التقدم المبني على التقنية، و ليس السيطرة السياسية

By P. R. Kumaraswamy (AR), September 28, 2013

هل هناك أي رابط جوهري يربط الطاقة النووية وبرامج التسلح النووي؟ اذ تطور الموضوع ليصبح القضية المركزية في اجتماعنا هذا — والدليل المقدم هنا لا يثبت فكرة أن هذا الرابط موجود. أنا والسيد جيلبرتو جانوزي  أيدنا فكرة أنه والى حد كبير أن نظام منع الإنتشار العالمي يميل إلي تضخيم مخاطر الانتشار النووي مما قد يعيق الطموحات المشروعة للدول النامية في تطوير قطاعات القدرة النووية؛ والسيد شهرمان لقمان وعلى الرغم من أنه يعتبر أن الانتشار النووي يشكل خطورة عظمى اكثر مما اعتبره المشاركون الآخرون في الاجتماع، إلا أنه لم يقل أن انتشار الطاقة النووية سوف يؤدى بالضرورة إلي إنتشار الأسلحة النووية. ومما لاشك فيه أن هناك بعض الدول طورت برامج للطاقة النووية ثم شرعت في عمليات التسلح بعد ذلك. ولكن حتي فى الهند، وهي حالة واضحة، لم تكن الرغبة في امتلاك الطاقة النووية مجرد ذريعة للتسلح النووي.

نظراً لإجماع كافة أطراف هذه المائدة المستديرة بشأن موضوعها الرئيسي، بات حريأ بنا الآن أن نركزبمزيد من الاهتمام علي نقاشنا حول منطقة واحدة حيث القضايا النووية هي محط الاهتمام على وجه الخصوص. تلك المنطقة هي الشرق الأوسط، حيث أكد الربيع العربي علي حاجة الكثير من البلدان للحصول علي خيارات جديدة للطاقة، بما في ذلك الطاقة النووية. فلقد أدى إضعاف السلطة المركزية في مصر علي سبيل المثال إلي وقوع العديد من أعمال التخريب ضد خط الغاز الممتد بين مصر والأردن مما أدي إلي تفاقم مشكلة نقص الطاقة القائمة بالفعل في الأردن. وذلك النقص، إلي جانب ضآلة الموارد الاقتصادية للدولة، يعمل علي تقويض استقرار الحكومة — وسيظل التوتر قائماً على الرغم من أن الإصلاحات التي أجرتها الأردن في ظل الربيع العربي كانت أكبر تأثيراً من تلك التي أجرتها العديد من دول الشرق الأوسط الأخري. وفي الأردن، ربما تكون القدرة النووية هي الخيار الواقعي الوحيد الذى سيلبي الاحتياجات الوطنية من الطاقة —  بل وربما تكون ضرورة إذا ارادت الدولة تنفيذ مزيد من الاصلاحات السياسية التي طال انتظارها.

ولكن أهمية الطاقة النووية باعتبارها مصدراً للطاقة الكهربائية لاتمحي تلك المخاوف المتعلقة بالانتشار النووي. فالقدرة النووية التي تمتلكها اسرائيل منذ وقت طويل لم تعمل علي تحفيز سباق التسلح النووي، لكن هذا لا يعنى أن الدول العربية قد رضيت بذلك التباين النووي في منطقتها. بل ان سياسة العصا و الجزرة التى تتبعها الولايات المتحدة الامريكية اقنعت  الدول العربية بالعدول عن السعي لامتلاك الخيار النووي. و في الوقت ذاته، فإن اسرائيل،علي الرغم مما ترتكبه من أخطاء متكررة، إلا أنها استطاعت الحفاظ علي موقف نووي غير شفاف منذ أواخرالستينيات، مما جنّبها فرض عقوبات دولية عليها.

وفي معرض سياق  حديثنا عن الشرق الأوسط، فإن فكرة المنطقة الخالية من الأسلحة النووية لاتزال حلماً طوباويا، بما أنه لا يمكن تحقيق أي تقدم ملموس نحوهذا الهدف دون تسوية شاملة للصراع العربي الإسرائيلي. الحل الواقعي الوحيد لذلك النزاع — وهو خيار الدولتين، بمعنى أن تحيا اسرائيل وفلسطين جنباً إلي جنب — لا يزال أمراً بعيد المنال. ولكن علي أية حال، فإن جوهر المشكلة لا يكمن في الحدود أوالمستوطنات أو أي شئ من ذلك القبيل، بل في قبول اسرائيل ككيان سياسي ، بكل ما يستلزمه ذلك.

وفي الوقت نفسه، فإن الجدل الدائر بشأن طموحات ايران النووية المفترضة يكشف محدودية مقدرة معاهدة حظر الانتشار النووي علي الحد من انتشار الأسلحة النووية كما يضمن أيضاً الحق المشروع للدول الموقعة في تطوير الطاقة النووية. فإذا اصبحت ايران دولة نووية بحكم الأمر الواقع، فلربما تسعى دول مثل السعودية وتركيا ومصرلامتلاك هذه الأسلحة أيضا، أو امتلاك مظلة نووية علي أقل تقدير. و قد يغري ذلك اسرائيل علي التلويح باستخدام قدراتها النووية علنا. بالتالي، فإنه ليس من المبالغة القول أن بقاء نظام منع الانتشار يتوقف على قدرة النظام علي التأكد من أن ايران ما تزال دولة غير مسلّحة نوويا .

وعودة مرة أخرى إلي قضيتنا المركزية بشأن الرابط بين الطاقة النووية والتسلّح، المخاطر متاصلة في اي تقنية والطاقة النووية هي التقنية الأكثر خطورة من اغلب التقنيات الاخرى. بيد أن التقدم البشري يعتمد، إلي حد كبير، على الإستفادة من الطاقة النووية مع الحد من مخاطرها. لا يمكن إحراز التقدم بحرمان بعض الشعوب من التقنية او ممارسة السيطرة السياسية عليهم.



 

Share: