التعلم من الحوادث النووية والتوسع في الطاقة النووية

By Augustin Simo: AR, May 20, 2016

تشكل الطاقة النووية حوالي 11 في المئة من انتاج الكهرباء في العالم، ومن المرجح أن تزيد هذه النسبة على المدى المتوسط حيث يسعى العالم للحد من انبعاث ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، وبالتالي التخفيف من آثار تغير المناخ. لكن منذ وقوع حادثة فوكوشيما، تباطأ التوسع العالمي للطاقة النووية— مثلما حدث تماما عقب كارثة تشرنوبيل. يمكن أن تخلق حوادث المفاعلات النووية، حتى وإن لم تكن شديدة الخطورة، رهابا غير مبرر من الطاقة النووية لدى العامة.

حدثت كارثة تشرنوبيل عام 1986 بسبب عدة عوامل من بينها التصميم المعيب للمفاعل وعدم كفاية تدريب العاملين في المفاعل والافتقار إلى ثقافة السلامة النووية. قتل نحو 30 شخصا بعد وقت قصير من الانفجار نتيجة لمتلازمة الإشعاع الحادة ثم ارتفع عدد القتلى إلى قرابة 56 شخصا. ومع أن حدوث أي وفاة مبكرة أمر يؤسف له، فقد استنفرت كارثة تشيرنوبيل العلماء والمهندسين لتحسين التحكم الإلكتروني في تشغيل المفاعلات. وقد أدى ذلك إلى تحسين التعليمات فيما يتعلق بثقافة السلامة النووية. والآن يبدو احتمال وقوع حادث آخر مماثل لتشيرنوبيل ضئيلا للغاية.

أما كارثة فوكوشيما التي وقعت قبل خمس سنوات فهى أكبر ثاني حادثة نووية في العالم، وقد حدثت بعد 25 عاما من وقوع الحادثة الأولى. لكن المتسبب في هذه الحادثة هى أحداث خارجية— زلزال قوي وتسونامي. لم يُبلغ عن وقوع وفيات نتيجة للإشعاع، برغم وقوع عدد قليل للغاية من الوفيات والتي يمكن أن تعزى إلى الفزع أو الآثار النفسية الأخرى. ومن بين الـ160 ألف شخص الذين نزحوا من منطقة الحادث، عاد حوالي 60 ألفا إلى منازلهم، كما يعود آخرون على نحو بطيئ.

لا يزال المجتمع النووي العالمي يتعلم الدروس من فوكوشيما. لكنه يستخدم بالفعل هذه الدروس لمنع وقوع حوادث أخرى في المستقبل. ويؤخذ حاليا بعين الاعتبار المخاطر الخارجية الشديدة عند تصميم مفاعلات جديدة. كما يتم تطوير بدائل للمكونات التي فشلت في فوكوشيما. وقد تم تطوير أنظمة متنقلة لتوفير الكهرباء أو مياه تبريد للمفاعلات عندما تفشل نظمها الخاصة. وقد أخضعت عديد من الدول منشآتها النووية لاختبارات الاجهاد، كما قامت عديد من الدول بمراجعة الأطر القانونية والمتعلقة بالسلامة. كذلك تم تعزيز معايير السلامة الدولية تحت قيادة الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وتم إنشاء شبكات من المنظمين والمشغلين والبائعين على المستويات الدولية والإقليمية وشبه الإقليمية لتعزيز النظام العالمي للسلامة النووية. وقد تم تنظيم المؤتمرات الدولية مع التركيز على فهم أسباب وقوع حادثة فوكوشيما والأضرار الناجمة عنها. ونتيجة لذلك، تتلقى المفاعلات النووية في جميع أنحاء العالم تحسينات إرشادية لتعزيز إجراءات السلامة بها.

قدمت حادثتا تشيرنوبيل وفوكوشيما دروسا تعمل على تحسين السلامة النووية. ويقوم المجتمع النووي الدولي بجهود متسقة وفعالة لتفادي الخسائر في الأرواح البشرية (على الرغم من استحالة استبعاد هذا الاحتمال في حال وقوع حادث نووي شديد). ولا يزال هناك مجال لمزيد من التحسينات. إذ ينبغي تعزيز التعاون الدولي بين مشغلي محطات الطاقة النووية. كما ينبغي أن تشارك مزيد من الدول في الاستعراضات الدولية التي يجريها الأقران للمنشآت النووية والتي أوصى بها مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية ضمن خطة عمل أصدرها عام 2011. تعد هذه المهام خطوة جيدة نحو تعزيز ثقافة السلامة والفوز بالقبول العام للطاقة النووية— وكذلك تحسين التأهب لحالات الطوارئ والاستجابة لها.

التنسيق العالمي. لقد وضعت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالفعل معايير محددة للسلامة، عندما يتعلق الأمر بالتأهب للحوادث النووية والإشعاعية والاستجابة لها. لكن لا تزال هناك حاجة إلى تنسيق الطرق المتعلقة بالاستعداد للطوارئ والاستجابة لها في جميع أنحاء العالم. وينبغي على كل دولة، سواء كانت تستخدم الطاقة النووية أم لا، الاستمرار في تطوير قدرات الاستجابة للطوارئ على جميع المستويات والمحافظةعليها، مع الأخذ بعين الاعتبار الأضرار التي يمكن أن تسببها الحوادث النووية والإشعاعية للأفراد والبيئة في الدول الأخرى، سواء المجاورة أو البعيدة.

ويعد أكبر سبب للقلق في كثير من الدول النامية، مثل بلدي الكاميرون، هو حالات الطوارئ التي تنطوي على مصادر مشعة. يمكن أن تشمل هذه الحالات الطارئة أعمال التخريب في المنشآت النووية أو السرقة أو ضياع المصادر المشعة، إضافة إلى الحوادث التي تقع أثناء نقل مواد مشعة. وفي حال وقوع حوادث نووية وإشعاعية، يتم مراجعة معايير الاستعداد للطوارئ لضمان بقاء أي حادثة من هذا النوع في المستقبل تحت السيطرة. ويدرك تماما المجتمع النووي الدولي الحاجة إلى التحسين المستمر لإدارة الحوادث النووية والتخفيف من آثارها السلبية على البشر والبيئة.
 
أطلقت مؤخرا الوكالة الدولة للطاقة الذرية، من أجل تحسين الاستعداد للحوادث النووية والإشعاعية في الدول الأعضاء بها، على شبكة الانترنت أداة جديدة تُسمى نظام إدارة معلومات التأهب لحالات الطوارئ والاستجابة لها، وهى عبارة عن "أداة تقييم ذاتي" والتي تعتقد ايلينا باجلوفا، رئيسة مركز الحوادث والطوارئ بالوكالة الدولية للطاقة الذرية، أنها "ستساهم مساهمة هامة في مستويات استعداد الدول الأعضاء". ومن المفيد هنا أن نتذكر أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفقا لاتفاقية تقديم المساعدة في حالة وقوع حادثة نووية أو حالة إشعاعية طارئة، لديها مسؤوليات محددة "فيما يتعلق بمساعدة الدول في وضع ترتيبات الاستعداد الخاصة بها لحالات نووية وإشعاعية طارئة".

من المهم كذلك للقيام باستجابة فعالة للحالات الطارئة أن يتم تبادل المعلومات التقنية حول المفاعلات النووية والحوادث النووية على نطاق واسع.  ولن يكون بإمكان المشغلين والمنظمين والبائعين— جميع أصحاب المصلحة في الصناعات النووية—تقديم مساهمات مناسبة لإدارة الحوادث النووية إن لم يكن متاحا لهم الحصول على نفس المعلومات. إذ يتطلب التأهب الفعال للحالات الطارئة توقعات عالمية.

تغيير المسار. تستحق الطاقة النووية مكانة ذات أولوية قصوى في الاستراتيجية العالمية لإقامة نظم للطاقة المستدامة. ووفقا لوكالة الطاقة الدولية ووكالة الطاقة النووية، يجب أن تتضاعف القدرة النووية العالمية بحلول عام 2050، و يجب أن توفر الطاقة النووية 17 في المئة من الانتاج الكلي للكهرباء، اذا أردنا وضع حد للاحترار العالمي بحيث لا يزيد على درجتين مئويتين عن مستويات ما قبل العصر الصناعي. كثير من السياسيين اليوم يعدون باستبعاد الطاقة النووية من مزيج الكهرباء في بلدانهم. لكنهم من المؤكد سوف يغيرون نهجهم هذا قريبا جدا— وسوف يعتمدون الطاقة النووية لأنها من بين الخيارات الأكثر موثوقية واستدامة لتوفير الكهرباء.



Topics: Nuclear Weapons

 

Share: