هيروشيما وناجازاكي: الدروس المستفادة؟

في أغسطس من عام 1945، وبعد مُضىّ أكثر من ثلاثة أسابيع على إجراء اختبار ترينيتي، الذي دشن عصر السباق النووي ، ألقت الولايات المتحدة قنبلة "الولد الصغير" على مدينة هيروشيما، مما أسفر عن مقتل عشرات الآلاف. وبعد أيام، تعرضت مدينة ناجازاكي لنفس المصير بعدما أُسقطت عليها قنبلة "الرجل البدين". وقد تساءل المؤرخون حول ما إذا كانت هذه التفجيرات ضرورية أم لم يكن لها داعٍ؛ مبرّرة أم إجرامية، وهل كانت مسؤولة عن استسلام اليابان أم لم ليكن لها صلة بالأمر. ونتساءل اليوم، بينما يقترب العدد المتبقى من الناجين من قنبلتي هيروشيما وناجازاكي من نهاية حياتهم، إلى أي مدى قد استوعب العالم الدروس المستفادة من تلك التفجيرات النووية— وهل يمكن أن تمرّ سبعة عقود أخرى دون حدوث تفجيرات نووية جديدة؟

تابعونا على الفيس بوك:

Bulletin of the Atomic Scientists: اللغة العربية

تابعونا على تويتر:

@Bulletin_Arabic

Round 1

الدروس غير المستفادة من عام 1945

في مايو عام 1945، اجتمعت لجنة مكونة من ضباط عسكريين وفيزيائيين وعلماء رياضيات— كان من بينهم العلماء البارزون روبرت اوبنهايمر وجون فون نيومان ونورمان رامسي—لمناقشة الأهداف اليابانية المحتملة لإسقاط القنبلة الذرية عليها. وقد كشفت سجلات اللجنة عن دوافع ومواقف هؤلاء المستشارين المؤثرين. فقد أوصوا بأن يكون "الاستخدام الأولي مذهلا بما فيه الكفاية من أجل الاعتراف الدولي بأهمية هذا السلاح عندما يتم إطلاقه" وقاموا بتصنييف مدينة كيوتو باعتبارها "هدفا ممتازا" لأنها كانت "مميزة بأن سكانها الأكثر ثقافة وبالتالي سيكونوا أكثر قدرة على تقدير أهمية هذا السلاح." لكن في النهاية تم استبعاد كيوتو من قبل إدارة الرئيس ترومان، التي استقرت بدلا من ذلك على مدينة هيروشيما. وقد كانت "ميزة" تلك المدينة، التي صُنفت أيضا بأنها "هدفا ممتازا" هى أن " التركيز البؤري من الجبال المحيطة" يمكن أن يتسبب في "تدمير جزء كبير من المدينة".

بعد أن أسقطت الولايات المتحدة القنبلة الذرية على هيروشيما، قامت بتوزيع منشور يوضح لليابانيين أن واشنطن تمتلك "القنبلة الأكثر تدميرا التي قام بصنعها الإنسان … وهذه الحقيقة المرعبة موجهة إليكم لتفكروا مليا". في الوقت نفسه، أصدر البيت الأبيض بيانا بالانتصار معلنا فيه أنه "على استعداد الآن أن يمحو تماما وبشكل أسرع جميع المشاريع الإنتاجية التي أقامها اليابانيون فوق سطح الأرض في أي مدينة".

تبين هذه السجلات أن تفجيرىّ هيروشيما وناجازاكي صُمما ونُفذا باعتبارهما أعمالا إرهابية. ويجادل المؤرخون القوميون الأمريكيون بأن تلك التفجيرات كانت أفضل من الغزو الأمريكي— لكن هذا الجدال ليس بحاجة لتقديم افتراضات منافية للواقع. إذ إن سؤال واقعي بسيط يكفي لإصدار الحكم الأخلاقي: هل بذلت حكومة الولايات المتحدة جهودا جادة لإنقاذ الأرواح اليابانية والأمريكية على حد سواء؟

إن السجل التاريخي يجزم بأنها لم تفعل ذلك. إذا وضعنا جانبا إعلان بوتسدام—الذي يبدو أن مطالبته باستسلام اليابان بدون أي شروط قد تمت صياغته بحيث يتم رفضه وبالتالي يقدم مبررا لاسقاط القنبلة الذرية—فإن إدارة ترومان رفضت التفكير في بدائل أخرى لاسقاط القنبلة الذرية على منطقة مأهولة بالسكان. وقد أوصت لجنة فرانك ذات البصيرة، في مذكرة أرسلتها إلى وزير الحرب في يونيو 1945، بأن يتم "استعراض السلاح الجديد … في صحراء أو جزيرة قاحلة". لكن رُفضت هذه الفكرة على الفور من قبل الفريق الاستشاري العلمي للوزير، الذي رأى أعضاؤه أنه "لا يوجد بديل مقبول عن الاستخدام العسكري المباشر".

هذا التاريخ مهم لأنه يرمز إلى التجاهل الذي يتعامل به صناع السياسة في واشنطن مع الحياة الإنسانية سعيا منهم لتحقيق أهداف استراتيجية. ولو كان الأميركيون قد فهموا بشكل أفضل هذه السمة المميزة لحكومتهم في نهاية الحرب، لكانوا أظهروا معارضة أكبر للتدخلات اللاحقة للولايات المتحدة في دول أخرى. لكن بعد الحرب، نجح المدافعون القوميون في إخفاء الدروس المستفادة من هيروشيما وناجازاكي. وهذا يفسر بشكل جزئي لماذا ظلت المعارضة الداخلية صامتة لفترة طويلة إزاء العدوان الأمريكي ضد جنوب شرق آسيا— والذي بدأ بعد بضع سنوات عقب الحرب العالمية الثانية وأدى في النهاية إلى وفاة الملايين هناك. وفي الوقت الحاضر، لا يزال الجيش الامريكي يصوّر القنبلة الذرية بشكل إيجابي. فقد استُلهمت حملة "الصدمة والرعب" في بداية الحرب على العراق في عام 2003 من عقيدة كانت تسعى إلى "تحقيق مستوى من الصدمة القومية مماثل لتأثير إسقاط القنبلتين النوويتين على هيروشيما وناجازاكي على اليابانيين".

إن مبررات قصف هيروشيما وناجازاكي تقوم في النهاية على فكرة أن المقاييس التي تطبق على معظم الدول غير قابلة للتطبيق على حكومة الولايات المتحدة وحلفائها. وكثيرا ما قوض نفس هذا الافتراض الجهود الدولية للحد من الأسلحة. إن الخطاب الغربي السائد بشأن ايران يرى انه من غير المرغوب فيه أن تمتلك طهران قنبلة نووية— لكنه يتجاهل ببساطة حقيقة أن امتلاك الولايات المتحدة أو إسرائيل لترسانات نووية يمثل نفس القدر من الإشكالية.

هذه ليست قضية أخلاقية فحسب— بل هى أيضا مشكلة واقعية أمام نزع السلاح. وبطريقة مشابهة للمحاولات الهزلية للجنرال ليزلي جروفز لشراء جميع إمدادات اليورانيوم في العالم خلال الحرب العالمية الثانية، قامت الولايات المتحدة بشن معركة لامتلاك الأسلحة النووية والتحكم في انتشارها إلى دول أخرى، لكنها خسرت تلك المعركة تدريجيا. وقد امتلكت ثماني دول أسلحة نووية على مدى سبعة عقود منذ تفجيرىّ هيروشيما وناجازاكي. ونظرا لعدم الاستقرار المتأصل في تشكيل القوى النووية المتعددة، فإن الطريقة الوحيدة لضمان ألا يشهد العالم تفجيرا نوويا آخر خلال العقود السبعة المقبلة هو أن ندرك أنه لا يمكن الاستمرار في منع انتشار الأسلحة النووية بدون نزع السلاح العالمي.

نظام عادل. وكما فشلت السياسة في استيعاب الدروس من التفجيرات النووية، فشل كذلك المجتمع العلمي في التأمل بإمعان في دوره في تطوير الأسلحة النووية. حتى أعضاء "لجنة الهدف" أفلتوا من الازدراء في الأوساط الأكاديمية. وتجسد مذكرات ريتشارد فاينمان الطريقة التي سوغ بها المجتمع العلمي تعاونه مع الجيش: "أعطاني فون نيومان فكرة مثيرة للاهتمام: هى أنه لا ينبغي أن تكون مسؤولا عن العالم الذي تعيش فيه، لذلك نما لدىّ شعور قوي للغاية بعدم المسؤولية الاجتماعية ".

وبتهدئة ضمائرهم بهذه الطريقة، تقبّل العلماء طواعية قيام مؤسسة الدفاع الأميركية باحتضانهم في فترة ما بعد الحرب. وكما أوضح مؤرخ العلوم بول فورمان "في مقابل عرض أموال كبيرة، لم يكن الإقناع السياسي ولا النزعة المضادة للسياسية قويين بما يكفي لإيقاف علماء الفيزياء".

هذا الترتيب يتنازل عن السلطة لصناعة الدفاع على حساب اتجاهات البحوث. لكنه يحد أيضا من المساحة المتاحة للمعارضة في المؤسسات الأكاديمية. على سبيل المثال، يمكن استخدام القانون الأمريكي المعروف باسم "تعديل سولومون" لمنع التمويل الفيدرالي للبحوث لأي جامعة ترفض قبول مجندين عسكريين أو تحظر هيئة تدريب ضباط الاحتياط.

وهذا الوضع مماثل لما يحدث في الهند، حيث تقوم هيئة الطاقة الذرية بتمويل أبحاث الرياضيات والفيزياء النظرية. وفي عام 1962، تم نقل عالم الرياضيات البارز "دي.دي. كوسامبي" من معهد تاتا للبحوث الأساسية— ظاهريا لنشره دليلا غير صحيح لفرضية ريمان، لكن تم ذلك على الأرجح لمعارضته العلنية للأسلحة النووية والطاقة النووية. وبعد عدة عقود، أعطت هيئة الطاقة الذرية تعليمات لمعهد العلوم الرياضية باتخاذ إجراءات ضد أعضاء هيئة التدريس به الذين قاموا بمعارضة التجارب النووية التي أجرتها الهند عام 1998. وقد وقعت حوادث مماثلة في الآونة الأخيرة— لكن يصعب توثيقها بصورة شاملة نظرا لطبيعتها.

يرتبط بقاء البشرية، في العصر النووي، ارتباطا وثيقا بالقضاء على الحروب؛ وقد كان هذا واضحا منذ وقت طويل. لكن السلام الدائم لن يكون ممكنا إلا في ظل نظام دولي عادل— بحيث لا يُسمح بوقوع اعتداءات من قبل الدول القوية، وتسترشد العلاقات الدولية بالمساواة بدلا من الاستثناءات، وتسترشد العلوم بالأهداف الاجتماعية بدلا من العسكرية. لقد حان الوقت للعالم، في الذكرى الـ70 لتفجيرىّ هيروشيما وناجازاكي، أن يعترف بهذه الدروس ويعمل بموجبها.

الأسلحة النووية: ليست محرّمة بما فيه الكفاية

أتمنى لو استطعت الجدال بأن العالم قد استوعب بشكل صحيح الدروس المستفادة من تفجيرىّ هيروشيما وناجازاكي. لكن للأسف، لا بد لي من الجدال خلافا لذلك.

لماذا؟ أولا وقبل كل شيء، فإن أعدادا كبيرة من الناس في جميع أنحاء العالم يعتقدون أن إسقاط القنبلتين الذريتين— بغض النظر عن مدى العواقب الكارثية لسكان هيروشيما وناجازاكي— قد أنقذ أرواحا، ربما بالملايين، بسبب إنهائهما للحرب العالمية الثانية بشكل فوري. لكن التاريخ لا يؤيد وجهة النظر تلك. فاليابان كانت قد فقدت بالفعل الكثير من الأراضي في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. وسقطت الأنظمة الفاشية في أوروبا، وانتهت الحرب في أوروبا وشمال أفريقيا والشرق الأوسط. وتُركت اليابان لمحاربة أعدائها وحدها. في ظل هذه الظروف، لم يكن بمقدور الإمبراطورية اليابانية بأي حال أن تطيل الحرب أكثر من ذلك. وكما قال دوايت أيزنهاور "كان اليابانيون مستعدين للاستسلام ولم يكن من الضروري أن نضربهم بهذا الشيء المرعب".

ثانيا، لم يُحاكم أي شخص نتيجة قصف هيروشيما وناجازاكي، وكان لذلك أثر عميق على الكيفية التي يُنظر بها إلى تلك التفجيرات النووية. لقد تمت محاكمة مجرمو الحرب الألمان واليابانيون في محكمتي نورمبرج وطوكيو، لكن لم تتم محاكمة رجل مثل الجنرال كورتيس ليماي— الذي أحرقت قواته الجوية مدنا في كافة أنحاء اليابان، ما أسفر عن مقتل مئات الآلاف من المدنيين حتى قبل قصف هيروشيما وناجازاكي. وقد قال ليماي في وقت لاحق "لو كنا خسرنا الحرب، لتمت محاكمتنا كمجرمي حرب". لكن الولايات المتحدة لم تخسر الحرب، وفي العقود التي تلت ذلك لم يكن هناك مناقشات كافية حول مشروعية تلك التفجيرات النووية. ونتيجة لذلك، اكتسبت الأسلحة النووية بعض المشروعية.

ثالثا، قام أعضاء النادي النووي—الولايات المتحدة وروسيا، على سبيل المثال—في بعض الأحيان بإصدار تهديدات نووية من أجل تحقيق أهداف سياسية. وتراوحت تلك الأهداف ما بين ردع العمليات العسكرية للخصوم وبين إحداث تغيير للنظام. لكن لسوء الحظ، فإن مثل تلك التهديدات استطاعت إقناع القادة الوطنيين بأن الحفاظ على أنظمتهم يتطلب إنشاء رادع نووي— مثلما كان الحال مع كوريا الشمالية. من ناحية أخرى، يرغب القادة دائما على مدار التاريخ الحصول على أقوى الأسلحة في عصرهم. وبالتالي، من الصعب أن نتفاءل بشأن آفاق نظام عدم الانتشار على مدى العقود المقبلة.

أخيرا، يتعامل غالبا العاملون في مجال العلاقات الدولية مع الردع النووي كما لو كان حقيقة لا جدال فيها. ووفقا لمقولة شائعة أيام الحرب الباردة، اضطرت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي لممارسة ضبط النفس بسبب التدمير المؤكد المتبادل وقدرة كل منهما على شن ضربة نووية ثانية تجاه الآخر. وقد حال ذلك الأمر دون تحول الأزمات إلى صراعات خطيرة. لكن الظروف التي كانت سائدة في تلك الحقبة كانت غريبة للغاية. على سبيل المثال، تم الفصل بمسافات هائلة بين أكثر المناطق المأهولة بالسكان في كل من المتحدة والاتحاد السوفياتي. بحيث إذا شن أحد الطرفين هجوما نوويا، كان هناك وقت أمام الطرف الآخر لشن هجوم انتقامي. هذا الأمر جعل الردع موثوق به إلى حد ما. لكن الأمر الذي غالبا ما يفشل محللو الأمن الدولي في استيعابه هو أن الردع يكون أقل موثوقية في المناطق المتلاصقة مثل منطقة الشرق الأوسط. في تلك المنطقة المضطربة وأماكن أخرى، أحيانا تكون الكراهية بين الدول قوية جدا لدرجة أنه إذا كانت هناك أسلحة نووية تحت تصرف بعض القادة، لقاموا باستخدامها بالفعل بغض النظر عن العواقب (حتى لو كانت عليهم أنفسهم). لم يستوعب كثير من الناس المأساة التي حلت بالشعب الياباني جرّاء تفجيرات هيروشيما وناجازاكي، وبالمثل فهم أحيانا يفتقدوا التعاطف مع إخوتهم في الإنسانية في الدول المتنافسة.

لقد بذل المجتمع الدولي جهودا متضافرة ومستفيضة لمنع الانتشار النووي. لكن التقنية المتعلقة بصنع الأسلحة النووية ما زالت تنتشر. ولا يمكن بأي حال من الأحوال تجاهل إمكانية وقوع الأسلحة النووية في أيدي منظمات إرهابية ترغب في دمار العالم. لذا، أخشى أنه لن تمر سبعة عقود أخرى دون حدوث تفجير نووي جديد.

في حياة الناجين من القنبلة الذرية

الذكرى الـ 70 لتفجيرات هيروشيما وناجازاكي هى ذكرى رمزية للغاية. إذ إن سبعين عاما هى تقريبا متوسط العمر البشري—لذا لم يبق متسع من الوقت أمام العدد القليل نسبيا من الأفراد الذين لديهم خبرات مباشرة بالتفجيرات النووية في زمن الحرب. فقد مات العديد من الناجين من تفجيرات هيروشيما وناجازاكي (يطلق على هؤلاء الناجين باللغة اليابانية اسم الهيباكوشا). بينما لا يزال أقل من 200 ألف ناجٍ على قيد الحياة.  ويبلغ متوسط أعمار الهيباكوشا حاليا أكثر من 80 عاما. فما هو الإرث الذي سيتركونه وراءهم؟ وهل استوعب العالم الدروس التي أراد الهيباكوشا أن يُعلّموها؟ وكيف ستتذكر الأجيال القادمة هيروشيما وناجازاكي؟

لقد تكلم الهيباكوشا بلا كلل وبشجاعة عن تجاربهم المأساوية على مدى عقود. وحذروا العالم من الآثار الوحشية وغير الإنسانية وغير الأخلاقية للأسلحة النووية. وقاموا مرارا بإرسال وفود إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة وإلى مؤتمرات استعراض معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. كما قاموا بإجراء حملات لكتابة رسائل لحث الدول الحائزة لأسلحة نووية على تسريع عملية نزع السلاح. وقد ناشدوا كلا من واضعي السياسات والأشخاص العاديين لخلق عالم خالٍ من الأسلحة النووية.

لكن كثيرا ما تم تجاهل أصوات الهيباكوشا خارج اليابان. وفي الواقع، قد أسئ تفسير رسالتهم في بعض الأحيان لدرجة أن التجارب المروّعة التي وصفوها تم اعتبارها كحافز للدول للقيام بتطوير أسلحة النووية باسم الردع.

لكن الردع لا يفسر لماذا لم تُستخدم الأسلحة النووية في زمن الحرب على مدى العقود السبعة الماضية. لقد فكرّت الولايات المتحدة في استخدام الأسلحة النووية خلال حروبها في كوريا وفيتنام— لكنها لم تستخدمها. فقد رفض القادة الأمريكيون الخيار النووي، ليس خوفا من الانتقام، ولكن لأنهم أدركوا الآثار الجسدية والإنسانية والسياسية التي ينطوي عليها الخيار النووي. وبعبارة أخرى، ليس استعداد العدو لاستخدام الأسلحة النووية هو الذي منع حدوث تفجيرات نووية خلال الحروب على مدى 70 عاما، وإنما إدراك التأثير الكارثي لهذه الأسلحة هو الذي منع ذلك.

لكن بينما تتقدم أعمار الهيباكوشا وتخبو ذكرياتهم، فقد تضعف المحرمات التي تحيط باستخدام الأسلحة النووية في مناقشات السياسة الوطنية. حتى في اليابان في الوقت الحاضر، فإن عقيدة الردع النووي تواجه معارضة أقل. وقد أتاح ذلك مساحة لبعض أصحاب الأيدولوجيات للدعوة إلى أن تصبح اليابان نفسها مسلحة نوويا.

ومع ذلك، تجدد خلال السنوات الأخيرة أمل نزع السلاح لدى الهيباكوشا، الذين يحلمون برؤية عالم خالٍ من الأسلحة النووية أثناء حياتهم. ويرجع تجدد أملهم هذا إلى حد كبير إلى زيادة تركيز المجتمع الدولي على الآثار الإنسانية المترتبة على استخدام الأسلحة النووية.

حركة بدأت العمل. يمكن القول أن "المبادرة الإنسانية" بدأت عام 2010 بدعوة من رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر الذي أشار إلى "المعاناة الإنسانية المرعبة" التي تسببها الأسلحة النووية ودعا إلى القضاء عليها "من خلال معاهدة دولية ملزمة قانونا". وفي العام التالي، أصدر مجلس مندوبي الصليب الأحمر والهلال الأحمر قرارا سلط الضوء على "القوة التدميرية للأسلحة النووية [و] التهديد الذي تمثله على البيئة والأجيال القادمة". وناشد القرار جميع الدول أن "تتأكد من أن الأسلحة النووية لن تستخدم مرة أخرى أبدا" وأن تعمل بإلحاح وإصرار على التوصل إلى اتفاق ملزم يقضي على الأسلحة النووية.

بعد ذلك، خلال اجتماع حول معاهدة حظر الانتشار النووي عام 2012 في فيينا، أصدرت دولة سويسرا بيانا نيابة عن 16 دولة يؤكد على أهمية الأبعاد الإنسانية لنزع السلاح النووي. لكن البيان أحجم عن الدعوة لفرض حظر على الأسلحة النووية. وقد ازداد عدد الدول التي تدعم البيان، وبحلول شهر أبريل من هذا العام، كانت 159 دولة قد وقعت على النسخة السادسة من هذا البيان.

في غضون ذلك، تم إجراء سلسلة من المؤتمرات الدولية بشأن الآثار الإنسانية للأسلحة النووية. قامت هذه المؤتمرات التي ارتكزت على الدروس المستفادة من هيروشيما وناجازاكي بعرض شهادات الهيباكوشا، إضافة إلى شهادات الناجين من التجارب النووية. وقد أبرز الخبراء الآثار الكارثية التي قد تنجم جرّاء أي تفجير نووي—سواء أكان عن قصد أو عرضيا أو نتيجة لسوء تقدير. فقد يؤدي ذلك إلى مقتل أو إصابة أو تشريد عشرات الملايين. كما سيتم تعطيل المناخ العالمي، مما يؤدي إلى مجاعة. كذلك ستُدمر البنى التحتية للاتصالات وسوف يتضرر الاقتصاد العالمي، مما يجعل من المستحيل قيام الحكومات أو وكالات الإغاثة بأي استجابة إنسانية فعالة.

وردا على هذه السيناريوهات المرعبة، قال رئيس المؤتمر الإنساني الذي أقيم في ولاية ناياريت المكسيكية عام 2014 إنه "قد حان الوقت لبدء عملية دبلوماسية" للوصول إلى "معايير وقواعد دولية جديدة من خلال اتفاقية ملزمة قانونا". كما ذكر أيضا أنه "في الماضي، قد تم القضاء على الأسلحة بعد أن تم حظرها"، وأن "هذا هو السبيل إلى تحقيق عالم خالٍ من الأسلحة النووية". وبعبارة أخرى، دعا إلى فرض حظر تام على الأسلحة النووية— وهو أمر من شأنه أن يتجاوز متطلبات نزع السلاح الضعيفة نسبيا لمعاهدة حظر الانتشار النووي. وحدد الذكرى الـ70 لهجمات هيروشيما وناجازاكي على أنها "معلم رئيسي مناسب لتحقيق هدفنا".

في الواقع، لا ينظم القانون الدولي الحالي الأسلحة النووية بشكل صحيح. إن الأسلحة النووية ليست محظورة بعبارات واضحة، خلافا لغيرها من أسلحة الدمار الشامل. ومعاهدة حظر الانتشار النووي هي المعاهدة الوحيدة المتعددة الأطراف التي تحتوي على تعهد ملزم لنزع السلاح النووي—لكن هذه المعاهدة تسمح عمليا لخمس دول بامتلاك أسلحة نووية، بينما تمنع معظم الدول من امتلاك هذه الأسلحة. ما نحتاجه، إذن، هو فرض حظر قانوني شامل ضد جميع الأسلحة النووية.

من أجل تصحيح هذا القصور الأساسي في نظام نزع السلاح، بادرت الحكومة النمساوية في المؤتمر الإنساني الذي أقيم في فيينا عام 2014 باقتراح ما أصبح يعرف باسم "التعهد الإنساني". حيث دعت النمسا في هذا التعهد جميع الأطراف في معاهدة عدم الانتشار إلى "تحديد واتخاذ تدابير فعالة لسد الفجوة القانونية لحظر الأسلحة النووية والقضاء عليها". من الواضح أن هذا البيان، على الرغم من صياغته بلغة دبلوماسية لطيفة، يعتبر معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية غير كافية لتحقيق نزع السلاح ومن ثم يتعهد بالعمل على وضع معاهدة بديلة تكون أكثر صرامة من الناحية القانونية. وقد بدأ عدد من منظمات المجتمع المدني بالترويج لهذا التعهد—الذي تم التصديق عليه من قبل حوالي 110 من حكومات الدول، وهذا العدد آخذ في الازدياد.

إرث مناسب. عمل الهيباكوشا على مدى 70 عاما على إخبار الآخرين بأن الأسلحة النووية غير إنسانية، وأن النتائج المترتبة على استخدامها غير مقبولة. وفي ولاية ناياريت، قالت سيتسوكو ثورلو، إحدى الناجيات من القنبلتين الذريتين، إنه "على الرغم من أننا، نحن الهيباكوشا، استنفذنا حياتنا في تحذير الناس من الجحيم المتمثل في الحرب النووية، لم يتم إحراز تقدم ذي بال في مجال نزع السلاح النووي على مدى نحو 70 عاما. … ونأمل أن هذه الحركة الجديدة لحظر الأسلحة النووية سوف تؤدي بنا في النهاية إلى عالم خال من الأسلحة النووية ".

بينما يتبقى وقت محدود أمام هؤلاء الذين لديهم خبرات مباشرة بالتفجيرات النووية في زمن الحرب، يعتبر الوقت الحاضر هو اللحظة المناسبة لوضع معاهدة دولية تقوم بوصم وتجريم الأسلحة النووية وتعمل على القضاء التام عليها. مثل هذه المعاهدة سوف تكرّم سبعة عقود من عمل الهيباكوشا وتتيح لهم إرثا مناسبا خالداً.

Round 2

غابات سياسية وأشجار تقنية

ناقش زميلي أكيرا كاواساكي، في جولة الاجتماع الثانية، كارثة فوكوشيما وآثارها على الأسلحة النووية، بينما تعمّق مصطفى كيبر أوغلو في بحث مخزونات اليابان من البلوتونيوم. وقد أبرز كلا المؤلفين نقاطا هامة حول الجوانب الفنية والإنسانية للسلامة والأمن النوويين. غير أنه من المهم هنا ألا نغفل السؤال السياسي الرئيسي الذي طرحته تفجيرات هيروشيما وناجازاكي: ما نوع النظام السياسي الذي سمح لحكومة الولايات المتحدة بارتكاب أعمال إرهابية ثم مكّن القادة المسؤولين عن تلك الأعمال من الافلات من العواقب المحلية والدولية؟

لطالما تجنّب مجتمع الحد من التسلح الإجابة على مثل هذه الأسئلة. لكن هذا لا يعني أن القضايا التقنية التي يعالجها مجتمع الحد من التسلح غير مهمة. فمثلا، يذكرنا كيبر أوغلو من خلال استعراضه لمخزون اليابان من البلوتونيوم أن الصناعات النووية المدنية تزيد بشكل تلقائي من خطر انتشار الأسلحة النووية. ويستخدم صانعو السياسات هذا الالتباس لصالحهم. في وقت مبكر من عام 1955، أقرّ هومي بابا، أول رئيس للجنة الطاقة الذرية الهندية، بأن "صناعة القدرة الذرية … ستضع في أيدي العديد من الدول كميات من المواد الانشطارية التي بواسطتها … سيكون تصنيع قنابل ذرية… خطوة سهلة". ومن المؤكد أن برنامج الهند للطاقة الذرية وضع الأساس للأسلحة النووية. حاليا، تستعد الهند لتشغيل مفاعل توليد سريع نموذجي قيل إنه سيعمل بطاقة قدرها 500 ميجاوات، لكنه لا يتمتع بضمانات دولية، ويمكن استخدامه لتوليد حوالي 140 كيلوجراما سنويا من البلوتونيوم المستخدم في صنع الأسلحة.

في الوقت نفسه، كان كاواساكي محقا في أن حادثة فوكوشيما قد أبرزت المخاطر التي تشكلها كل من مفاعلات الطاقة النووية والأسلحة النووية في زمن السلم. إن الصناعة النووية تستخدم مصطلح "دفاع في العمق" لوصف أنظمة السلامة المتعددة التي تحمي المفاعلات. لكن في بعض الأحيان يمكن أن تؤثر حادثة واحدة غير متوقعة على عناصر نظام متعدد بشكل متزامن؛ على سبيل المثال، تعطل 12 مولد ديزل احتياطي من أصل 13 مولدا في فوكوشيما جراء كارثة تسونامي. لذلك، يكون الشك مبررا عندما تستخدم الحكومات نفس العبارات الطنّانة القائلة بأن سيطرتها على الترسانات النووية موثوق بها تماما. كما يمكن أن تكون الأسلحة النووية عرضة لسيناريوهات الكوارث النووية، التي يتعمّد فيها أحد العامليين الداخليين بتدبير كارثة نووية. تحطم الطائرة الألمانية في مارس 2015—حيث قاد مساعد الطيار طائرته باتجاه جبال الألب الفرنسية مستخداما النظم الأمنية الخاصة بالطائرة لإبقاء الطيار خارج قمرة القيادة— كان مثالا مروعا على مثل هذه الحوادث.

تحديات وإصلاحات. في حين أنه من الضروري تحسين السلامة والأمن النووين، يجب ألا ننسى أن تفجيرىّ هيروشيما وناجازاكي كانت قرارات سياسية واعية. وعلى الرغم من بشاعة تلك التفجيرات، فكرت الحكومة الأمريكية مرارا في اتخاذ إجراءات مماثلة مرة أخرى.

في عام 1969، كتب هنري كيسنجر مذكرة إلى ريتشارد نيكسون تلخص الخطط المحتملة لشن هجوم ضد فيتنام الشمالية. ولم تؤكد المذكرة على أن "العمل يجب أن يكون وحشيا"، فحسب، بل أيضا "يجب … أن يكون مبنيا على عزم مؤكد للقيام بكل ما هو ضروري لتحقيق النجاح". أرفقت مع هذه المذكرة قائمة بـ"أسئلة هامة"، كان من بينها:"هل يجب أن نستعد لاستخدام أسلحة نووية؟" وفي الآونة الأخيرة، في عام 2006، ذكر الصحفي الاستقصائي سيمور هيرش أن إدارة بوش قد فكرت في استخدام أسلحة نووية تكتيكية ضد إيران.

لم تقم حكومة الولايات المتحدة بهجمات نووية في كلتا الحالتين، لكن يجب أن يُنظر إلى مثل هذه الحوادث في سياقها التاريخي المناسب— أى أن الجيش الأمريكي قد استخدم مرارا وتكرارا تكتيكات إرهابية غير نووية. في عام 2004، على سبيل المثال، قامت القوات الأمريكية، بعدما واجهت مقاومة في مدينة الفلوجة العراقية، بمحاصرة المدينة وهاجمتها بالفوسفور الأبيض— وهي مادة  كيميائية حارقة— واستولت على مستشفى الفلوجة العام وتسببت في فرار جزء كبير من سكان المدينة وهم في حالة من الفزع.

تكشف مثل هذه الأحداث عن النظام السياسي الذي يسمح بأن يكون هؤلاء الذين يمارسون السلطة بمنأى عن العواقب الإنسانية المترتبة على أفعالهم. وفي الولايات المتحدة، يتم إبعاد أصحاب السلطة عن العواقب السياسية المحلية عن طريق الدعاية الداخلية التي تصور أعمالهم بأنها ضرورية وعادلة— أو على الأقل، بأنها تمّت في الأساس بنية حسنة.

يمكن أن يلعب عامة المثقفين دورا هاما في هذا المجال—من خلال مواجهة هذه الادعاءات الكاذبة بكل قوة. صحيح أن الاضطلاع بهذه المهمة سوف يتطلب من الأكاديميين تجاوز تخصصاتهم المحددة تقليديا والدخول في منطقة هى سياسية بطبيعتها وليست تقنية. لكن يمكننا أن نأمل في تخليص العالم من الأسلحة النووية فقط من خلال تحدي النظام الذي مكّن لتفجيرىّ هيروشيما وناجازاكي وإصلاحه بطريقة جوهرية.

كيف يقوّض البلوتونيوم جهود الهيباكوشا

كتب أكيرا كاواساكي في جولة الاجتماع الأولى أنه " كثيرا ما تم تجاهل" الجهود النبيلة لنزع السلاح التي يقوم بها الهيباكوشا—الناجون من القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناجازاكي—خارج اليابان. وفي الواقع قد "أسئ تفسير رسالتهم في بعض الأحيان" حيث قد تم "اعتبارها كحافز للدول للقيام بتطوير أسلحة النووية باسم الردع".

إن هذا لأمر مخز. ومع ذلك، أجدني أتساءل هل من الممكن أن يكون فشل العالم في الاستجابة لرسالة الهيباكوشا عائدا في جزء منه على الأقل إلى مخزون اليابان الهائل والمتزايد من البلوتونيوم. كما أتساءل عما إذا كان امتلاك الكثير من المواد الانشطارية يُضعف من رسالة نزع السلاح التي تستطيع اليابان دون سواها من الدول توصيلها للعالم— بوصفها الدولة الوحيدة التي عانت من تفجيرات الأسلحة النووية في زمن الحرب.

لقد جمعت اليابان على مدار سنين عديدة حوالي 47 طنا متريا من البلوتونيوم (الذي تم فصله من الوقود المستهلك). ومن إجمالي الـ 47 طنا، تم تخزين 36 طنا في المملكة المتحدة وفرنسا، أما الـ11 طنا الباقية فهى مخزنة في اليابان. هذه الكمية من البلوتونيوم—والتي تكفي لتصنيع الآلاف من الأسلحة النووية— تقلل بشكل كبير من ثقة المجتمع الدولي في أن اليابان لن تحاول أبدا القيام بتطوير أسلحة نووية. وبالتالي، فهذا يقوض من التعاطف الذي تستحقه اليابان بوصفها ضحية العالم الوحيدة والمباشرة للحرب النووية.

هناك اتجاهات سياسية معينة في اليابان تؤدي إلى تفاقم المشكلة. وكما كتب كاواساكي فإن "عقيدة الردع النووي تواجه معارضة أقل" في اليابان في الوقت الحاضر، وهناك دعوة "لبعض أصحاب الأيدولوجيات … إلى أن تصبح اليابان نفسها مسلحة نوويا". وفي الوقت نفسه، عندما يقترح دعاة نزع السلاح أن تحذو اليابان حذو السويد بأن تجعل وضعها غير النووي سمة دائمة وغير مشروطة لسياستها الخارجية والأمنية، يرد مسؤولون يابانيون بأن القانون الأساسي للطاقة الذرية للبلاد يمنع بالفعل الاستخدامات العسكرية للتقنية النووية. لكن هذا لا يبعث على الثقة داخل المجتمع الدولي بأن اليابان سوف تظل غير حائزة لأسلحة نووية للأبد.

ما ينبغي القيام به. ينبغي على السلطات اليابانية أن تنظر في اتخاذ سلسلة من الخطوات الملموسة لتقديم جميع الضمانات الممكنة بأن اليابان لن تصبح مسلحة نوويا تحت أي ظرف من الظروف.

أولا وقبل كل شيء، يجب ألا يزيد مخزون اليابان من البلوتونيوم عما هو عليه حاليا. وهذا يعني إلغاء الخطط المتعلقة بمنشأة روكاشو لإعادة معالجة البلوتونيوم— المقرر أن يبدأ تشغيلها في عام 2016 وذلك بعد عقود من التأخير وإنفاق عشرات المليارات من الدولارات. ثانيا، ينبغي على السلطات اليابانية أن تنظر في توسيع نطاق برنامجها لاستخدام وقود الأكسيد المختلط من البلوتونيوم واليورانيوم في مفاعلات الطاقة. فهذا يمكن أن يؤدي إلى تخفيضات في مخزونات البلوتونيوم مع مرور الوقت. إذا لم تقم اليابان بفصل مزيد من البلوتونيوم واستخدمت تدريجيا البلوتونيوم الذي تمتلكه بالفعل، فإنها بذلك سوف ترسل إلى العالم رسالة قوية لمنع انتشار الأسلحة النووية— وربما يعزز ذلك من الجهود الدولية لكي تصبح معاهدة وقف إنتاج المواد الانشطارية المقترحة حقيقة واقعة.

أنا أدرك أن قيام اليابان بمهمة تخفيض مخزوناتها من البلوتونيوم يمكن أن يعتبر أمرا غير عادل في الوقت الذي ظل سجل الحكومة اليابانية المتعلق بمنع الانتشار جديرا بالثناء على مدى عقود. كما أدرك أن القادة اليابانيين قلقون، لأسباب مفهومة، بشأن الترسانة النووية لكوريا الشمالية. لذلك، فمن الإنصاف أن أقترح أنه في حين تقوم اليابان بحل مشكلة البلوتونيوم، يقوم أصدقاؤها وحلفاؤها بالبحث عن سبل لتعزيز تضامنهم مع طوكيو وتعزيز أمنها.

لا تزال الأخطار النووية قائمة، كما أثبتت حادثة فوكوشيما

في يوم 9 أغسطس عام 2011—عقب مرور 66 عاما على إلقاء القنبلة الذرية على ناجازاكي، لكن بعد مرور خمسة أشهر فقط على الكارثة التي وقعت في محطة فوكوشيما دايتشي للطاقة النووية— قال عمدة مدينة "ناجازاكي" توميهيسا تاوي إنه قبل وقوع حادثة فوكوشيما، كان كثير من الناس يؤمنون بأسطورة السلامة في محطات الطاقة النووية. وتساءل تاوي: "لكن ماذا عن وجود أكثر من 20 ألف سلاح نووي في العالم؟". "هل ما زلنا نعتقد أن العالم سيكون أكثر أمانا بفضل الردع النووي؟ هل ما زلنا نعتبر أنه من المسلم به أنه لن يتم مطلقا استخدام الأسلحة النووية مرة أخرى؟"

والآن وبعد مرور أربع سنوات، لا تزال كارثة فوكوشيما في الأخبار— فهناك أكثر من مائة ألف شخص تم إجلاؤهم غير قادرين على العودة إلى ديارهم ولا يزال موقع الكارثة خارجا عن السيطرة. وفي الوقت نفسه، مرت سبعة عقود منذ تفجيرىّ هيروشيما وناجازاكي النوويين وقد تحول انتباه العالم بعيدا عن الأسلحة النووية. لكن المخاطر التي تشكلها هذه الأسلحة لم تختفِ بعد.

أخطاء بشرية وأعطال فنية. في عام 2012، ذكرت لجنة مكلفة من قبل البرلمان الياباني بالتحقيق في كارثة فوكوشيما أن الحادثة كانت "كارثة من صنع الإنسان بشكل كبير" وخلصت اللجنة إلى أن كلا من مشغل المفاعل والجهة التنظيمية الوطنية كانا على دراية بأن منشأة فوكوشيما تتطلب تعزيزات هيكلية— لكنهما اختارا عدم معالجة المشكلة. في الواقع، الحكومة اليابانية والقطاع الصناعي والخبراء النوويون يحتفظون فيما بينهم بعلاقة متواطئة أكسبتهم هذا اللقب الساخر "القرية النووية". وقد انتقدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في تقريرها النهائي حول فوكوشيما الصادر في مايو 2015، مشغل المحطة لعدم إيلائه اهتمام كاف للأحداث ذات "الاحتمال الضعيف والآثار الوخيمة". وحسبما ذكرت الوكالة فإن هذا الفشل نابع جزئيا من "الافتراض الأساسي في اليابان، الذي تم تعزيزه على مدى عقود عديدة، بأن متانة التصميم الفني لمحطات الطاقة النووية من شأنه أن يوفر الحماية الكافية ضد المخاطر المفترضة".

هل الأسلحة النووية مستثناة من هذه الأخطاء؟ لا ليست مستثناة— إذ تدعو كل الدلائل إلى الاعتقاد بأن الأفراد المسؤولين عن سلامة الأسلحة النووية سوف يظهرون، مثل غيرهم من البشر، قدرا من التردد في التعامل مع التحديات الصعبة والميل إلى الابتعاد عن الحقائق المزعجة وقدرا بسيطا من الخطأ. وقد ذكر الصحفي المحقق الأمريكي إريك شلوسر، في كتابه "القيادة والسيطرة" الصادر عام 2013، العديد من الحوادث الخطيرة التي تنطوي عليها الأسلحة النووية، أو حوادث "السهم المكسور"، التي أصابت المجمع النووي الأمريكي على مدى عقود. وقد وصف شلوسر الأسلحة النووية بأنها "أكثر الآلات فتكا وخطرا" في العالم، وذلك خلال جداله بأنه لن تكون هناك أي وسيلة حاسمة لضمان أن الأسلحة النووية ستكون سليمة وآمنة بشكل تام.

وحتى لو افترضنا أن الأسلحة النووية لن تستخدم عمدا في زمن الحرب مرة أخرى— ومثل هذا الافتراض قد يكون ضربا من التمني، نظرا لعدد الصراعات التي لا يمكن التنبؤ بها في جميع أنحاء العالم حاليا—لا يزال قلق بالغ يحيط الافتراض بأن الأفراد الذين يمارسون القيادة والسيطرة على الأسلحة النووية لن يرتكبوا مطلقا أخطاء كارثية تؤدي إلى تفجير نووي. (ذكرت وكالة أنباء كيودو هذا العام أن الطاقم الأمريكي لمكافحة الصواريخ في أوكيناوا، في المرحلة الأخيرة من أزمة الصواريخ الكوبية، تلقى أمرا بإطلاق نووي—وهو أمر صدر بطريق الخطأ). ولا يمكن للمرء أن يفترض أن النظم التقنية لن تفشل أبدا، سواء لأسباب عادية مثل التقادم أو لأسباب أقل احتمالية مثل الهجمات الإلكترونية.

من المؤكد أن احتمال حدوث تفجير نووي هو احتمال ضعيف. لكن كان من المفترض أن يكون احتمال وقوع حادثة في فوكوشيما ضعيفا أيضا. لكن عندما وقعت الحادثة، كانت العواقب كارثية.

Round 3

العلم من أجل السلام

ناقش زميلي أكيرا كاواساكي، في وقت سابق في جولة الاجتماع الثالثة، الانقسام بين مبادئ اليابان المعلنة التي تدعو إلى نزع السلاح وبين سياساتها التي لا تعزز هذه القضية. وقام مصطفى كيبر أوغلو بإجراء تحليل مماثل بالنسبة لتركيا. توجد نفس هذه الديناميكية في أماكن أخرى. على سبيل المثال، تلتزم المملكة المتحدة بنزع السلاح النووي في إطار معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، لكن عندما انتخب حزب العمال مؤخرا زعيما جديدا يعارض الأسلحة النووية، وصفه حزب المحافظين الحاكم بأنه يمثل "تهديدا للأمن القومي". وفي ختام هذه المائدة المستديرة بمناسبة الذكرى الـ70 لتفجيرات هيروشيما وناجازاكي، أشعر أنه من المناسب أن نعود بالاهتمام إلى الولايات المتحدة التي نفذت تلك الهجمات.

تبقى السياسة النووية الأمريكية مسألة ملحة اليوم—وذلك بسبب، من بين عدة أسباب أخرى، المشاركة العسكرية المستمرة لواشنطن في غرب آسيا ونزاعها مع إيران. في هذا السياق، هناك جوانب عديدة للمناقشات الأمريكية حول الاتفاق النووي مع إيران تبعث على القلق.

كان الاتجاه السائد للمناقشات الأمريكية محصورا ضمن حدود ضيقة. فمن ناحية، قال زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، في سبتمبر إنه لم يكن هناك "شك في أن برنامج إيران النووي كان مصمما لتطوير سلاح نووي"، وعبّر عن أسفه لقيام إدارة أوباما "بالإذعان للهيمنة الإيرانية". كما انتقد رئيس مجلس النواب، جون بينر، الصفقة بسبب عدم السماح "للمفتشين الدخول لأي مكان وفي أي وقت على مدار الساعة في كافة أيام الأسبوع". ولتبديد هذه المخاوف، قامت مجموعة مكونة من 29 شخصا من كبار العلماء الأمريكيين بكتابة رسالة إلى الرئيس أوباما في أغسطس، حيث وصفوا الاتفاقية بأنها "اتفاق مبتكر به … قيود صارمة"—لكنهم أشاروا أيضا إلى أن "الكشف عن أي انتهاك خطير لهذا الاتفاق سوف يقدم… مبررا قويا للتدخل".

ومع ذلك، فإن هذا الدفاع عن الاتفاقية لم يأخذ بعين الاعتبار مسألة أساسية: وهى أنه يوجد دليل ضعيف على أن إيران سعت مؤخرا للحصول على أسلحة نووية. وفي الواقع، قال محمد البرادعي، المدير العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، إنه عندما قدّمت الولايات المتحدة "أدلة" على برنامج التسلح الإيراني، كانت"المشكلة هي أنه لم يكن أحد يعرف ما إذا كان أي من هذه الأدلة حقيقيا". لاحقا، عندما حلّ يوكيا أمانو محل البرادعي، غيرت الوكالة موقفها. لكن هذا لم يكن مستغربا في ضوء البرقيات الدبلوماسية المسربة من بعثة الولايات المتحدة في فيينا. فقد وصفت هذه البرقيات ترقية أمانو بأنها "فرصة لا تتكرر إلا كل عشر سنوات"— ويرجع ذلك جزئيا إلى أن أمانو "كان متواجدا بقوة في الاجتماعات الأمريكية في كل قرار استراتيجي أساسي … [بما في ذلك] التعامل مع برنامج الأسلحة النووية المزعوم لإيران".

علاوة على ذلك، من الضروري أن نتذكر بأن إيران لم تقم أبدا بشن هجوم داخل حدود الولايات المتحدة وليس من المرجح أن تفعل ذلك في المستقبل المنظور. بينما قامت حكومة الولايات المتحدة بتأييد انقلاب عام 1953 الذي أطاح بالحكومة الإيرانية المنتخبة ديمقراطيا بقيادة محمد مصدق. وفي الثمانينات، قامت واشنطن بدعم العراق خلال الحرب الإيرانية-العراقية، وفي عام 1988، أسقطت البحرية الأمريكية طائرة إيرانية مدنية، مما أسفر عن مقتل 290 راكبا. وفي الآونة الأخيرة، ساعدت واشنطن جماعة جند الله الارهابية في جنوب شرق ايران.

إن تاريخ التفتيش عن الأسلحة النووية في العراق هو أيضا ذات صلة هنا، ولا سيما فيما يتعلق بطلب التفتيش"في أي مكان وفي أي وقت". فقد أشار سكوت ريتر، وهو أحد مفتشي الأسلحة التابعين للأمم المتحدة الذين شاركوا في عمليات التفتيش في العراق في فترة التسعينات، إلى أن الولايات المتحدة استخدمت عملية التفتيش "كحصان طروادة لادخال قدرات لجمع معلومات استخبارية لملاحقة صدام حسين".

هذه الحقائق تفسر إحجام الحكومة الإيرانية عن فتح منشآتها العسكرية للتفتيش الاقتحامي. كما تلقي الضوء على الأهداف الأمريكية في غرب آسيا: صناع السياسة الأمريكيون مهتمون في المقام الأول بالحفاظ على هيمنة الولايات المتحدة في المنطقة وليس بالأمن القومي. لذلك فإن طهران تمثل مشكلة: لأنها غير ملتزمة بتعليمات واشنطن، خلافا لإسرائيل ومصر والمملكة العربية السعودية الذين يعتمدون على المساعدات والدعم الأمريكي.

يمكن للولايات المتحدة أن تضمن الأمن من خلال إصرارها على إنضمام إسرائيل إلى منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط وكذلك نبذها علنا استخدام القوة ضد إيران، بدلا من التركيز على كيفية إبقاء العمل العسكري قيد البحث. هذه التدابير قد أيدتها بالفعل غالبية حكومات العالم من خلال حركة عدم الانحياز، لكن العلماء الأميركيين غالبا ما يكونون متخوفين من إبدائها بوضوح خشية أنهم لن يؤخذوا على محمل الجد في واشنطن. ومع ذلك، فإن الانتخابات الأمريكية المقبلة توفر فرصة للعلماء التقدميين لتجاوز تقديم المشورة والدعم للديمقراطيين— الذين لا يختلفون عن زملائهم الجمهوريين إلا فقط في الدعوة إلى نهج أكثر واقعية لبرنامج واشنطن للهيمنة الأمريكية. ومن خلال الجمع بين معرفتهم التقنية وبين الاقتراحات السياسية المقبولة دوليا، يمكن للعلماء التدخل مباشرة في المناقشات العامة حول إيران من أجل كشف تناقضات السياسة النووية للولايات المتحدة ومن أجل دعم السلام.

تناقضات السياسة النووية لتركيا

يبدو أن مقالي في جولة الاجتماع الثانية، الذي جادلت فيه بأن مخزون اليابان من البلوتونيوم يضعف رسالة الهيباكوشا لنزع السلاح، كان مصدر إلهام لزميلي أكيرا كاواساكي لمناقشة "المعايير المزدوجة المتأصلة في سياسات اليابان النووية". وفي هذا المقال من جولة الاجتماع الثالثة، سوف أرد بالمثل من خلال مناقشة المعايير النووية المزدوجة لبلدي، تركيا.

تركيا عضو ذات وضع جيد في أنظمة منع الانتشار النووي ونزع السلاح— وقد وقّعت على صكوك مثل معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية ومعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، وهى أيضا عضو في مبادرات مثل لجنة زانجر ومجموعة الموردين النوويين. علاوة على ذلك، لطالما قامت تركيا بالدعوة لإنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط. ويصور مسؤولون أتراك إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية على أنها مسألة ذات مسؤولية جماعية ملّحة، وذلك في ضوء الوضع الأمني المتردي بشكل متزايد في منطقة الشرق الأوسط.

لكن تركيا هى أيضا عضو في منظمة حلف الناتو، وفي سياق الاستراتيجية الأمنية للحلف ومبادئه المتعلقة بالتضامن وتقاسم الأعباء، سمحت أنقرة على مدى عقود بنشر أسلحة نووية أمريكية في الأراضي التركية. ويعتقد مسؤولون أن هذه الأسلحة تعزز التزام واشنطن بالأمن عبر الأطلسي وتسهم في مصداقية الردع الموسع.

لذا، فإن تركيا ملتزمة بعالم خال من الأسلحة النووية من ناحية. ومن ناحية أخرى، تسمح أنقرة بوجود أسلحة نووية أمريكية داخل أراضيها، وتؤكد أن نزع السلاح سيتطلب وقتا وصبرا— وفي الحقيقة لن يكون النزع الكامل للسلاح ممكنا في أي وقت قريب. إن هذا النهج المتناقض يقلل من مكانة تركيا في الأنظمة القائمة لمنع الانتشار النووي ونزع السلاح— على الأقل في نظر الدول المجاورة لتركيا في الشرق الأوسط، إذ يعد تعاون هذه الدول أمرا ضروريا للقيام بإنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في المنطقة. وللتخلص من هذا التناقض وتحقيق الاتساق مع مبادئ تركيا المعلنة منذ فترة طويلة، يجب على أنقرة بدء عملية إعادة الأسلحة النووية التكتيكية إلى الولايات المتحدة— من خلال عملية استعراض متأنية ومشاورات وثيقة مع واشنطن.

قد يجادل مسؤولون أتراك بأن إعادة الأسلحة الأمريكية إلى موطنها سوف يقوض أمن تركيا. لكن حتى مع تدهور العلاقات بين الناتو وروسيا في ظل تطورات الأحداث في أوكرانيا، فإن تخيل مواجهة "عنيفة" بين الناتو وروسيا—ناهيك عن حدوث تبادل نووي—سيكون بمثابة، على حد تعبير الخبير الاستراتيجي هيرمان كان: "تصوّر ما لا يمكن تصوّره". حتى لو حدث مثل هذا السيناريو، فبالكاد ستلعب الأسلحة النووية التكتيكية دورا في هذا الصدد!

علاوة على ذلك، يمكن أن يوفر الناتو ردعا موسعا لتركيا من خلال وسائل أخرى لا تعتمد على وجود أسلحة نووية في الأراضي التركية. إذ يمكن، على سبيل المثال، نشر غواصات أمريكية مسلحة نوويا في شرق البحر المتوسط بشكل مؤقت، بحيث يمكنها التردد على الموانئ التركية. خطوات مثل هذه يمكنها ايصال رسالة قوية إلى دول غير صديقة. ومن وجهة النظر هذه، لن يتم نشر أية أسلحة نووية في 20 دولة من إجمالي 28 دولة في حلف الناتو، لكن سيتم تغطية جميع الدول الـ 28 تحت المظلة النووية للحلف.

ومن المفارقات أنه في حال تم سحب الأسلحة النووية من تركيا، فإن بعض الخبراء الغربيين قد ينظرون بارتياب في خطط تركيا للطاقة النووية، متسائلين عما اذا كانت أنقرة تهدف إلى تطوير أسلحة نووية خاصة بها. لكن لن يكون لدى تركيا أي حافز من الناحية الأمنية لمتابعة مثل هذا المسار. إذ إن الشروع في مغامرة الأسلحة النووية من شأنه أن يعقد العلاقات المتوترة بالفعل بين تركيا والاتحاد الأوروبي، ما يحطم الطموحات التركية في الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي في النهاية.

كما أجرت دول أوروبية أخرى تستضيف أسلحة نووية أمريكية مناقشات حول مسألة الاحتفاظ بهذه الأسلحة. فقد أبدت كل من ألمانيا وإيطاليا وهولندا وبلجيكا رغبتها على الأقل في مناقشة إزالة الأسلحة النووية الأميركية من القارة الأوروبية. لكن بعض الدول الأخرى، التي تشعر بالقلق إزاء موقفها الأمني في مواجهة روسيا، عارضت هذه الفكرة (كما فعلت تركيا نفسها). في ضوء هذه الخلفية، سيكون من الملائم لتركيا أن تشارك في مناقشات جادة حول إزالة تلك الأسلحة من أراضيها.

وفي الوقت نفسه، فالعامة من الأتراك ليسوا متعاطفين مع حلف الناتو والولايات المتحدة في هذه الأيام. فقد ضعفت الصورة القوية لحلف الناتو، بعدما حوّل الحلف نفسه من منظمة دفاع جماعية ذات موقف يتسم بـ"القوة الصلبة" إلى منظمة أمن جماعية ذات موقف يتسم بـ"القوة الناعمة". كما يُنظر الى حلف الناتو بشكل متزايد على أنه يخدم في المقام الأول مصالح الولايات المتحدة ويحفاظ على الهيمنة الأمريكية. إن المشاعر المعادية للولايات المتحدة منتشرة في تركيا اليوم، ومن المرجح أن تكون إزالة الأسلحة النووية الأمريكية من الأراضي التركية خطوة شعبية.

إن استضافة أسلحة نووية أمريكية لن يقدم سوى القليل لتعزيز الأمن التركي. لكنه سوف يقوض مصداقية تركيا تجاه منع الانتشار النووي ونزع السلاح، وسوف يثير استياء العامة من الأتراك. لقد حان الوقت لواشنطن لإعادة أسلحتها إلى الوطن.

طريق طويل للوصول إلى طوكيو

جادل مصطفى كيبر أوغلو، في جولة الاجتماع الثانية، بأن مخزون اليابان من البلوتونيوم يقوّض رسالة الهيباكوشا لنزع السلاح. بيتما ركّز سوفرات راجو على استعداد واشنطن الدائم لاستخدام الأسلحة النووية— وهى مسألة لها تأثير مباشر على اليابان بسبب المظلة النووية التي تقوم واشنطن بتمديدها إلى طوكيو. مقالا زميلىّ يسلطان الضوء، وإن كان ذلك بطرق مختلفة، على المعايير المزدوجة المتأصلة في سياسات اليابان النووية.

إن واضعي السياسات والناس العاديين في اليابان لديهم مشكلة في الاعتراف بالتناقضات النووية الهائلة لليابان. لقد أكدّ رؤساء الوزراء اليابانيون على مدى سنوات أن إزالة الأسلحة النووية هى إحدى الأولويات القصوى لليابان، كما قدمت طوكيو حلولا في هذا الشأن للأمم المتحدة بشكل منتظم. لذا، يوجد تصوّر واسع الانتشار بين عامة اليابانيين بأن طوكيو تلعب دورا رائدا في مجال نزع السلاح، لكن هذا التصور ليس دقيقا تماما.

لا تزال اليابان متمسكة بمفهوم الحرب الباردة للردع النووي، حتى بعد مضى عقود على نهاية الحرب الباردة. في عام 2012، عندما أصدرت سويسرا و 15 دولة أخرى بيانا بشأن العواقب الإنسانية للأسلحة النووية، رفضت اليابان في البداية التوقيع على البيان لأنه طالب بـ"تحريم" الأسلحة النووية. وعندما قامت طوكيو بالتوقيع في النهاية، فقد قامت بذلك فقط بسبب الانتقادات العامة— غير أنها أكدت أنها لن تدعم فرض حظر على الأسلحة النووية على المدى القريب. كما لم تنضم اليابان حتى الآن إلى مبادرة التعهد الإنساني، وهي مبادرة آخذة في الانتشار وتدعو إلى "سد الفجوة القانونية" من أجل حظر وإزالة الأسلحة النووية.

كذلك قامت طوكيو في بعض الأحيان بمقاومة خطوات جزئية لنزع السلاح. عندما أجرت واشنطن مراجعة الوضع النووي الذي تم الانتهاء منه في عام 2010، كانت هناك استراتيجية قيد النظر متعلقة بـ"الغرض الوحيد". كان من شأن هذه الاستراتيجية أن تحدد الغرض الوحيد للأسلحة النووية بأنه ردع أي هجوم نووي ضد الولايات المتحدة أو حلفائها. لكن الحكومة اليابانية، بعد نقاش داخلي، عارضت إجراء هذا التغيير بسبب مخاوفها من أن ذلك سوف يضعف المظلة النووية.

لاحقا وفي عام 2013، ألقى وزير الخارجية فوميو كيشيدا كلمة في جامعة ناجازاكي عن "الأفكار الشاملة بشأن سياسة اليابان العامة لنزع السلاح ومنع الانتشار النووي". وقال بفخر إن اليابان سوف تناشد الدول الحائزة للأسلحة النووية للحد من استخدامها للأسلحة النووية بحيث يتم قصرها على "الظروف القصوى استنادا إلى حق الدفاع عن النفس الفردي أو الجماعي". لكن ذلك صدم الحاضرين من الناجين من تفجير ناجازاكي النووي، حيث تعجبوا كيف يمكن أن تتغاضى اليابان عن استخدام الأسلحة النووية حتى وإن كانت للدفاع عن النفس.

تسببت تصريحات كيشيدا في خلق فضيحة في ناجازاكي وهيروشيما. لكن في المقابل كان هناك اهتمام ضئيل بالاعتماد الرسمي لليابان على الردع النووي للولايات المتحدة— أو بطلب الحكومة اليابانية، في المراحل الأولى من المحادثات السداسية بشأن كوريا الشمالية، بألا تسعي واشنطن لنزع السلاح النووي الشمالي من خلال استبعاد استخدام الأسلحة النووية ضد بيونج يانج. إذن كيف يمكن لدولة أن تقود العالم نحو نزع السلاح بينما تتصور إمكانية قيام واشنطن بشن ضربة نووية نيابة عنها؟

وكما أن سياسات اليابان المتعلقة بنزع السلاح مليئة بالتناقضات، كذلك هو حال سياساتها تجاه حظر الانتشار النووي. هناك وجهة نظر منتشرة على نطاق واسع في اليابان بأن محطات الطاقة النووية في البلاد تُستخدم فقط للأغراض السلمية وليس لها علاقة بالأسلحة النووية. ويدعي بشكل رسمي العلماء اليابانيون، مدعومين من قبل الحكومة والصناعة، بأن مخزون اليابان من البلوتونيوم لا يمكن استخدامه لتصنيع الأسلحة لأنه يستخدم في المفاعلات فقط. لكن عامة اليابانيين لا يفهمون بوجه عام أن البلوتونيوم يشكل خطرا هائلا لانتشار الأسلحة النووية بغض النظر عن الشكل الذي يتخذه.

في هذا الصدد، اقترح كيبر أوغلو أن تعالج اليابان مشكلة البلوتونيوم باستخدام وقود الأكسيد المختلط من البلوتونيوم واليورانيوم في مفاعلات الطاقة. لكني أعتقد أن تعزيز مخزون البلوتونيوم وتخزينه تحت رقابة صارمة سيكون نهجا أكثر أمانا. كما سيكون أيضا نهجا أكثر واقعية، وذلك بالنظر إلى تقليل اليابان من اعتمادها على الطاقة النووية عقب حادثة في فوكوشيما. أما بالنسبة للوقود المستهلك الذي تنتجه مفاعلات الطاقة، فإن التخزين الجاف في الموقع سيكون أفضل بكثير لإعادة المعالجة، وذلك من حيث السلامة وحظر الانتشار النووي. وعلى أية حال، فإن بدء التشغيل الكامل لمفاعل روكاشو لإعادة المعالجة (المقرر افتتاحه في 2016) سوف يبعث برسالة رهيبة بشأن الانتشار العالمي للأسلحة.

يجد الناجون من تفجيرىّ هيروشيما وناجازاكي في كثير من الأحيان صعوبة في إيصال رسالتهم إلى عواصم الدول الخارجية مثل واشنطن وموسكو وبيونج يانج. ومع أن هيروشيما وناجازاكي تقعان على بُعد رحلة بالقطار من طوكيو—يبدو أحيانا أن هناك مسافة شاسعة تفصل الهيباكوشا عن عاصمة بلادهم.



Topics: Nuclear Weapons

 

Share: