولا يزال هناك -رغم جميع ما أشرنا إليه سالفا- مجالا للتحسن يظهر جليا في تنفيذ الصين لالتزاماتها الكثيرة. كما لا تزال الصين في غمرة التحول الاجتماعي والاقتصادي الكبير، إذ أنها تواجه تحديات هائلة فيما يتعلق بتنفيذ سياسة الحكومة بوجه عام وليس فقط فيما يتعلق بمنع الانتشار. ويتطلب التنفيذ التام للأهداف الوطنية لمنع الانتشار وجود أطر قانونية وهياكل مؤسسية وإجراءات إدارية قوية. ويضاف على هذا ما تحتاجه عمليات الرقابة الفاعلة على الصادرات من تدريب وخبرة فنية في عدد كبير للغاية من الشركات المملوكة للدولة والشركات الخاصة. ولتتحقق كافة تلك المتطلبات،تحتاج الصين إلى بذل المزيد من الوقت والجهد، وقد اتخذت الصين خطواتها لمواجهة تلك التحديات ومن بين تلك الخطوات التي اتخذتها عقد دورات تدريبية مشتركة مع دول أخرى.

ولا زال هناك فرصًا أخرى أمام بكين تمكنها من تعزيز دورها في عمليات منع الانتشار، إذ يمكنها على سبيل المثال أن تلعب دورا أكثر فعالية بشأن تحديات منع الانتشار النووية والصاروخية في شبه الجزيرة الكورية، وهي قضية ذات أبعاد أصيلة على استقرار شمال شرق آسيا وعلى أمن الصين ذاتها.

وقد كانت الصين في القترة التي سبقت أواخر التسعينات الدولة الوحيدة الحائزة للسلاح النووي في آسيا واستمرت بكين في تحقيق أهدافها لمنع الانتشار بطريقتها الخاصة التي تمثلت في عدم إطلاق أية تهديدات نووية وعدم وضع أي سلاح نووي على أراضي دولة أخرى وعدم توفير مظلة نووية لدول أخرى والاعتماد على السلاح النووي فقط في ردع الهجوم النووي. أما اليوم وفي ظل الوضع الجيوبوليتيكي المتغير في الدول المحيطة بالصين، وأيضا في ظل التأثير الدولي المتنامي للصين، صارت بكين تدرك أهمية منع الانتشار النووي أكثر مما كانت عليه من قبل. فمنع الدول من التسلح النووي يخدم بلا شك المصالح القومية الحالية للصين، وعليه فإنه ينبغي أن تظل عمليات منع الانتشار في صدارة في برنامج العمل السياسي للصين. وسوف يكون للصين في الأعوام القادمة مع تزايد قدرتها ونفوذها اليد الطولى في وضع المعايير الإقليمية والعالمية، ومن المحتمل أن تكون محركًا فاعلًا ومسئولًا في عمليات نزع السلاح النووي ومنع انتشاره.

Round 2

الرئيس شي يتخلى عن حظر القنابل

واجهت الصين في السابع والعشرين من شهر أكتوبر اختبارا آخر بشأن استعدادها لتولي دور القيادة فيما يخص نزع السلاح النووي، حيث صوتت اللجنة الأولى للجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن قرار يدعو إلى عقد مفاوضات للاتفاق على إبرام معاهدة تجرم السلاح النووي، وقد امتنعت الصين عن التصويت.

وبعد مرور أيام قلائل على التصويت، وأثناء انعقاد مؤتمر دولي للحد من السلاح النووي بمدينة سوتشو العريقة، بدأ النائب السابق لمدير الأكاديمية الصينية للهندسة وأحد الآباء المؤسسين للمجموعة الصينية للحد من التسلح ملاحظاته بالتعبير عن استيائه الشخصي من قرار الصين، وذكر أنه على الصين أن تنضم إلى قائمة المائة وثلاث وعشرين دولة التي صوتت لصالح قرار الأمم المتحدة، كما رفض الفكرة القائلة (أشار إليها في هذه المائدة المستديرة من قبيل المصادفة صديقتي العزيزة هوا هان) بأنه على بكين أن تحيل إلى واشنطن وموسكو موضوع نزع السلاح النووي.

وكما أصابت هان عندما أوضحت أن الولايات المتحدة وروسيا لا تخفقان فقط في نزع السلاح النووي وإنما تنتهجان سياسات من شأنها أن تهدد بعودة سباق التسلح النووي عودا يتسم بالخطورة واختلال التوازن، إلا أنه إذا ما أخذت بكين بنصيحة هان بشأن إحالة مسألة نزع السلاح النووي إلى موسكو وواشنطن، فإن هذا يعني تقدم مفاوضات الأمم المتحدة القادمة دون دعم فاعل من دولة واحدة من الدول الحائزة للسلاح النووي (حتى ولو كان تصويت كوريا الشمالية الذي هو مثار جدل لصالح نزع السلاح النووي). وعلى النقيض من ذلك، فإنه إذا ما ألزمت الصين نفسها بدعم المفاوضات، فإن هذا يعني حصولها على تقدير الدول غير الحائزة للسلاح النووي التي صوتت لصالح الحظر، كما سيساعد ذلك على إعادة هيكلة حركة عدم الانحياز التي أوقفت الصين مسارها في أكتوبر 1964 عندما أجرت اختبار السلاح النووي الأول لها.

وحيث أنه ما زال الوقت باكرا كثيرا كي نتأكد من حصول ذلك، فإنه من المحتمل أن يسرع انتخاب دونالد ترامب من ظهور نظام عالمي متعدد الأقطاب عن حق. ولا زال المسار المتوقع للانتقال الرئاسي يتمثل في أن الرئيس المنتخب ترامب يقتقر إلى الإرادة والقدرة التي تمكنه من المحافظة على كيان النظام العالمي الذي تمثل الولايات المتحدة محوره، وهو النظام الذي أحدثه الرئيس ترومان وحافظ عليه خلفاؤه من بعده. تكشف أقوال ترامب وأفعاله أثناء تلك الفترة التي تعقب الانتخابات عن نيته الوفاء بالوعد الذي وعدت به حملته وهو أن يسير على خطى برنامج عمل أمريكا أولا والذي يهمش المؤسسات وحلفاء الولايات المتحدة. ولعل تعجل شينزو آبي رئيس وزراء اليابان تعجلاً يشوبه الخنوع بزيارة برج ترامب في السابع عشر من نوفمبر يزيد من إيمان الرئيس المنتخب بفعالية برنامج العمل هذا.

قد يبدوا موقف بكين بشأن قرار الأمم المتحدة بحظر السلاح النووي بمثابة مرجع للطريقة التي ستتصرف بها الصين في المرحلة التي تلي تلك التي سادت فيها الولايات المتحدة العالم. وهل ستقترع المملكة الوسطى مع السواد الأعظم من الدول التي ترى مزايا الاستمرار في بناء نظام عالمي منصف وعادل وقابل للاستدامة بيئيا؟ وهل سيعتبر نظام شي جين بينغ نفسه مجرد قوة قومية أخرى تؤكد على مصالحها الخاصة وسط الفوضى الدولية الملموسة؟ إذا ما قررت بكين البقاء على هامش الحركة العالمية المتنامية لحظر القنابل مع استمرارها في الوقت ذاته في تحديث سلاحها النووي، حينئذ لا يمكن أن يخطئ باقي العالم في إدراك أن الصين بقيادة شي ما هي إلا عقبة بطريق السلام والتطوير الدولي.

ومن الأقوال المشهورة للزعيم ماو، بطل الثورة التي نجحت في إيصال الحزب الشيوعي الصيني للحكم في عام 1949 قوله أن مسألة تمييز الأصدقاء من الأعداء مسألة ذات أهمية كبيرة، ومن أقواله أيضا ان فِكر كل شخص بما في ذلك فكر رئيس الحزب الشيوعي الصيني يتحدد بناءً على الولاءات الطبقية، والسؤال، هل كان يرغب ماو في جعل “جمهوريته الشعبية” تظهر وكأنها “قوة عظمى” ناشئة مقدر لها أن تحل محل الولايات المتحدة في قمة الهرم العالمي أو تظهر وكأنها دولة نامية تكافح بالتضامن مع مثلها من الدول الأخرى من أجل الوصول إلى نظام عالمي أكثر إنصافا؟

لقد ربط الرئيس ماو البقاء السياسي لنظام الصين الشيوعي الواهن بأصل ماو، وكان من الممكن أن يحدث قراره الوشيك بأن يختار إما الانضمام إلى الحركة العالمية للتخلص من السلاح النووي أو الابتعاد عنها تسوية للسجال الذي ظل مستعرا لفترات طويلة في الصين حول ما إذا كان علينا اعتبار ماو ثائرا حقا ارتكب أخطاءً أم اعتباره الامبراطور المستبد الأول من سلالة صينية جديدة. 

الصين ومنع الانتشار: تناقض بين السياسة والأفعال

أحبط انتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة مسار السياسات الدولية، حيث تتسم وجهات نظر ترامب بشأن العلاقات الدولية والحد من السلاح النووي بالغموض وعدم التساوق مع الواقع، ولكنها -دون شك- تضم بين طياتها سلسلة من الشكوك حيال نظام تعددية الأطراف. ألمح ترامب أنه ينتوي إعادة النظر في اتفاق إيران النووي ويبدوا أنه يلمح باتباع سياسة صارمة مع  كوريا الشمالية. وعلينا في ظل هذا الوضع الجديد أن نتحلى بالواقعية ونعلم أن التركيز الدولي على الحد من السلاح يستهلك الطاقة الموجهة نحو مواصلة برنامج عمل نزع السلاح النووي والذي يحتمل تعثر تقدمه.   

لا زال الأمر غير مؤكداً. يوصي زميل المائدة المستديرة غريغوري كولاكي بأن تنظر الصين في مسألة نزع السلاح أحادية الجانب، وكان من غير المؤكد –قبل انتخاب ترامب- أن تسلك الصين هذا السبيل، أما الآن وبعد انتخاب ترامب فقد زادت تلك الشكوك عن ذي قبل، فنزع السلاح النووي أحادي الجانب مصطلح يصعب تصديره إلى أي دولة مسلحة نووياً أيا كانت الظروف. وستزيد صعوبة تصدير تلك الفكرة إلى الصين إذا ما زادت حدة توترالعلاقات بين القوى العظمى، وهو أمر محتمل الحدوث في ظل حكم ترامب، حيث تفضل الدول عدم الإقدام على اتخاذ سياسات أمنية محفوفة بالمخاطر في الأوقات الضبابية، إلا أن الصين ستظل رغم ذلك عنصراً مهماً في دعم برنامج العمل النووي المتواضع الذي يركز على الحد من السلاح النووي والذي يجدر مواصلته أثناء فترة حكم ترامب. 

يجتمع المشاركون في تلك المائدة المستديرة على رأي واحد مفاده أن الصين لاعبا فاعلا وأساسيا في مسألة الحد الدولي من السلاح النووي، وذلك نظراً للنموالاقتصادي المذهل لها وللأهمية التي التصقت بها في جميع مناحي السياسات الدولية، وأخالف مع هوا هان الرأي بشأن وجهة نظر بكين في تعددية الأطراف، خاصة ما يتعلق بما إذا كانت الصين مستعدة لدعم بمصالحها الشخصية في الوقت الذي تقوم فيه كذلك بتعزيز مصالحها العامة. (لا أحد يتوقع أن تضحي الصين بمصالحها الشخصية أكثر من أي دولة أخرى).

أصابت هان كبد الحقيقة عندما ذكرت أن “منع الدول من التسلح النووي يخدم بلا شك المصالح القومية الحالية للصين.” وقد تكون على صواب كذلك حين قالت أن ” بكين صارت تدرك أهمية منع الانتشار النووي أكثر مما كانت عليه من قبل.”، ورغم ذلك فقد تعاني سياسة الصين لمنع الانتشار النووي من مشكلات تفوق في ضخامتها مجرد “تنفيذ…للالتزامات الكثيرة ” التي حددتها هان. (تواجه جميع الدول صعوبة في تنفيذ التزاماتها في مجالات منها الرقابة على الصادرات والأمن النووي، ما يجعل الإخفاق من حين لآخرأمر محتمل الحدوث للجميع ولا نستثني الصين منه.) بل قد تتمثل المشكلة الكبرى في سياسة الصين نفسها لمنع الانتشار، بمعني انعدام الصلة بين سياسة الصين المعلن عنها وبين تصرفاتها الفعلية، فهما متفاوتتان بقدر يثير التساؤل عما إذا كانت هذه السياسة وتلك التصرفات تخرج من بوتقة واحدة. ويفسر انعدام الصلة هذا السبب وراء غموض أوراق اعتماد الصين لمنع الانتشار النووي. تسلم هان بصحة التساؤلات التي بزغت في بعض الأحيان بشأن تعاون بكين النووي مع باكستان ومعارضتها فرض عقوبة على كوريا الشمالية لنشرها السلاح النووي وسلمت هان أيضا بوجود “عمليات لأفراد صينيين يقومون فيها ببيع مواد محظورة لإيران سرًّا.” ولو ردت هان على تلك التساؤلات الخاصة في مقالها الأول لكان أوقع وأفضل.

وفيما يتعلق بكوريا الشمالية (أتناول واحدة من تلك القضايا بنفسي)، سعت الصين مراراً إلى الحد من الضغط الذي تتسبب فيه العقوبات الدولية التي تفرض على بيونغ يانغ وهو الضغط الذي قد يتسبب في تعطيل مسار زعماء كوريا الشمالية بشأن برنامجهم النووي، وعلى الرغم من مشاركة الصين في المفاوضات المنعقدة بشأن القضية النووية لكوريا الشمالية فإن المحادثات لم تحرز تقدما ملموسا، حيث أجرت كوريا الشمالية حتى الآن خمس اختبارات نووية إضافة إلى العديد من اختبارات القذائف والصواريخ، منتهكة بذلك قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وعلى الرغم من اعتبار الصين الشريك الدولي الأقرب لكوريا الشمالية ومبعث الحياة الإقتصادية لها، فإنه على ما يبدوا أنها لم تستخدم سلطتها الفائقة على نظام بيونغ يانغ كي تخفف من رعونة سلوك كوريا الشمالي،ناهيك عن إقناع كوريا الشمالية بالحد من تقدمها في مجال السلاح النووي. ففي واقع الأمر لا زال هناك على ما يبدوا كيانات داخل الصين تواصل تسهيل البرامج الاستراتيجية لكوريا الشمالية. أما فيما يتعلق بباكستان، يقترح تقرير صدر مؤخرا عن ألفا بروجكت بمركز العلوم والدراسات الأمنية بجامعة الملك أن الكيانات الصينية لا تزال تحافظ كذلك على  الصلات مع برنامج إسلام أباد للسلاح الاستراتيجي.

تتضح أهمية دور الصين في الحد الدولي من السلاح النووي خاصة في ظل انتخاب ترامب و تحدي برنامج كوريا الشمالية للسلاح النووي وتعثر مؤتمر نزع السلاح إضافة إلى احتمال تكشف حقيقة اتفاق ايران النووي، ويفسر هذا السبب وراء حاجة الصين إلى التحلى بالشفافية والصرامة بشأن احترام التزاماتها حيال نظام منع الانتشار.

حلول نزع السلاح النووي بيد واشنطن وموسكو

أخذ الزخم الذي أحدثه باراك أوباما بشأن نزع السلاح في خطابه الشهير الذي ألقاه في براغ في التلاشي حتى قبل فوز دونالد ترامب بسباق الرئاسة الذي سيصير بنهايته خلفا لأوباما. والآن تبدو التوقعات بشأن نزع السلاح أكثر ظلامية عن ذي قبل، وإنه ليسعدني أن أبني على ما أورده زميلي بالمائدة المستديرة غريغوري كولاكي من أن الصين باعتراضها الشديد على تنفيذ التزاماتها بنزع السلاح تقلل من صورتها وتُضيع فرصتها في تولي دور رائد في الهيمنة العالمية.

تعاملت الصين على مدى عقود مع التزاماتها بشأن نزع السلاح المنوطة بها بموجب معاهدة منع الانتشار النووي تعاملاً جدياًّ، وقد نادت بكين في واقع الأمر بالنزع التام للسلاح النووي وقت إجرائها الاختبار النووي الأول لها منذ خمسين عاما، حيث يخدم نزع السلاح مصالح الصين على المدى البعيد بيد أن بكين تواجه ظروفا أمنية تزداد تعقيدا كما أنها تحوز رادعاً نووياًّ صغيراً نوعاً ما، ولهذا فلن تتمكن الصين من تطبيق نزع السلاح إلا بتبني منهج يتسم بالحيطة والعملية.

مأزق نزع السلاح. عملت الولايات المتحدة وروسيا منذ نهاية الحرب الباردة على التقليل الملحوظ من الترسانة النووية الضخمة لكل منهما وذلك بإبراهما اتفاقات للحد من الأسلحة كما عمل كل منهما على حده على الحد من السلاح النووي، غير أن عمليات الحد تلك ما صُمِّتت إلا بغرض “تحسين” ترسانتيهما‘ إذ لم تنفذ واشنطن وموسكو عمليات الحد بصورة تحث القوى النووية الأخرى على أن تسلك نفس المسار. وقد نتج عن هذا أن ظل المخزون النووي العالمي ضخما حيث وصل إلى ما يقرب من 15.000 رأساً حربياًّ تمتلك الولايات المتحدة وروسيا 93% منها.

ومما زاد الأمر سوءاً تطوير الولايات المتحدة بثبات من قدراتها على توجيه ضربات سريعة سواء كانت ضربات بالدفاع الصاروخي أو ضربات تقليدية على اعتبار أن تلك الضربات تمثل جزءاً من قواتها الاستراتيجية. ويُعرض هذا الروادع النووية الصغيرة للخطر والتي منها رادع الصين النووي، ما جعل بكين تعتمد اعتماداً كبيراً للغاية على رادعها النووي كما أضعف من رغبة الصين في الانضمام إلى عمليات نزع السلاح. ولا زالت مقاليد الأمور بشأن نزع السلاح بيد أمريكا وروسيا حتى الآن.

وجهة نظر فريدة من نوعها للصين. يعد الالتزام بنزع السلاح بموجب معاهدة منع الانتشار التزاماً نموذجياًّ وملزماً قانوناً، إلا أنه لا يمثل وحده محفزاً كافيا للدول المسلحة نوويا كي تعمل على نزع السلاح النووي، فلن تستشعرالدول كفاية المحفز ما لم تستوعب عمليات نزع السلاح وجهات نظرهم القومية بشأن فائدة السلاح النووي وبشأن دور تلك الأسلحة في الأمن القومي.

كان السلاح النووي خلال فترة الحرب الباردة محور ارتكاز الاستراتيجيات الأمنية الأمريكية والروسية، وقد منع التدمير المتبادل المؤكد كلا البلدين من مهاجمة كليهما الآخر. وكان للصين وجهة نظر مختلفة، إذ أنه على الرغم من انضمام الصين إلى النادي النووي في عام 1964 وسط مخاوف أمنية شديدة، فقد نظر ماو تسي تونغ إلى السلاح النووي باعتبارة “قوة من ورق”. وكان لتلك النظرة تأثيراً بالغاً على تطوير السلاح النووي للصين وعلى وضعها النووي. لقد مرت حقا عشرات السنين على  تطوير بكين لترسانتها الصغيرة وعلى تأهيل رادعها النووي لوضع التشغيل الفعلي. وكانت الصين الدولة الأولى التي تعلن عن نيتها نزع السلاح في نفس التوقيت الذي نجحت فيه في تطوير سلاح نووي وعن تبنيها لسياسة عدم البدء باستخدام النووي. ولا شك أن نزع السلاح النووي يتناسب مع الفلسفة النووية للصين بغض النظر عما إذا كنا نعتبره إلزاما أم خياراً.

لنعلم يقينا أن دور السلاح النووي في الحسابات الأمنية للصين آخذاً في التزايد، إلا أن “عدم جدوى” هذا السلاح في الحروب الفعلية يحول دون تطوير الصين لترسانة نووية ضخمة، ناهيك عن التطلع إلى مضارعة القوى النووية الكبرى. ومع بزوغ شمس الدول المسلحة نوويا بطول الحدود الخارجية للصين، صار نزع السلاح النووي ومنع انتشاره ضمن قائمة اهتمامات بكين القومية طويلة المدى.

 لم تتخذ الصين حتى الآن خطوات جوهرية بشأن نزع السلاح إلا أن هذا لا يعني –على خلاف ما يعتقد كولاكي- أن الصين تمتنع عن الوفاء بالتزاماتها المنوطة بها بموجب المعاهدة، فالصين تواصل طريقها نحو نزع السلاح النووي. والسؤال، ما الذي يستلزمه هذا الطريق؟ لا يمكن في المقام الأول مواصلة المسير نحو نزع السلاح بالحد فقط من عدد الرؤوس النووية والصواريخ ولكن يجب كذلك أخذ تفوق جودة السلاح الأمريكي والروسي في الاعتبار. وثانيا، تعتقد الصين أن التصديق على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية والتفاوض بشأن معاهدة وقف انتاج المواد الانشطارية خطوتان هامتان تجاه نزع السلاح، إلا أن التفاوض بشأن هاتين المعاهدتين والتصديق عليهما ينبغي ان يجري في الوقت ذاته مع وضع صك يقضي بمنع البدء باستخدام السلاح النووي. وثالثا، ونظراً لأنه من الممكن أن تحفز قدرات الدفاع الصاروخي والقدرات العسكرية التقليدية الدول على تطوير ترسانة نووية أو توسيع نطاقها، فإنه ينبغي إلحاقهما كذلك ببرنامج عمل نزع السلاح النووي.

تتحمل الصين بكل تاكيد مسئولية تنفيذ التزاماتها بنزع السلاح بصورة أكثر استباقية، إلا أنه على القوى النووية أن تسعى إلى نزع السلاح بتطبيق -دعوني أستعير عبارة ارتبطت في العادة بمفاوضات تغير المناخ- مبدأ المسئوليات المشتركة ولكن المتباينة. بإمكان الصين إن حالفها الحظ أن تعمل مع الإدارة الأمريكية القادمة ومع الدول الأخرى المسلحة نووياً أيضا لدعم  مؤتمر مراجعة معاهدة حظر الانتشار النووي.

Round 3

الحكمة وليس القوة: هذا ما نحن بحاجة إليه من الصين (وغيرها)

أزاح زميلي بالمائدة المستديرة راجش راجاغوبالان الغبار عن قَوْلَةٍ يرجع استخدامها إلى القرن التاسع عشر حين وصف الشئون الدولية بأنها “لعبة كبرى”، غير أن القوة التدميرية للسلاح النووي قد غيرت طبيعة السياسات الدولية وممارسة الحنكة السياسية تغييراً جذرياًّ، فما من فائز في حرب نووية والخطوة الوحيدة نحو الفوز هي عدم خوض اللعبة.

أدرك ماو تسي تونغ هذا الأمر إدراكا تاماًّ بعد فترة قصيرة من إبادة هيروشيما وناغازاكي. وصرح ماو تسي تونغ في أغسطس من العام 1964 لصحفي أمريكي بأن القنبلة الذرية كانت “نمر من ورق.” وتعددت التفسيرات لهذا التعبير نظرا لاستخدام ماو الاستعارة في تعبيره ولكن من غير المعقول أن نفترض أن ماو قد توقع حظر استخدام السلاح النووي وهو الافتراض الذي تزداد صحته من حين اضطلاعهم بمنع انتشار السلاح النووي. فلطالما كان التفكيرالنووي للصين سبباً في افتراض وجود حظر نووي صارم وكان الهدف الوحيد من قوة بكين “الصغيرة والفاعلة بذات الوقت” هو التخفيف من حدة المخاوف الناشئة عن احتمالية استخدام السلاح النووي ضد الصين.

سوف يعج العالم بالسلاح النووي إذا ما تكيفت كل دولة مع العصر النووي بنفس الطريقة التي تكيفت بها الصين، وكان هذا الإدراك هو الجوهر الذي قامت عليه معاهدة منع الانتشار النووي بمعنى الإدراك الجماعي بأنه ما لم يتم التخلص من السلاح النووي، ستطلق كل دولة حينها المزاعم بحقها في تطوير نفسها، فإما ألا تمتلك أي دولة سلاح نووي أو أن يكون السلاح النووي حق للجميع.

لم يكن ماو تسي تونغ ولا تشو إن لاي ولا مؤسسي جمهورية الصين الشعبية طرفاً بالمفاوضات التي جرت بشأن معاهدة منع الانتشار ولم يتم حتى على أسوأ الأحوال الاعتراف بهم كحكومة صينية شرعية، ولكن على ما يبدو أنهم قد أدركوا الحقيقة الأساسية التي تكمن في المعاهدة. كما صرح الجنرال نيه رونغ تشن الذي قام على إدارة برنامج السلاح النووي للصين للعلماء والمهندسين العاملين تحت إمرته بأن الصين تعمل على تصنيع القنبلة للتخلص من القنبلة وكانت مقولته هذه هي المختصر المفيد للبيان الوحيد المفصل بشأن السلاح النووي الذي طالما أذاعته الصين ونشرته مباشرة عقب إجرائها الاختبار النووي الأول لها في 1964.

اقترح قادة الصين في هذا البيان “عقد مؤتمر قمة يضم جميع دول العالم لمناقشة… الحظرالتام والتدمير الشامل للسلاح النووي.” وكان هدف معاهدة منع الانتشار النووي فيما بعد الوصول لنفس النتيجة، ولكنها تحولت الآن إلى آلية تحافظ على بقاء بعض الدول حائزة للسلاح النووي دون البعض الآخر. والآن وبعد مرور ستة وأربعين عاما من تفعيل المعاهدة، تُعِد الدول الحائزة للسلاح النووي للإنفاق ببذخ على تطوير ترساناتها، بينما تبذل الدول غير الحائزة للسلاح النووي -في ظل إحساسها بالغدر والخيانة ومع وجود الكثير من المبررات لديها- جهودا لسن اتفاق قانوني دولي يحظر القنابل.   

 ويعد هذا الجهد المبذول اختباراً لالتزام الصين بنزع السلاح النووي ولم ينجح شي جين بينغ الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني حتى الآن في الاختبار، حيث تتسبب ردود أفعاله غير الداعمة للمبادرة الخاصة بالمعاهدة في المخاطرة بمشروعية آراء النقاد من الدول الأخرى خاصة الولايات المتحدة التي دوماً ما تنظر لالتزام الصين بنزع السلاح النووي بعين الشك.  

لربما يفسر المقال الثالث لزميلة المائدة المستديرة هوا هان الأسباب الكامنة وراء عدم الاكتراث الظاهر لشي جين بينغ بشأن الموقف المبدئي إزاء نزع السلاح النووي المعلن عنه في بيان 1964، فقد ربطت هوا هان السياسة الصينية للسلاح النووي بعدم التوازن في القوى التقليدية بين بكين وواشنطن، وعليه حظيت الولايات المتحدة في 1964 بمزيد من التفوق التقليدي على الصين بخلاف ما هو عليه الوضع في تلك الآونة. هل يدير شي ظهره للمائة ثلاث وعشرين دولة التي تعمل على السير قدما لصالح اتفاق السلاح النووي لأنه يعتقد أن الصين بحاجة إلى التهديد باستخدام السلاح النووي في الصراع التقليدي مع الولايات المتحدة؟ وإذا كان الجواب نعم، فإن هذا يعني أن بيان 1964 لن يتعدى كونه خطابا مهملا وأن شي يقود بلاده والعالم بعيداً عن نزع السلاح النووي ويقترب بالجميع نحو سباق جديد للتسلح النووي.

إن الجهد الدولي واسع النطاق المبذول لتفعيل اتفاق السلاح النووي لإجبار الدول المسلحة نوويا على احترام التزاماتها بشأن نزع السلاح النووي بموجب معاهدة منع الانتشار ليس وهميا (يوطوبي) كما وصفه راجاغوبالان ولكنه ادعاء لا بد به للشعور الجماعي العام في وقت تخضع فيه حكومات الدول الحائزة للسلاح النووي لسيطرة قادة “أقوياء” وصلوا للسلطة السياسية بناءً على ادعاءات وهمية بعمليات تَحَزُّب قبلية تنطوي على مفارقات تاريخية.    

لقد أدرك برتراند راسيل وألبرت أينشتاين والعلماء الذين وقعوا على بيانهم المشهور أنه مع بزوغ شمس العصر النووي ستنتهي “اللعبة الكبرى” للسياسات الدولية حيث الجولة التالية التي لن تكون إلا “مفجعة لجميع الأطراف.” وقد حثنا هؤلاء على أن نعتبر أنفسنا “مجرد أفراد من الجنس البيولوجي الذي يمتلك تاريخا باهرا والذي لا يرغب أي منا في ضياعه.” أن نتصور وجود هولوكست نووي أمر غير محبوب أما أن نستمر في النظر للحرب على أنها لعبة فهذا لا يعني سوى أننا ننكرمخاطر الواقع السياسي الحالي.

على الصين أن تسعى إلى الاستقرار النووي بدلا من سعيها وراء يوطوبيا نزع السلاح

أن نتناقش فيما إذا كان بمقدور الصين قيادة العالم نحو نزع السلاح النووي كما فعل زملائي في هذه المائدة المستديرة يعني أننا نطرح التساؤل الخاطئ في التوقيت الخاطئ، إذ ليس من عادة الصين أن تصارع المجهول، ولذا فإن محاولة حمل بكين على الاضطلاع بدور القيادة في مجال نزع السلاح النووي ما هو إلا دليل على اليأس من الواقع السياسي المعاصر أو الابتعاد عنه تماماً.  

يحتاج التقدم الحقيقي في مجال الحد الدولي من السلاح النووي ونزع السلاح إلى بعض من الاتفاق بين القوى العظمى، وهو هذا النوع من الاتفاق الذي كان سببا في قوة نظام منع الانتشار النووي أثناء الحرب الباردة، حيث وضعت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي منع الانتشار في قائمة مصالحهما الشخصية وتعاونا لتحقيق تلك المصلحة، والآن لا يوجد مثل هذا النوع من الاتفاق وبخاصة فيما بين القوى العظمى.

يبدو النظام العالمي وكأنه ينجرف بقوة نحو الصراع والفوضى، ولا يرجع هذا إلى انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة، رغم أن انتخابه رئيساً يدعم تلك المتغيرات الحالية. فقد أخذ الصبر في النفاد على مدى الثماني سنوات الماضية بسبب نظام الصين وروسيا وكافة الأنظمة العدوانية في مختلف أنحاء العالم، كما وجدت الولايات المتحدة بقيادة باراك أوباما عذراً تلو الآخر كي تحيد عن جادة الطريق، وكان من السئ رفض إدارة أوباما إقحام نفسها في الحرب المدنية المشتعلة في سوريا والأسوأ منه إخفاق واشنطن في شحذ الثقة بتأكيدها دعم حلفائها، إذ أنها لم تحاول على الأقل مجابهة التحديات المتزايدة التي تعد الصين واحدة منها، وقد نتج عن هذا تزايد الإحساس لدى القوى الإقليمية الأضعف بدايةً من أوروبا وانتهاءً بآسيا بأنها مسئولة عن نفسها.

لم يفد انتخاب ترامب في شئ سوى تأصيل الاعتقاد بأن الولايات المتحدة تنفض يدها من التزاماتها الدولية، وقد نتج عن هذا الآن اهتمام دول كاليابان وألمانيا بكيفية ضمان أمنها، وهي دول لم يُنظر إليها منذ زمن بعيد على أنها تمثل “قوى مدنية” تعزز من التكامل الاقتصادي على حساب القوة العسكرية، وإذا ماقررت اليابان وألمانيا وغيرهما من حلفاء الولايات المتحدة الاضطلاع بأمور بلادهم، فقد تشمل ردود فعلهم قرار الوصول إلى السلاح النووي وسوف يكون هذا مؤشرا على انتهاء نظام منع الانتشار.  

يختلف ترامب اختلافا تاماًّ عن أوباما، فالرئيس الحالي يبدي اهتماما قليلا بخوض اللعبة الكبرى، ويبدو أن ترامب قد عقد النية على لعب اللعبة كيفما اتفق له أي بحكم الفطرة والغريزة وليس بحكم الاستراتيجية وسوف يخوضها بنفسه دون الحلفاء. ويبدو كذلك عزم ترامب على اتخاذ موقف متشدد ضد الصين، حسبما ورد في خطاباته التي ألقاها أثناء حملته الانتخابية. ولو حدث وردت الصين رداًّ قاسيا، فلن يكون إلا النزاع نتاجا لهذا، كما أن لدى حلفاء واشنطن وأعدائها المحتملين على السواء أسبابا تدعوهما إلى الشعور بعدم الأمن، ما يتيخ الفرصة لمناخ أكثر توترا واضطرابا في السياسات الدولية، في ظل رغبة جميع القوى في اتخاذ إجراءات أحادية الجانب لتأمين نفسها.

وبناءً على تلك الصورة، ينبغي ألا يكون نزع السلاح النووي المحور الرئيسي، بل ينبغي أن يكون التركيز في المقام الأول على الحفاظ على قدر من الاستقرار باتخاذ اجراءات لبناء الثقة والحد من السلاح النووي، وبإمكان الصين أن تقدم الكثير لبناء الثقة خاصة في آسيا، فالصين التي تمارس قدرا لا بأس به من ضبط النفس يمكنها أن تقلل إلى حد كبير من الشعور بانعدام الأمن في منطقتها والحد من تبعات انتخاب ترامب. وبإمكان بكين كذلك المساهمة في تحقيق الاستقرار بإظهارها المزيد من الوضوح والشفافية، والذي يؤدي انعدام وجودهما إلى إحداث قلق إقليمي بشأن الصين.

ينبغي على الصين كذلك أن تسعى جاهدة إلى دعم نظام منع الانتشار، كما ستكون كوريا الشمالية أحد جوانب هذا الجهد المبذول ورغم ذلك فإن العمل على ضياع الثقة في نظام منع الانتشار لا تقل أهمية عن دعمه. ويخدم وجود نظام قوي لمنع الانتشار النووي أهداف الصين، كما أنه بمقدور البعض من جيران الصين بما فيهم اليابان وكوريا الجنوبية تصنيع سلاح نووي لكنها اختارت ألا تقوم بذلك، ومن مصلحة بكين أن تضمن استمرارهم على تلك السياسة.

تستطيع الصين كذلك ان تتولى دور القيادة في منطقتها بل يمكنها الوصول لأكثر من ذلك بمحاولتها الحد من المنافسات الأمنية المستجدة في الفضاء الخارجي وفي عالم الشبكة العنكبوتية، كما تستطيع بكين أن تستثمر في نسخة آسيوية من عملية هيلسنكي    والتي تعد مبادرة ضخمة متعددة الأطراف قدمت الكثير من أجل تخفيف حدة التوتر بين الكتل السوفيتية والغربية في فترة السبعينات. وتعد تلك الأمور بمثابة مشروعات مختلفة ولكنها تبدوا قابلة للتحقيق ونافعة على المدى القريب مقارنة بنزع السلاح النووي.

يقدم الوضع الحالي لبكين فرصة كبيرة كي تؤسس لدور قيادي تنظيمي في منطقتها وفي أي مكان آخر وتضطلع به ، والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو ما إذا كانت بكين ستدرك تلك الفرصة غير المتوقعة وتتشبث بها كي تقلل من حجم اعتماد المنطقة على واشنطن بصفتها مصدرا للأمن أم لا.

الصين ونزع السلاح: ثلاثة أسئلة تلوح في الأفق

يحتل موضوع نزع السلاح النووي القمة بين الموضوعات الأخرى التي ناقشها الاستراتيجيون والعلماء وواضعوا السياسات، وذلك في ظل التحول الحالي المحتمل من نظام عالمي تمثل الولايات المتحدة محوراً له إلى نظام متعدد الأطراف، كما صوره صديقي العزيز غريغوري كولاكي في تلك المائدة المستديرة، حيث طالب كولاكي الصين بالاضطلاع بدور أكثر فعالية في الجهود العالمية الرامية إلى التخلص من السلاح النووي ويعد هذا توقعا منطقيا منه. وتقع على الصين باعتبارها دولة ذات تأثير وقوة متنامية مهمة الاضطلاع بمزيد من المسئوليات بشأن السيادة العالمية بوجه عام ونزع السلاح النووي بوجه خاص. ولا شك أن الصين في ظل حكم شي جين بينغ قد أعلنت عن طموحات تفوق “مجرد كونها قوة قومية أخرى تدافع عن مصالحها” وكان هذا نص ما ذكره كولاكي. تطمح الصين حاليا إلى أن تصبح قوة عظمى تقدم المنفعة العامة وتهتم بتحصيل المصالح المشتركة مع الدول الأخرى وفقا لاستراتيجية تضعها بنفسها.

ويجب رغم ذلك أن يرتكز أي نقاش يدور بشأن دور الصين في النظام النووي الناشئ على فهم كيفية تطور النظام النووي العالمي وعلى ماهية القوى التي ساهمت في تكوينه. توسطت الصين مع بريطانيا وفرنسا ودول أخرى العقد في هذا النظام الذي نشأ في فترة الخمسينات، بينما جاءت الولايات المتحدة وروسيا (الاتحاد السوفيتي سابقا) على أحد الطرفين واحتلت الدول غير المسلحة نوويا التي تمثل الغالبية العظمى الطرف الآخر. ولم يتغير قوام هذا النظام تغيراً ملموساً رغم انهيار العالم ثنائي القطب منذ 25 عاما وظهور الصين باعتبارها صاحبة ثاني أكبر اقتصاد على مستوى العالم منذ عام 2009 على وجه التقريب. وقد ظل تأثير الصين في النظام النووي متواضعاً مقارنة بأهميتها في النظام المالي الآسيوي والنظام الاقتصادي العالمي. ولا يوجد لدى الصين أي نوايا “للمراجعة” ولن تطمح إلى أن تكون قوة نووية عظمى في المستقبل القريب.

الأمن، الغموض، القدرة. تعتمد كفاءة الطريقة التي تنتهجها الصين فيما يتعلق بالتزاماتها الحالية لنزع السلاح النووي وما إذا كانت تضطلع بدور قيادي في نزع السلاح النووي من عدمه على الطريقة التي ترد بها بكين على التساؤلات التالية.

أولا ومع الأخذ في الاعتبار الفجوة الهائلة الكائنة بين الصين والولايات المتحدة في مجال القدرات الدفاعية التقليدية،  هل بإمكان الصين حماية مصالحها الأمنية  دون الحفاظ على رادعها النووي الصغير نسبياًّ؟

تأخذ بكين أي مبادرة حازمة لنزع السلاح النووي بعين الحذر، ويرجع سبب ذلك إلى قدرات النشر الأمامي للدفاع الصارخي التي تتمتع بها واشنطن بجانب قدرتها على توجيه ضربات حاسمة إضافة إلى التخوم البحرية الصينية، وعلى الرغم من إدراك بكين التام لرغبة العديد من الدول غير الحائزة للسلاح النووي في التخلص من السلاح النووي، ورغم دعمها لجهود تلك الدول، فإنه لا بد وأن تأخذ مبادرات نزع السلاح النووي في الاعتبار المحيط الأمني السائد. ويفيد المنهج العملي لنزع السلاح النووي في تحقيق الاستفادة المثلى لمصالح الصين ويفسر هذا امتناع الصين عن التصويت في التصويت الذي أجرته الأمم المتحدة في شهر أكتوبر بشأن إبرام معاهدة لحظر السلاح النووي. (صوتت جميع الدول الأخرى المعروف رسميا حيازتها للسلاح النووي ضد التفاوض بشأن إبرام معاهدة لحظر السلاح النووي.)

ويأتي التساؤل الثاني عما إذا كانت الصين على استعداد لاتخاذ إجراءات بالحد النووي في ظل الغموض الذي يكتنف النظام النووي القائم، خاصة وأننا نقف الآن على عتبة وجهة جديدة بعد مرور ثمانية أعوام غير مثمرة تماما  في مسار نزع السلاح النووي وهي فترة حكم أوباما. ويتساءل شعب الولايات المتحدة وغيرهم من شعوب أهل الأرض جميعا عن الوضع النووي الذي ستظهر به الولايات المتحدة تحت قيادة الرئيس دونالد ترامب متسائلين عما إذا كان من المحتمل أن “يبادر ترامب باتخاذ إجراء ما” وما إذا كان من الممكن الوثوق به وسط الآلاف من الرؤوس الحربية النووية. ولا أقصد من وراء إشارتي إلى هذا الغموض إيجاد أعذار للصين كي تبقي على ترسانتها النووية ولكن لأنها حقيقة مؤسفة أن تظهر سياسة واشنطن ووضعها النووي جليا في حسابات الصين الأمنية.

ويأتي التساؤل الثالث عما إذا كان لدى الصين في الوقت الحالي القدرة على الاضطلاع بدور رائد في ميدان نزع السلاح النووي دوليا، إذ لا زالت الصين تمر بفترة تحول مصيرية اجتماعياًّ واقتصادياًّ، كما لا زال التطور الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي يمثل الأولوية القصوى للحكومة. ويبدوا سلوك الصين مؤخرا في الخارج حازما كما يصفه الجميع، رغم انحراف السياسة الخارجية لبكين تماما عن سياسة التواري عن الأنظار وتعني بالصينية tao guang yang hui . كما لا زالت الكفاءة الدبلوماسية للصين عموما ودبلوماسيتها النووية خصوصاً قيد التطور، وليس للصين في ظل تلك الظروف سوى بعض القدرة التي تمكنها من التأثير في تطور النظام النووي ووضع معاييروإعداد برنامج عمل في المؤسسات متعددة الأطراف.

وعلى خلاف ما سبقت الإشارة إليه، لا شك أن الصين في طريقها نحو الاضطلاع بدور أكثر فعالية في النظام النووي ولا سبيل أمامها سوى مواصلة هذا الطريق في السنوات القادمة طالما حرصت على الارتقاء بمنظومةٍ أشمل من خبراء السياسة النووية وعلى تعزيز مهاراتها الدبلوماسية.



Topics: Nuclear Weapons

 

Share: [addthis tool="addthis_inline_share_toolbox_w1sw"]

RELATED POSTS

Receive Email
Updates